محاولة تحديد لمعنى الاصلاح
انما الاصلاح ، في معناه التاريخي الحديث ، هو محاولة الوصول الى تحقيق الشخصية السياسية فى جميع مظاهرها بالنسبة للمجتمع أولا ، وللفرد ثانيا ولا نعني بذلك الاصلاح الديني فقط ، كما يتبادر الى ذهن الكثيرين لان ذلك يزيح عن الموضوع كل جوهر ، فاليقظة يقظة اجتماعية سياسية ، قبل أن تكون مهاترة لاهوتية . ومتى كانت أصول الدين مجهولة عند المسلمين حتى تلح الحاجة إلى انقاذ الناس من الكفر والالحاد ؟ ألا ترى أن أحمد أمين يجمع فى كتابه : ( زعماء الاصلاح في العصر الحديث ) بين الشخصيات المتباينة فكرا وثقافة ، والمتعارضة مهنة واسلوب حياة . وذلك ما قام به قبله جرجى زيدان فى كتابه ( بناة النهضة ) وهو ما نشاهده اليوم عند المؤرخين والساسة العرب فيما كتبوه أو خطبوا به .
كل ما هنالك هو أن نفرق بين وسائل الاصلاح النظرية قبل الاستقلال ، ووسائله العملية بعده والجدير بالملاحظة ايضا فى هذا الميدان هو انعدام الفاصل بين النضال الاجتماعى والنضال السياسى ، فكل منهما يقود الى الآخر ويكمله ثم ان حركة الاصلاح فى القرن التاسع عشر وما يليه لم تكن خاصة بالعالم الاسلامى ، بل انها يقظة نشأت عند كل الشعوب التى بدأت تشعر بالخطر المحيق بها من جراء النظام الاستعمارى ، فأخذت تحاول الخلاص منه فكان الاصلاح فى نظر البوذى ، والمسلم ، والنصرانى وغيرهم طريقة تحرر وتحرير من وضع متخلف بائد ، وسيطرة سياسية واقتصادية اجنبية
والميزة الكبرى لهذه الشعوب ، فى بداية هذه الفترة ، أنها كانت تعتمد الماضى ، وتتقيد بالتعاليم الدينية تقيدا حرفيا فى مظاهر الحياة المختلفة .
وما ان بدأ ضغط الغرب بسلاحه ، وعلومه ، وسياسته ، واقتصاده ، حتى
بدأ المفكرون وتلاميذهم فى هذه البلاد المتخلفة عنه تاريخيا نظرا لانه سبقها الى التخلص من ربقة الحرفية الدينية فى حياته يستفيقون من غفوتهم ، ويعيدون النظر فى الاسس التى ترتكز عليها حياتهم . وما زالوا الى اليوم فى هذا الاخذ والرد . وليس من الغريب أن ينتج عن هذه المراجعة ما ينتج من افراط وتفريط فهؤلاء يقولون لا تصلح الاخلاف الا بما صلح به الاسلاف ، وهؤلاء ينصحوننا ببيع ارواحنا لاسيادنا الجدد . وكانت الحقيقة بجانب من تخطى نعارض الموقفين الى ما هو أجدى ، أعني الى العمل المتبصر
ومن هذا يتضح لنا أن الاصلاح بالمعنى الذي بيناه هو الطريق الى الوجود السياسى بمعناه الكامل ، أى انه البحث عن طريق الخلاص من قبضة المستعمر ثقافيا أولا ، وسياسيا ثانيا ، واقتصاديا فى الاخير
نظرة تاريخة
1 - حركة الرواد -
أ - خير الدين وصحبه
لم تكن تونس فى القرن التاسع عشر الا ولاية عثمانية ، وستتأثر بذلك فى تفكيرها وتدبيرها حتى عهد انتصاب الحماية سنة 1881 ، وربما الى ما هو ابعد منه بكثير . وكان من نتيجة هذه الظاهرة ان اتضحت فكرة الرابطة الاسلامية فى هذه الفترة ، وأخذ كل رأى اصلاحى يدور فى فلكها . أما فى عهد الحماية فسيكون التخلص من المغتصب هو محط الآمال ، يليه طور البناء الفعلى لما ترتضيه الامة لنفسها فى الميدان الاجتماعى وغيره من الميادين ، يوم يتم الخلاص من الغاصبين
ولقد كان النظام الاستبدادي ، الذى رسخ أركانه الاتراك فى بلادنا ، من أسباب الفراغ السياسى الذي كان سائدا عندنا فى أيامهم ، فكم ذلك الافواه عن أن تبدى برأى ، والعقول عن أن تبحث فى توسيع موارد الرزق ، اذ الامن مفقود ، ولا رادع للامير عن غيه فى النهب والتنكيل لا تدرس في الجوامع الا المواد التى ليس للعقل فيها نصيب ، كعلوم اللغة ، ومتون فرائض الدين ، ولا يفكر المرء الا فى نفسه ، ولا يعى ما نعنيه اليوم بالصالح العام ، أو العمل الوطنى . ولقد بدأ هذا الوضع يتغير بالتدريج ، ابتداء من عهد المشير احمد باشا الكبير ، الذى كان يبغى اقتفاء اثر محمد على في مصر ، لتجسيم شخصية ولايته ، والتقليل من تبعيتها للباب العالى ، وللدول الاوروبية الكبرى والوسيلة
المثلى لتحقيق هذه الغاية في نظره ، هو الجيش ( 1 ) ، ولذلك أسس المدرسة الحربية بباردو ( 2 ) لتخريج الرجال الاكفاء في الادارة والحرب . ومن هؤلاء نذكر الثالوث الذى كان له الاثر الكبير فى تاريخ تونس الحديثة وهم : الجنرال حسين ( 3 ) ، والجنرال رستم ( 4 ) ، وبالاخص الجنرال خير الدين (1889 1822) (5 ) ولقد كان الشيخ قابادو ( 6 ) من أشهر أساتذة هذه المدرسة تدريسا
وتاليفا ، وترجمة ، وكان له الاثر البالغ على الثالوث ، وعلى تلامذة الجامع الاعظم ايضا ، بما له من ثقافة عصرية واسعة فى اللغة الايطالية ، ودراية كاملة بالعلوم الاسلامية ، وذلك مما اعانه على تكوين مذهب فى الاصلاح مبتكر وملخص تعاليمه فى هذا الباب أنه كان يبحث أولا وبالذات عن الاسباب التى توضح سر النهضة الاوروبية ، اذ هو يؤمن بسبق المدنية الغربية فى عصره ويرى ، تبعا لذلك انه من واجب المسلمين الالتحاق بمستواها عن طريق تبنى تعاليمها الصالحة فى التفكير والسلوك ؛ وهذا الاتجاه واضح كل الوضوح فى كتاب تلميذه خير الدين - ( اقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك ) ( 7) .
ونحن لا ننسى اثر الطليان (8) على بلادنا فى هاته الفترة بالذات ، فتزاوج البايات وكبار الضباط من الايطاليات أمر معروف ، واللغة الايطالية كانت هى
لغة الحاشية والقصر . ولقد وجد ( 10 ) ( Garlfavour ) و(9) (cavour) اثناء مقاومتهما للنمسا أيام تحرير ايطاليا وتوحيدها الملجأ والعون فى بلاط تونس . لا يمكن اذن أن لا تؤثر افكار رواد الحرية والتقدم فى ايطاليا على من تفتحوا لها من أمثال الشيخ قبادو الذى قضى ردحا من الزمن فى فلورنسا والجنرال خير الدين الذى كان يصبو بطبعه الى وجود مخرج مما عليه قومه من ضعف فى كل الميادين
ومن ذلك نرى أن الانزواء الكامل لا وجود له ، بالنسبة للجماعة أو الفرد ، حتى في مثل هذه الفترة العصبية التى ذكرنا . فلقد كانت تونس تستمد ما يعينها على السير من واقع ظروفها ، وتتأثر بما عند جيرانها فى ايطاليا ومصر (11 ) ، وتركيا ( 12 ) بالاخص . وما كان الشيخ قبادو أقل تأثيرا على مريدية من خير الدين على أنصاره . ومن المعروف عندنا أن ابا النهضة التونسية الاول ، أى المحقق العملى لها ، هو خير الدين باشا التونسى
تربى خير الدين فى قصر الباى احمد ، فاهتم هذا بتعليمه ، فثقف العلوم الدينية ودخل الجيش الذى بدأ يأخذ بالنظم الاوروبية ، تحت اشراف بعثة من الضباط الفرنسيين يرأسها الكومندان ( 13) (Campenon ) ، الذي سنراه فيما بعد وزيرا للحربية الفرنسية فى حكومة ( Gambetta) وكان لهذه الثقافة المزدوجة أثرها الاكبر على تفكير خير الدين واعماله : اطلاع واسع على تاريخ أمته ، وتربية عسكرية زرعت في نفسه حب النظام والتشبت بالقانون فجمع الرجل بين الحزم وبعد النظر . ولقد افاد من اسفاره الى البقاع الاوروبية دفاعا عن أموال الدولة ، فى باريس ، ضد بن عياد (14) ، وفي غيرها من العواصم الاوروبية ( 15 ) كممثل شخصى للباى ، احتكاكا بالنظم السياسية
الجديدة ، ووسائلها ، وأغراضها ، فمكنه ذلك من أن يمعن النظر فى الاسس التى قامت عليها المدينة الغربية وعلة تفوق الامم الكبرى ونفوذها ، وكتب فى ذلك كتابه الشهير - ( أقوم المسالك فى معرفة احوال الممالك ) - وكان يعنى فيه بالاخص بالاصلاحات الضرورية للبلاد الاسلامية ، ويرى أن أساس ذلك كله مرجعه الى حسن الامارة " المتولد منه الأمن ، المتولد منه الأمل ، المتولد منه اتقان العمل المشاهد في الممالك الاوروبية بالعيان ، وليس بعده بيان ( 16)
وكان ينعى على المسلمين فى زمانه اعتقادهم الخرافى بأن كل ما صدر عن اروبا حرام ، وتعليلهم لذلك بعلل واهية ( فليس بالرجال يعرف الحق ، بل بالحق تعرف الرجال ، والحكمة ضالة المؤمن ، يأخذها حيث وجدها) ( 17 ) وهذا الانغلاق في نظره هو سبب البلاء ، فما كان الاسلام ليمنع أهله يوما من الانفتاح على ما تصلح به دنياهم من حكمة ، وعلم ، وآلة . ألا ان الاوروبيين لم يتفوقوا علينا الا بعلومهم النافعة فأى مانع لنا ، والحالة هذه ، من أخذ المعارف التى نرى انفسنا محتاجين اليها غاية الاحتياج لدفع المكائد ، وجلب الفوائد فما من سبب لرقى معارفهم ، وازدهار حضارتهم ، فى نظر خير الدين ، الا نظامهم السياسى المقام على العدل والحرية ، فلا نجاة لنا الا بمثل هذا التنظيم العام لشؤون بلادنا ، وغاية ما فى الامر انه علينا ان نراعي ظروف امتنا
فنقدم لها من هذه التنظيمات ما تستطيع هضمه ، ونتدرج معها فى ذلك بنمو أسباب التمدن بين أفرادها . فالعدل ، والحرية هما أصلان من أصول شريعتنا وهما ملاك القوة والاستقامة فى تاريخ جميع الامم . وما أوصلنا إلى حالتنا الراهنة الا بعدنا عن هذه السياسة الاسلامية أصلا ، وان اختلفت مظاهرها اليوم فى الممالك الاوروبية .
ان تنظيم الدولة وشؤونها أمر لا بد منه للوصول الى العدل بالشورى ، والحرية بالدستور . فلا نترك الامر لما يرتضيه الوالى حسب هواه ، والقاضى حسبما يرتئيه بدون رادع من حق أو قانون . ولقد حاول خير الدين أن يطبق آراءه هذه كلما أخذ بزمام الوزارة ، فتولى اصلاح البلاد فى جميع الميادين بتنظيماته المؤسسة على العدل ، وتسهيل طرق الثروة ، وبث الامن فى جميع النواحي ( 18 ) . فعمرت البلاد ، وأمن العباد ؛ ولما لم يكن من سبب حقيقى فى
تقدم الاوروبيين ، فى زعمه ، الا معارفهم وعلومهم ، أسس لذلك المدرسة الصادقية ( 1875 ) ونظمها بالاعتماد على آرائه هذه ، فكان لها الأثر الأكبر فى خلق تونس الجديدة .
وعنده ان اهم العوائق فى طريق تقدمنا هو وجود طائفتين متعارضتين فى البلاد : رجال الشريعة الذين يريدون تطبيق أحكام الدين بحذافيرها ، وهم بعيدون على جد فى الدنيا من أحوال ووسائل تتغير بفعلها الاحكام والمقاييس (19 ) ، وبعض الساسة ( 20 ) الذين يريدون تطبيق النظم الاوربية بحذافيرها بدون مراعاة للظروف التى نشأت فيها ، وللاحوال التى وجدوا أمتهم عليها والواجب ، فى نظره ، هو امتزاج الطائفتين وتعاونهما حتى تنقص كل منهما من غلواء الاخرى ؛ فان ايجاد النظم من لوازم عصرنا وسوف لا يكون لنا وزن ان نحن انسلخنا عن شخصيتنا . والواقع ان الطائفتين خيبتا آماله ( 21)
فكان يكره من بعض رجال الدين ضيق أفقهم ، وتدخلهم فيما لا يحسنونه من أمور السياسة والادارة ؛ فتألبوا عليه وكادوا له كيدا - وأما الساسة المحترفون وعلى رأسهم مصطفى خزندار ( 22 ) فانهم أرادوا أن تكون النظم الاوربية لهم ستارا شرعيا ، وطريقا لتحقيق أغراضهم الدنيئة ، وتنفيذ مطامعهم اللئيمة فى أموال الدولة ، وذمم العباد .
وبقيت روح خير الدين ومناهجه واضحة عند من تابع سيره من التلاميذ الأبعدين والأقربين من البشير صفر (23 ) ، أبى النهضة الثانى ، الى الحبيب بورقيبة ، بانى تونس الجديدة . والخلاصة أن طريق الاعمال الانشائية عنده يكمن فى تطبيق برنامج عملى واضح ، كاقامة الجمعيات ( 24 ) ، وبناء المدارس
(25) ، وضبط كل مجالات النشاط عن طريق القانون المتطور مع المصلحة العامة ( 26 ) . فلم يدع ميدانا من الميادين التى تخص مصالح الناس مهملا من نظر القانون وسنرى ان هذا الخط العام سيبقى واضحا فى تاريخ الاصلاح عندنا الى أيامنا هذه .
ب - تلاميذ خير الدين
ولما بسط الفرنسيون نفوذهم على البلاد ، أخذ المحافظون ينصحون بعدم الانسياق وراء مظاهر المدينة الغربية ( 27) لانها تتنافى وتعاليم الاسلام ، ويرون فى العودة الى الماضى والاعتبار به طريق النهضة الصحيح . فلم يكونوا يتصورون شيئا يمكن أن يخرج عن نطاق الدين فى هذا الباب ، وكانوا في اكثرهم من الشعراء ، ومشائخ الزيتونة كالشاذلى خزندار المولود عام - 1881 وعبد الرزاق كرباكة المولود عام - 1904 - وهذه الرومنطيقية عادة ما تكون من نصيب اولئك الذين ابتعدوا عن واقع الناس ، ولم يقدروا مصالح العباد بما تستحقه من دراية ، مثلهم في ذلك كمثل بعض أتباع خير الدين عند انتصاب الحماية ، أولئك الذين رأوا انه من الواجب قبولها بصفة دائمة ، لانها ستدفعنا بخطى ثابتة نحو الحضارة الجديدة (28) ، ولقد صنع بعض أنصار حركة " تونس الفتاة " صنيعهم من بعدهم ، حينما أخذوا يتغنون بفرنسا الحرية ، وفرنسا المساواة والاخوة ، ولم يريدوا ان ينظروا الى وجهها الحقيقى فى بلادهم ، فكانوا رومنطقيين هم أيضا . وربما أكثر غلوا من المحافظين لبعدهم عن واقع بلادهم
أما من بقى على العهد منهم ، عهد خير الدين ، فقد أسسوا جريدة "الحاضرة" عام (1888) لتنوير الشعب وتثقيفه ، وأسسوا المدرسة الخلدونية عام - 1896 -
وذلك لاكمال التعليم الزيتونى وتطعيمه بالعلوم الصالحة حتى يتخرج الطالب وهو على بينة من عصره ، ليفيد بلاده . وهؤلاء انفسهم هم الذين أسسوا جمعية " تونس الفتاة " عام - 1907 - على شكل حزب سياسى منظم يعمل بجد لافهام السلط وضعية أبناء البلاد ، ونشر أفراده بين مواطنيهم الكثير من آرائهم الليبيرالية لرفع مستواهم المادى والادبى ، والفكرى ، بما كانوا يؤلفونه أن يترجمونه بجريدتهم ( Le Tunisien)التى صدرت فى عام -1907 -لاستجلاب الرأى العام الفرنسي ، وخلق وسائل العمل للاصلاح التدريجى ، وذلك بالتعاون مع الدولة الحامية ، والاعتماد على مبادئها المرعية . ونذكر من زعماء هذه الطائفة البشير صفر ، وعبد العزيز الزاوش ( 29 )، وعلى باش حانبة (30) ؛ وكان أن حضر بعض اعضاء هذه الجمعية مؤتمر المعمرين (31) عام (1906) بمرسيليا ، وقدموا فيه برنامج اصلاحات مفيدة ، وتكونت نتيجة لذلك الندوة الاستشارية عام - 1907 - (32) ولكنها لم ترض طموحهم ، فأخذوا يفكرون منذ ذلك الحين فى المطالبة بالدستور الذى سيكون فى نظرهم سلاحهم للدفاع عن حقوق بلادهم .
11 . الاتجاه الجديد
أ - الحزبية
وكان الشيخ عبد العزيز الثعالبى ( 33) من اكبر العاملين على المناداة بوجوب اعلان الدستور كان هذا الشيخ من انجب طلب الزيتونة ، أثر فيه البشير صفر تأثيرا حسنا اذ انه كان من المنقطعين اليه فى الخلدونية . ومن طموحه انه أنشأ وهو شاب عام -1901- جريدة " سبيل الرشاد " ثم عطلها وراح الى الاستانة ومصر ، ورجع منهما الى بلاده متشبعا بافكار كبار المصلحين من أمثال الافغانى ومحمد عبده ، والكواكبى . وكان من سحر بيانه أن التف حوله المعجبون فأخذ يدعوهم الى التطور ، وفهم الدين على حقيقته ، وأعانه على ذلك انتعاش
الحركة الاشتراكية في فرنسا ( انظر خطب جوراس ) 1905 يوم كانت جرائدها نتصدى للدفاع عن الحرية والعدل فى المستعمرات ، وهو ما حدا ايضا بالثعالبي الى تأليف كتابه ( 1905 L' Esprit liberal du Coran ) أو الروح الليبيرالية فى القرآن -
كان يجاهد مع جمع من رفاقه كعبد العزيز الزاوش وحسن القلاتى ( 34) للتعريف بقضية البلاد وجلب عطف الرأي العام والاحرار الفرنسيين اليها ولكن طور التفاهم هذا لم يدم طويلا اذ ان صلف المستعمرين لم يلبث ان تغلب على آراء الصحافة الباريسية . وظهر فى تلك الأثناء أيضا تنطع المتطرفين من دعاة الامتزاج الغربي ظهورا مخيفا ( 35) . وكان لا بد من المحافظة على الشخصية الذاتية للبلاد أمام هذه النوائب . فكان على باش حانبة والثعالبى من اقدر من قام بهذا الدور فاصدر أولهما جريدة ( Le Tunissen) ليحاج بها المتعنتين من المعمرين ويطالب السفارة بالعدل فى معاملة الاهلين ، فتصدت السلط الاستعمارية له ولاصحابه ابعادا وتنكيلا ، وأخذ الاتجاه القومى نتيجة لذلك طريقا واضحا غايته سد المسالك على دعاة الاندماج - .
وظهرت الدعوة الى الجامعة الاسلامية (36) واضحة عند على باش حانبة فأسس جريدة الاتحاد الاسلامى التى أوكل امر تحريرها الى الشيخ عبد العزيز الثعالبى (1911) وكان يرى ( ان كل مسلم هو من انصار فكرة الاتحاد الاسلامى ، وان التونسيين قاطبة انصار لهذه السياسة ) (37) وما ذلك فى الواقع الا دفاعا عن الشخصية الوطنية ، وذودا عن شوكة الاسلام ، الذي هو دين الامة ، من اطماع الافرنج ، خاصة عند اغتصاب الطليان لطرابلس ( 1911 ) - وحقد المواطنون على روح القهر التى كانت نصيبهم من كل نازح الى بلادهم ، فكانت معركة الزلاج عام ( 1912 ) وكانت الاحكام العرفية . وكان ابعاد علي باش حانبة وعبد العزيز الثعالبى وحسن القلاتى
وتضم الحرب الكبرى اوزارها ، ويرجع الشيخ الثعالبى بطريقة جديدة فى التنظيم الجماهيري فيلتف الناس حوله وبالاخص منهم الاعيان . ويسافر الى
باريس عام - 1919 - لربط الاتصال بأحرار الفرنسيين وممثلى الرأى العام العالمى في فرساى - ولقد شرح أصول برنامجه السياسى الذى كان يمثل العقيدة الوطنية اذ ذاك ، فى كتابه - تونس الشهيدة - La Tunisle martyre ومن ابرز ما فى هذا الكتاب ان حكم البلاد ينبغى أن يكون دستوريا بمشاركة الجالية الفرنسية ، وان اصلاح القضاء والادارة أمر ملح وأن ضبط المسؤوليات وتفريق السلط قضية عاجلة وانه لا بد كذلك من دخول التونسيين لكل الوظائف التى هم اهل لها بدون استثناء . وكان من أثر هذا العمل المنظم أن رفعت حالة الحصار التى كانت مفروضة على البلاد ، ورفع قرار تعطيل الصحف عام - 1920 - فهبت تدافع عن المطالب الوطنية بكل حزم (38) وتكون الحزب الحر الدستورى فى 4 جوان 1920 ، واختير الثعالبى رئيسا له . ولكن اتحاد الكلمة لم يدم طويلا اذ انشقت العناصر الوطنية عام - 1922 - الى معارض للمحاولات الاصلاحية التى ازمعت فرنسا على ادخالها ، ومحبذ لها . وتؤسس فرنسا المجلس الكبير ويؤسس حسن القلاتى الحزب الاصلاحى ( 1922 ) ويجعل من جريدة "البرهان " منبرا لتوضيح آرائه في قبول الاصلاحات ولو منقوصة والدخول فى سياسة المراحل ) 39 ( التى ستكملها بالتدريج متبعا فى ذلك المنهج السياسى الغربى . ومعارضا للمنهج الشرقي في السياسة ، وكان يمثله الشيخ الثعالبى الذى شارك فى مؤتمر الخلافة بمصر عام - 1926 -
كل هذا يبين دور الزعيم الدينى الذي لعبه الثعالبى ، الا أن زعامته السياسية كانت محل اختلاف بين انصاره وخصومه اذ انه كان يؤمن بأن التجديد ليس غاية فى ذاته وانما هو وسيلة من وسائل تطوير الاسلام وجعله يلائم ظروف العصر الذي نعيشه ( 40 ) ، وذلك عن طريق تعليم وطنى عصرى ناجع يخلف البرامج الفرنسية الممسوخة بمدارسنا . وبقى الشيخ يدافع عن آرائه هذه الى أن توفاه الاجل بتونس في أول أكتوبر عام 1944 -
ب - الحركة العمالية
ولم تكثف الحرب العالمية الاولى بالتأثير عل مجرى السياسية في بلادنا فحسب ، فهى التى هيأت سبل اليقظة العمالية على يد محمد على بانشائه عام
1924 " لجامعة عموم العملة التونسية " ، ونشره للوعى لدى العدد الكبير من أفراد بنى جنسه الكادحين (41 ) ، وكان محمد على عصاميا ، بدأ حياته عاملا بسيطا وكون نفسه بالتدريج ، واغترب فى سبيل تحصيل العلم الى ان اصبح من المفكرين الافذاذ فى البلاد (42) - وما ان تخرج فى العلوم الاقتصادية من جامعة برلين حتى رجع الى تونس عام 1924 - ليعمل بنشاط لا يعرف الكلل فى الميدانين التعاضدى والنقابى ، وكان وكده فى البداية بعث مشروع " جمعية التعاون الاقتصادى " الا انه تركه لما بعد حين ، لاقامة "جامعة عموم العملة" التى أكدت الظروف حتميتها (43 ) . لان الرأى عنده أن افتكاك السيادة من سلطان اروبا لا يكون بالافكار الادبية مهما سمت وانما هو بالعمل الجاد لكسب القوة الحقيقية المتمثلة فى مصادر الثروة وفي خلق الوسائل الكافية من علم وفن لاستثمارها لفائدة الجماعة ( 44 ) . أما التشكى والتوجع مما أصابئا ، فانه يجلب علينا الا نقمة الفرنسيين وسخريتهم ، والعمل الجماعى فى الحقل النقابى والتعاون الاقتصادى هما اللذان يعيناننا على استئصال الداء ، ويفتحان عيوننا على الحياة بأجلى مظاهرها ، وأوسع معانيها - بذلك نجبر الاجانب على الاقتناع بأننا مثلهم أهل للتمتع بالحياة الحرة ، اذ نكون اذ ذاك مساوين لهم فى القوة والكفاءة ، لرد قولتهم التى يتهموننا فيها بأننا نريد الحرية حتى ولو أدى ذلك الى تعطيل العمران تعطيلا كاملا فى ربوعنا واقتصارنا على التظلم منهم وابداء الكراهية لهم لا يزيدهم الا تعنتا فى سوء معاملتنا واحتقارنا .
ان العمل النقابى والتعاضدى هو الوسيلة المثلى للتقدم الاقتصادى الصحيح ، واخذ الحق بيد عليا لا يتم الا بالاعتماد على أساليب المطالبة المنظمة ، والتنسيق للجهود الفردية التى كانت متخاذلة مشتتة . وقد كان محمد على يكره المعارضة التى تعطل مثل هاته الاعمال الانشائية ، ويرى فيها افكارا سلبية تميل الى ترك العمل المفيد بدعوى الواقعية ، التى هى فى احيان كثيرة جبن مقنع (45)
وكثيرا ما لام المفكرين والقادة على عدم اختلاطهم بالناس ، الا اذا كان ذلك فى ناد خاص ، وبأسلوب خاص . لان مثل هذا الاسلوب لا يكفيهم للتعرف على مطالب الجماهير ، انه يبعدهم عن ادراك الحقيقة النابعة من حياة هذه الجماهير . والفكرة السياسية التى لا تقوم على هذا الاساس من التماسك الشعبى بين الامة ومفكريها يكون مآلها الفشل لا محالة _
وكان من ابرز انصار محمد على فى هذا النوع الجديد من التفكير ، الطاهر الحداد المولود عام 1901م فلقد تخطى الحداد " اخلاقية " ( le moralisme) المحافظين ، ورومنطبقية الجدد ، وصار يفسر الحوادث تفسيرا تاريخيا اقرب ما يكون الى وجهة نظر الماركسيين (46 ) فهو يقول فى كتابه " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " ( 1930 ) ان الحياة طويلة العمر جدا وبقدر ما فيها من الطول بقدر ما فيها من الاطوار المعبرة عن جوهر معناها ، واخص ميزاتها ونحو عشرين سنة من حياة النبئ في التأسيس كفت بل اوجبت نسخ نصوص بنصوص واحكام باحكام اعتبارا لهذه السنة الازلية . فكيف اذا وقفنا بالاسلام الخالد أمام الاجيال والقرون المتعاقبة بلا انقطاع ونحن لا نتبدل ولا نتغير (47 ) - فلم يأت القرآن الا باسس عامة ، على المسلمين أن يبنوا عليها ، ويطوروا بناءهم تحسينا وتكميلا بالتدريج ، فجوهر الاسلام خالد بخلوده ، ونعنى بذلك عقيدة التوحيد . أما الاحوال العارضة للبشر كتعدد الزوجات والميراث ونحوها فانها قابلة للتبديل والتغيير حسب الوقائع المتجددة بمر العصور ، ومصالح البشر ولا يمكن اعتبار مثل هذه الاحكام المتعلقة بالاحوال التى لا ينتهى تجددها كجزء من الاسلام ، اذ أن سياسة الاسلام فى نظره سياسة تدريجية تتقبل بصدر رحب كل تطور يعين الانسان على الكمال فى حياته المادية والأدبية ( 48) .
وكان لهذا الرأي الجرئ اثر الصاعقة فى نفوس الكثير الاغلب من معاصريه . فكان عندهم ملحدا وكان عندهم متهورا . ولقد نأله من ذلك الاذى الكثير من عامة أفراد الامة وخاصتها . (49 ) ولقد كان له من الجرأة ما جعله يرى وهو فى مثل تلك البيئة ان احوال البلاد المتدهورة لا تتغير بتهذيب الاخلاق ولكن
بتحسين وسائل العمل والعيش والدرس ، عند ذلك فقط تزدهر البلاد وتتحسن الاخلاق ، فبواسطة تحسين وسائل العمل نقتل مذلة الحاجة وضعف النفوس وذلك هو مبدأ الحرية الصحيحة ( 50 ) . والسبيل الى ذلك يكون بتعليم الناس العلوم النافعة التى تمكنهم من العمل الصالح ، وتنمى فيهم الملكات المنتجة وتبث فيهم روح التعاون التى هى أكبر سلاح نعتمد عليه لازاحة الاقدام الاوربية الواطئة ارضنا (5 ) . ولقد شارك محمد على رأيه فى وجوب تكوين حركة قوية مستمدة من الشعب ذاته ليسير بها نحو الغاية التى يرسمها لنفسه . وخلاصة رأيه أن الحركة السياسية وحدها عقيمة ما لم تعاضدها اوجه العمل الجماهيري الاخرى وبالاخص منها العمل النقابى (52) - بذلك تسمع الامة صوتها وتحس بروح القوة على المصارعة الدائمة لأعدائها ، فيتبدل تخاذلها ارادة ، وتشعر بمزايا التعاون والتآخى ، والكد والبذل فى سبيل الحصول على النتائج المرضية لفائدة التقدم الصحيح فى البلاد . ومن اقواله التى يعيدها مرارا هذه الكلمات " ان المشاريع كافة اذا اقتصرت على جهد المأمورين فيها دون ان تعتمد على جهود الجمهور الذى يشترك فيها ويعمل لفائدتها عن بصيرة وكفاءة لا يكون نصيبها الا التقهقر والانحطاط الى ان تصل الى الموت النهائى (53) وهذا ما اودى بمحاولاتنا المتعددة فى ميدان السياسة والاقتصاد
وهذه هي العلة الاصيلة فى تأخر مشاريعنا وتركنا بعيدين عن حسن تدبيرها وادارتها بأنفسنا فعودنا ذلك الاهمال والاتكال على الغير ، لذلك كان يرى ان التعاون هو السلاح الوحيد لمقاومة هذه الحالة الساقطة ، ويسعى الى تأهيل الجمهور للقيام بمشاريعه بنفسه وتلك هي الوسيلة العظمى للنجاح . ولئن اعتقد ان الاشتراكية هي اوفق نظام اجتماعى تتم به سعادة الانسان ، فانه امن بالتدرج المستمر نحو تحقيق تلك الغاية النبيلة (54) التى ستخلصنا حسبه من شقائنا النفسى والاجتماعى ، وتخط لنا طريق النهضة الصحيح الذي يعتمد العمل الجاد للتخلص من نير الجمود والفوضى . وسنرى أن الحركة الدستورية الجديدة قد اتفقت معه فى الاسلوب والغاية اتفاقا يكاد يكون كاملا .
ج - انشقاق بورقيبة أو المرحلة الإيجابية
ألم ينشق بورقيبة عن الحزب القديم فى 2 مارس 1934 ويكون الحزب الحر الدستورى الجديد ، ايمانا منه بأن الخاصة وحدها لا تستطيع ان تقدم شيئا باقيا لفائدة البلاد ، وانه لا بد لها من الاعتماد الكامل على الشعب فى المعركة الوطنية ان هي ارادت الاعتبار بدروس الحوادث المختلفة التى جدت فى البلاد من عهد انتصاب الحماية إلى أيامه ( 55 ) ؟ ألم تتجل له القوة الشعبية الأداة الفعالة الوحيدة لمجابهة المستعمر ، خاصة فى حادث الترام - 1912 - عندما نظمت مقاطعته فى العاصمة حتى تستجيب الادارة لرغبات العمال فى المساواة فى الاجور بين الشغالين مهما اختلفت اجناسهم ؟ وكان للاجماع الشعبى فى هذه المقاطعة من القوة والتصميم ما جعل الادارة عاجزة عن قمعه ، وأصبح المفكرون يحسبون له كل حساب في الكفاح التحريرى ( 56 ) . ومما زاد فى قوة هذا الاتجاه أيضا اعتصابات العمال فى تونس ، وبنزرت ، وحمام الأنف عام 1924 - ونجاحهم في تنظيم المقاومة ضد القوى المستغلة لجهودهم ، وتأييد
الامة قاطبة لمشروعهم وعزمهم على الدفاع عن حقوقهم ولو ادى ذلك الى استشهادهم جملة - فكانت هذه الاعتصابات مبدأ لحياة جديدة حولت خمول الناس جدا ، وضعفهم ارادة ، ويأسهم أملا ( 57 ) . وخاصة عندما اخذ بعض الشبان من المفكرين الصادقين بزمام قيادتهم ، وحاولوا بحسن دعايتهم وحثيث نشاطهم الربط بين عامة طبقات الامة ، بالتضامن فيما بينها . فبعث ذلك فى البلاد روح الحياة وزادها ايمانا بحقها ، وأدرك الناس أن قوة هائلة كانت محجوبة عنهم وهذه القوة هى تماسكهم وتضامنهم فى سبيل رفع المظالم عنهم ويقينهم بأنه لا بد من الاستفادة من هذا السلاح الجديد لمجابهة عناد العدو البالغ ، والاستهداء برأى قوادهم أمام التعصب المقيت الذى أظهره الاجانب نحو الاهالى وكانت الحوادث المتتالية مصدقة لهذا الرأى ومؤيدة له .
ولئن كان للمحامى الشاب الاستاذ الحبيب بورقيبة من فضل على غيره فى هذا المجال فهو فى قدرته الفائقة على تنظيم الجماهير الشعبية تنظيما عصريا
محكما . وربما كان تفوقه فى هندسة هذا التنظيم الشعبى هو اخص ما يميزه عن كل من سبقه من المصلحين فى هذه البلاد (58).
كان الحزب الدستورى الجديد منذ بدايته حزبا جماهيريا بالمعنى الاتم . فلقد ناهزت شعبه فى أكتوبر 1937 - الاربعمائة وبلغ عدد المنخرطين فيه سبعين الفا ولذلك كان هو الحزب الوحيد القادر على العمل المفيد ويعزى ذلك الى اسباب مختلفة منها أن تنازع التنظيمات السياسية القديمة يضعها فى موقف الضعف أمامه ، ويعطل من حركتها بجانبه ، فالحزب القديم مثلا لا يختار رؤساءه الا من ابناء الذوات في العاصمة ، وكذلك يصنع الحزب الاصلاحى ، ويتم انتخاب أو تعيين اعضاء المجلس الكبير اعتمادا على هذه القاعدة . وهم يعتمدون فى ذلك على الفكرة المشرقية التى ترى ان السياسة وقف على الاعيان والوجهاء . أما الشعب فبقاؤه بعيدا عن المناقشات السياسية أولى به واضمن لمصالحه . فكانوا يستنكفون من ان تتدخل الجماهير فيما لا يعنيها ، فى نظرهم ، من أمور السياسة أو الادارة ( 59) .
وأما الشيوعيون والاشتراكيون فانهم كانوا لا يؤمنون بعمل مجد خارج اطار تنازع الطبقات . واعتمادا عليه ، فانهم كانوا يعارضون الاتجاهات الملية فى تونس ، ظنا منهم أن ذلك يفت فى ساعد القوة العمالية ويشتت صفوف الطبقات الكادحة التى يجب أن تتضامن وتتحد فى كل مكان دون اعتبار لجنس أو وطن ( 60 ) - ولقد استثمر الدستوريون الجدد هذا الفراغ السياسي فى البلاد ، فكتلوا صفوف الجماهير استعدادا للدخول فى العمل المباشر ، ولئن لم يفلح الحزب الجديد في جلب أفراد البورجوازية الكبرى اليه ، وبالاخص فى العاصمة ، فانه قد جلب الى صفوفه معظم صغار الحال من اصحاب الحرف والتجار والفلاحين ومن الطبيعي أن لا ترضى البورجوازية الكبرى بهذا الاختيار فى التنظيم والسلوك الذى ارتضاه لانفسهم زعماء الحزب الجديد . اذ ان الكثير منهم كان عن حاله راضيا ، وفي واقع أمره متعاونا مع المستعمر لترابط مصالحها بمصالحه . وما شعارات الاعتدال والتعاون التى نادى بها أفراد هذه الطبقة
وعنوا بها البقاء المستمر في طور التظلم والشكوى لا يتخطونه ، الا وسيلة يخفون بها حقيقة امرهم وهذا ما جعلهم لا يفهمون الوجهة السياسية الجديدة فى شئ ، ويتبعون طريقا مسدودا فى نظرتهم لمستقبل البلاد (61)
أما الدستور الجديد فانه كان يعارض بكل ضراوة التفريق بين الطبقات حفاظا منه على الوحدة القومية من التصدع ، وتجنبا للخيبات التى منيت بها التشكيلات السياسية القديمة نتيجة لهذا التصدع . فالعدو هو سياسة الادماج والتذويب ، والسلاح يتمثل فى وقوف الامة شخصا واحدا ضد هذا النظام البغيض ، تدافع عن شخصيتها وحقوقها بكل حزم وكان المسؤولون يرددون أمام العمال فى المضيلة وبنزرت وغيرهما انه لا وجود فى تونس لتناحر الطبقات . فكلنا مستعمر ، وكلنا رجل واحد فى دفع المستعمر ، وكانوا يحذرونهم من الانسياق وراء الفكرة التى تجعل منهم جزءا مستقلا بذاته عن مجموع الامة وعندهم أن هذه النظرة تعتمد واقع البلاد التى لم تدخل بعد طور التصنيع ، ولم تكن الفروق فيها شاسعة بين الاصناف والطبقات . هذه هى الفكرة الاساسية التى تجدها فى جريدتهم الناطقة بلسانهم ( Action Tunisienne ') ايمانا منهم بأن ليس هنالك تمييز بين النضال السياسى والنضال النقابى فى هذه الفترة من تاريخ الامة . وهم في الواقع يتجهون بالخطاب الى شعب قد اضر بمصالح الغالبية العظمى من ابنائه تطور الحالة السياسية والاقتصادية فى البلاد لفائدة النازحين اليها على حساب الاهلين (62)
ولقد كأن تأثير الحزب الجديد على شباب المدارس وطلبة جامع الزيتونة كبيرا . تشهد بذلك واقعة أفريل 1938 - عند محاكمة على البلهوان التى أظهرت مدى تعلق الشباب بالمثل القومية التى يشخصها هذا الحزب والذود عنها ببذل النفس فى ميدان الشرف .
وتظهر الميزة النضالية للحزب الجديد في وسائل تنظيمه لجماهير الشعب الغفيرة بواسطة الشعب ومنظمات الشباب . فكنت ترى فى كل درب شعبة وفي كل قرية خلية تسهر على نشر اوامر الزعماء وتكتيل الاهالى حولها . وكان الناس كلهم يشعرون بأن ما يقوم به الحزب هو سلاح الحق لمواجهة الباطل
والظلم والحيف ، ولذلك فقد صارت طاعته واجبة والنقمة على المعارضين له مقدسة . فمن الطبيعي اذن ان ينجح هذا الحزب نجاحا باهرا فى مهمته القيادية ( 63).
ولقد كان للشبيبة الدستورية دور هام في ايقاظ الشعور بالقومية المتميزة الواضحة ، نظرا لمبادئها الوطنية ، ونظامها المحكم ، وزيها الرسمى وعملها المنسق فى تنظيم المظاهرات او الدعوة الى الاضرابات .
ولم تكن الكشافة بمعزل عن الحركة الوطنية التى يتزعمها الحزب الجديد ، اذ اننا نجد " النجم الكشفي " (L' Etoile Sco ) مثلا اقرب المنظمات شبها بالشبيبة الدستورية . فالقانون الاساسى يكاد يكون واحدا ، والقائمون على هذه الجمعية من اعضاء الحزب المرموقين . ولا بد ان نضيف الى ذلك الشبيبة المدرسية والشبيبة الزيتونية اللتين كانتا بطبعهما ميالتين الى المبادئ التحررية العملية التى نادى بها زعماء الحزب الجديد وعملوا على تحقيقها رغم الصعاب والعذاب . ثم ان الحزب الجديد لم يترك الميدان النقابى خاليا من رقابته ومشاركته فعمل على اعادة تكوين الجامعة العامة للعمال التونسيين ( 1938 )وبث الروح الدستورية بين كافة الشغالين ( 64 ) . وعندما كون فرحات حشاد الاتحاد العام التونسى للشغل عام 1944 - لم يكن يريد منه أن يغمض عينيه عن المطالب السياسية للبلاد بل كان التعاون المطلق أيام المحنة 1954،1951 بين القادة الحزبيين والقادة النقابين أجل مظهر من مظاهر الكفاح التحريرى الذي تابعته الطبقة الكادحة بعد أن رمت السلطة بالزعماء السياسيين فى السجون وألقت بهم فى المنافى ، فلم يتأثر الكفاح التحريرى لذلك ويتوقف كما كنا قد عهدناه بعد ابعاد على باش حانبة أو الثعالبى أو محمد على ، فسهل ذلك طريق الخلاص وأبان للناس عدوهم من صديقهم ( 65 ) . ألم تظهر الايام ما كان خافيا من مروق بعض رجال الدين الرسميين ، والاعيان ، وتعاونهم مع المستعمر ضد مصلحة الوطن العليا كما وقع ذلك عند اصدار فتوى التجنيس عام 1924 - وخذلانهم لحركة الاضرابات العمالية فى نفس السنة رغم أنهم كانوا اذ ذاك من
ابرز اعضاء الحزب الدستورى القديم ؟ ألم يعيدوا الكرة فى عهد المقيم فوازار ( 66) عندما اراد أن يسكت صوت المعارضة الشعبية بتطبيق اصلاحات مشوهة لم يرض عنها القادة فى الحزب الجديد والنقابة ، فتابعوا الكفاح ، بينما حاول هؤلاء الاعيان دعمها والدفاع عنها بكل قوة ؟ ومن هنا اخذت الحركة الاصلاحية تتخلص بالتدريج من المعممين والاعيان كقواد لها لتستبدل بهم من هم اشد بأسا وأكثر كفاءة واقرب لجماهير الشعب فى آمالها وآلامها . وظهر ذلك واضحا فى مراحل النضال المسلح بعد الحرب العالمية الثانية ومن الطبيعي ان لا يرضى السياسيون القدامى بهذا الاتجاه الجرئ فى العمل السياسى ، فوقفوا وتحجروا وحاولوا صد التيار عن طريقه . ولما لم يفلحوا سكتوا نهائيا من يوم الاستقلال (67) .
ولم يكن كل ما سلف كافيا فى الحصول على النجاعة ، فكان الحزب يدعو لمبادئه عن طريق صحافته الخاصة به فيصدر جريدة العمل ( 68 ) بالعربية يخاطب بها الجماهير التونسية وجريدة ( I' Action Tunisienne ) بالفرنسية يحاور فيها الجالية الفرنسية ويقنع بها الرأى العام فى فرنسا بعدالة المطالب الوطنية ، وكانت الخطب فى الجماهير الشعبية من اقوى الاسلحة فى يد زعماء هذا الحزب الذين لم يتورعوا عن اغتنام كل فرصة للتحدث اليها مباشرة وبلهجتها الدارجة فى الاسواق والساحات العامة والجوامع ، والجمعيات - وكانت غايتهم من ذلك فضح مخازي النظام الاستعمارى بالاعتماد على الحجج الاقتصادية والنفسية والدعوة الى الاتحاد فى الدفاع عن الكرامة والحق ومحاربة الظلم وتقديم النفس قربانا لخلاص الوطن وفى ذلك الغاية القصوى من الكفاح اليومي المتواصل
هذه الحركة التنظيمية الشاملة لكل العناصر الجماهيرية الحية من الفلاح الى العامل الى التلميذ كان محركها الاول ، وباعثها الى الوجود ، الاستاذ الشاب اذ ذاك الحبيب بورقيبة الذى كان يتبع فى الكفاح التحريرى طريقة مبتكرة لم يسبق اليها ، يبدأ بتحديد مطالبه وشرحها للخصم فى قالب مقبول ، ويتابع الكفاح فى سبيلها رغم القمع والاضطهاد حتى يجنح هذا الخصم العنيد للتفاوض ،
وعند ذلك ينتهز الفرصة لافتكاك ما امكن من المطالب القومية ، جاعلا ذلك المكسب نقطة انطلاق للمرحلة الموالية ، وهكذا دواليك وطريقته هذه فى معالجة الواقع وتغييره بالتدريج تعتمد أساسا على معرفة دقيقة لحالة البلاد وميزان القوى فيها ، وثبات فى الكفاح حسب خطة واضحة تجند كافة الطبقات الشعبية للعمل على تحقيقها ، وذلك عن طريق الدعوة المستمرة والاقتناع الذاتي المكين (70) فالمبدأ هو كرامة الانسان ، والغاية هى تحرير الاوطان وفي ذلك ما يجمع الرجال للكفاح ومواصلته دون كلل أو ملل حتى النصر المبين ، وهو يؤمن ايمانا جازما بان " كل عمل انسانى مرده الى الخطة التى تكيفه وتضمن له النجاح " ( 71 ) فالموضوع عنده اذن موضوع طريقة قبل كل شئ لا يكفى فيها الاخلاص والاحساس بل لا بد مع ذلك "من ضبط أهداف واضحة ترمى لتغيير الوضع الراهن وتهدف لانتشال دولة من ربقة العبودية واعتبار الفرنسيين الذين كانوا كل شئ فى البلاد اجانب مقيمين بتراب اجنبى ولتحقيق تلك الغاية يلزم جهد مستديم طوال سنين " ( 72)
ولقد جلبت عليه هذه الطريقة فى العمل كيد المتزمتين ونقمة المستعمرين على السواء . فالاولون يعتقدون أن المراحل معناها الموافقة على وجود الحماية فى تونس ، والمستعمرون يرون فيها ثغرة خطيرة فى صرح امتيازاتهم المشيد على تخاذل الاهلين وفقرهم وجهلهم ، الا ان ذلك لم يمنعه من متابعة السير فى تحرير الشعب من الخوف والاوهام وتغيير اساليب تفكيره حتى بلغ النضال فى فترته الاخيرة حد النزاع المسلح فقارع العدو وصارعه بهذا الجيش المنظم جيش الجماهير الشعبية التى كان يستعملها فى عملياته الحربية ضد الدبابات والمدافع حتى الفوز النهائى
ولم يكن الكفاح المسلح ليمنعه من متابعة العمل الديبلوماسى الذى يستغل النصر الحاصل لفتح آفاق اوسع أمام انطلاقة الامة . " أما أن يبقى المكافح فى مكانه لا ينظم جيشا ولا يضبط خطة ويكتفى بمطالبة الاستعمار بالتخلى التام والجلاء الناجز فانه لا يثير لدى خصمه الا عدم الاكتراث والسخرية "( خطاب الرئيس بورقيبة فى بيروت 8 مارس 1965 - عن البورقيية ) وهو يشير بذلك
الى طريقة القدماء الذين كانوا لا يصنعون الا تحبير المقالات فى الصحف ، والحديث فى النوادى الخاصة ، وكانوا يفتخرون بأنه لم يسجل ضد حزبهم ادنى محاولة للقيام بسعى تشتم منه رائحة العنف . واتخذوا لطريقه عملهم السياسى مخاطبة اولى الامر لانجاز رغائب الوطن المشروعة اعتمادا على ما يقتضيه الحق والعدل بدون ان يحركوا ساكنا ضد الادارة الفرنسية وبقوا فى رومنطقيتهم هذه الى أن تجدد الحزب على يد بورقيبة وجماعته . ثم انهم لم يكتفوا بذلك حتى نادوا بأنهم ليسوا مليين وانما غايتهم المطالبة باصلاحات داخلية مبنية على أساس المشاركة الصادقة والاخوية بين الفرنسيين والتونسيين فى الاخذ بمقاليد أمور البلاد ومستقبلها (73)
محاولة تفسيرية
هذه هي الاحداث التاريخية المجردة التى يجب علينا الآن محاولة تفسيرها التفسير الاجتماعى الصحيح . فنقول ان التمرس بالواقع هو الذي جعل المصلحين التونسيين يبتعدون عن المقاييس الجاهزة ويعتبرون باللحظة التاريخية التى تجتازها الامة فى ظرف معين من ظروف حياتها . فلم يكونوا يستنيمون الى ايديوليجبات لا تقبل الجدل ، لا نستثنى منهم احدا فى ذلك ، من خير الدين الى باش حانبة ، ومن محمد على الى الى بوقيبة . وهذه الواقعية هي التى تعطى لحركة الاصلاح فى تونس صبغة الشمول ، والوحدة والاستمرار
وكانت الحرية تعنى التخلص من التبعية السياسية للاجنبى ، ولا تعنى شيئا غير ذلك في أول أمرها ( 74 ) - وما الحركة الدستورية الا تعبير عن تلك القضية الحيوية . وما النضال الدستورى الا محاولة لتحقيق شرعية التعبير التى تمهد الطريق أمام العمل الوطنى ، وذلك ما هدف اليه البشير صفر وجماعته ، وحركة تونس الفتاة من بعده - ولا يستبعد أن تكون نية هؤلاء القادة الوصول الى مجتمع ديمقراطى على المنوال الغربى تتحقق فيه الحرية للطبقات ذات الوزن الاقتصادى . ولم يكن لفكرة الجماهير عندهم وزن واضح فى الوصول ال تلك الغاية ، لانها لم تنظم بعد تنظيما فعالا يجعلها قادرة على وعى قوتها السياسية وضبط أمورها ، وأفكارها ، وطرائق عملها بواسطة التنظيم الشعبى العصرى
أما المحافظون فى تلك الفترة - فترة ما قبل الاستقلال من امثال الشيخ محمد الخضر بن الحسين المولود عام ( 1875 ) والشيخ محمد الصالح النيفر المولود عام (1910 ) فانهم كانوا يرون فى الماضى الاسلامى وحده عالمهم الامثل ولا يجدون حلا لمشاكلنا المتشعبة الا بالاعتماد على ما خلفه لنا فقهاء الشريعة الاسلامية فى العصر الكلاسيكى للحضارة الاسلامية . تلك الحلول الجاهزة التى أصبحت عندهم هي الشريعة ذاتها يرجعون الى مجموعاتها فى كل أمر مهما اختلفت بنا الاحوال وتباعدت الازمان . كانت قضية الوحدة الاسلامية فى نظرهم هي أهم قضايا العصر ، يضعونها فوق قضية الحرية نفسها . ينعون على الصنف الاول من المناضلين تعاونهم مع الغرب فى زعمهم وتفسخهم عن حضارة العرب ، ومجد الجدود ، مدعين لانفسهم وحدهم الحفاظ على الشخصية التونسية والحرص عليها كل الحرص وفي ذلك العمل الوطنى الصحيح عندهم
ولقد حاول رجال الخلدونية جمع الشتات ، والتوفيق بين المتناقضات فى هذا الوضع الاجتماعى الحرج ففتحوا البصائر على واقع عصرهم بواسطة تنظيم الدروس في مختلف الفنون العصرية ، والقاء المحاضرات فى شتى المشاكل الحيوبة أمام جمع الشباب المثقف ، والزيتونى منه خاصة ، ووفقوا بعض التوفيق فى محاربة النظرة المتحجرة التى كانت غالبة على معظم الطبقات ، فأفادوا فى تركيز الكفاح ، وتطوير التفكير العملى تطويرا كبيرا .
وخلقت المدرسة الصادقية طبقة مثقفة متعلقة باصولها الوطنية فى غير تزمت ولا تعصب ، تريد أن تأخذ بوسائل الحياة العصرية وتشارك فى تيار الحضارة الجديدة دون أن يذوب معدنها وان تركن لمركبات الضعف والنقص ، أو الغرور والمغالاة في تقدير الامور ، وتفهم أحوال البلاد . وكانت غايتها من الحرية هى ازاحة العقبات التى يقيمها الاستعمار فى طريقها للوصول الى المراكز القيادية فى حياة البلاد الثقافية والاقتصادية والاجتماعية . وما التحرر من التبعية الثقافية الا مرحلة يجب اجتيازها لفائدة النضال الاجتماعى والسياسى داخل اطار هذه الصورة التى كانوا يحلمون بها عن الديمقراطية البورجوازية فى فرنسا فكان يحلو لهم أن يوصفوا بالواقعية التى لا تنساق وراء الاحلام الكاذبة فى تحقيق الاصلاح الاجتماعى أو السياسى تحقيقا جذريا مفاجئا - وبقي هذا الرأى سائدا لدى الكثير من المناضلين ، القدامى منهم والمحدثين ، حتى قبيل الاخذ بمذهب الاشتراكية لمتابعة الكفاح الوطنى ضد الاوضاع الاقتصادية الفاسدة ، وخدمة المجتمع التونسى بما يتماشى مع توقه للخروج من التخلف فى شتى مظاهره ، وأعوص أشكاله .
أما من ركبوا مركب الغرور ، وانساقوا مع أحلام قيام امة اسلامية موحدة تنازع الاقطاب التسلط على مناطق النفوذ فى العالم ، وتتفوق عليهم فى جميع الميادين ، فقد غلب الغموض على تفكيرهم فى الوسائل الموصلة لتحقيق ذلك الهدف البعيد ، والضباب الكثيف يكتنفهم من حيث تحديد الاهداف العملية وتوضيح السبل لبعث هذا الكيان العظيم وتبرير الكفاح المستميت المتصل فى سبيل بعثه الى الوجود . ولقد حاول صالح بن يوسف أن يأخذ بقيادة هذه الجماعة أيام نزاعه مع الرئيس بورقيبة بعد الاعلان عن الاستقلال الداخلى ( 75 )
واعتصم الماركسيون اللينينيون ببرج ايديولوجيتهم العاجيى . وتمثلت غلطتهم السياسية الكبرى فى عدم محاولتهم التجاوب مع ما يجرى أمامهم من أحداث فرأوا ان كل ما هو خارج عن قلعتهم ليس الا هراء وخرافات ممجوجة وجرهم ذلك الى الابتعاد عن التقديرات المقامة على أساس الواقع ، ونسوا أن مرحلة الكفاح ضد المستعمرات جعلت من الوطنية الاساس الاول فى تفكير الناس وتقديرهم لامور البلاد العامة . ولقد غاب عنهم ايضا أن للدين الاسلامى اثرا كبيرا فى تكييف ذلك التفكير ، وتوجيه ذلك التقدير ، حتى ولو اتبع فى مساره المسلك الباطن ، والمسرب الخفى
وكانت مرحلة ما بعد الاستقلال اصعب مرحلة تجتازها الحركة الاصلاحية فى تونس ، إذ كثر فيها التراشق باتهامات العقم والسلبية بين كل الانماط التى ذكرنا . وليس من شك في أن التعاون الوثيق بين النقابين والساسة فى تونس منذ عهد بعيد قد اعان على محاولة ايجاد الحلول المناسبة للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التى كانت تبدو الى وقت ليس بالبعيد معقدة مستعصية . وبعد أخذ ورد . وخوف من ردود الفعل الاجنبية بدأ الطريق نحو الاشتراكية يتضح الى أن اعلن عنه رسميا فى مؤتمر المصير ببنزرت 1964
والملاحظ أن هذه الاشتراكية اعتمدت كل الوسائل والطرق التى اظهرت نجاعتها أيام الكفاح التحريرى ؛ ( وما البورقيبية أو الاشتراكية الدستورية اليوم الا شئ واحد ( 76 ) إذ ان الثورة على الاستعمار كانت تحمل فى ذاتها ثورة على التخلف واسبابه ، هذه الاسباب التى أدت الى الاحتلال ومكنت له - فلئن كان الكفاح ضد الاستعمار يتمثل فى التقويض التدريجى لاركانه
السياسية منها والاقتصادية ، والعمل على ازالة مظاهره في الحياة الفكرية الاجتماعية ، فلقد أضحى التخلف على ضوء هذه النظرة الجديدة لا يكمن فى التبعية السياسية وحدها ، وانما هو فتور القوى الانتاجية فى مختلف حقولها وأوضاعها . وبناء عليه فقد اصبح المشكل الجوهرى هو الانتاج ، وتقوية أسبابه ، وحسم أدوائه . أما كيفية توزيع الانتاج فتأتى في المرحلة الثانية بعده . ومن خصائص هذه الاشتراكية التى اعلن عنها فى مؤتمر بنزرت أيضا أيمانها بأن التطور الاجتماعى لا يستلزم التأميم الشامل لوسائل الانتاج ، بل الاهم منه هو أن يعمل الحزب الاشتراكى الدستورى من اجل العدالة الاجتماعية فتكون مطالب الطبقات الكادحة فى الدرجة الاولى من تفكيره ومشاغله ، وتوزع الثروة الناتجة توزيعا مقبولا يكون فيه الجزاء على قدر الكفاءة ، والنشاط الخلاق . وتعتمد سياسة هذا الحزب تبعا لذلك توفير الفرص المتكافئة لكل المواطنين حتى يحققوا ذواتهم ويتمتعوا بمباهج الحياة . وهي اذ تنهج الطريق الملائم للأوضاع الاجتماعية التونسية ، وتنادى بالتخطيط ، وضبط الاهداف وتنسيق الجهود لتجنب اضاعة الوقت والجهد فانها لا تعنى من واراء ذلك " انتماء لمذهب فلسفى ، أو انتصارا لمعسكر سياسي فى العالم . . . وذلك بدون تقيد بنصوص ، ولا خضوع لسنة أو تقليد " ( خطاب الرئيس بورقبية عن الاشتراكية الدستورية 17 فيفرى 1965 - )
وليست هذه الواقعية بغريبة عن المتتبع لافكار الرئيس بورقيبة وأعماله من يوم دخوله المعترك السياسى . ثم ان هذه الاشتراكية المعلنة وإن رفضت النظريات الرأسمالية الانانية ، فانها لا تنكر السعى وراء الرخاء المادى فى مجتمع يعتمد على الزمالة والتعاون
والمسألة الجوهرية التى اختلفت فيها هاته الاشتراكية عن غيرها تمثلت في عدم ايمانها بتطاحن الطبقات الذى اتخذت منه الماركسية رمزا لثورتها اذ الأهم من ذلك فى هذا الباب هو العمل على اقامة مجتمع متكافل ، تختفى فيه حدة هذه الظاهرة ، وذلك بتأليف القلوب ، ومحاربة القيم الاجتماعية الزائفة التى كانت سائدة فى مجتمع ما قبل الاستقلال . وكان من ركائزها أيضا المحافظة على هذه الوحدة القومية التى خلقتها ثورة التحرير ، ودعمتها تعاليم الاسلام الداعية الى التآخى والتعاون بذلك نهيئ الوسائل الكفيلة بانجاح الثورة الاجتماعية هذه التى لا تتم بدون هذا الاجماع الشامل - وما الغاية من التخطيط الاقتصادى القومى الا التقدم التدريجى فى مراتب الحياة الراقية واخضاع كل مراكز القوة لفائدة الجماعة ، سعيا وراء تحقيق العدالة الكاملة وزيادة الانتاج وتحسينه ، وذلك
حسب نظرية المراحل التى اشتهرت بها الطريقة التونسية فى الكفاح لتحقيق الاهداف بالتدريج ( 77 )
ولتحقيق مثل هذا البرنامج فان مراجعة تقاليدنا ، لابعاد ما لحق بها من تشويه وخطأ تصير أمرا محتوما فليست مسؤوليتنا الآن أن نحافظ وان نتملق بل ان نغير ونفسر ، ونحارب الجوانب السلبية لتراثنا وعاداتنا بنظرة تقدمية شاملة تعتمد تحريك الاحساس العميق بالعدل فى نفوس الجماهير ، واستخدام المنهج العلمى في محاولة التغلب على المشاكل الراهنة . وما عملية تعميق الجذور هذه ، والبحث عن عناصر الاستمرار فى الشخصية القومية الا الركيزة الاولى للتحرر من النظرة الرجعية اللفظية القديمة (78) .
وقد بقى هذا النهج الاشتراكى البراقماتيكى الجديد يتحسس طريقه الى اليوم معتمدا على معطيات الواقع التونسى ومستعينا بتجارب من سبقنا فى هذا الميدان . فلقد أظهرت التجربة ان الاعتماد على الاجوبة الجاهزة هو التعسف بذاته والارتجال بعينه فى كثير من الأحيان ، ولا يخفى علينا ما فى هذا الموقف من تمرد خصيب على التبعية الفكرية . اذ اننا بدأنا نعتمد على واقع التجربه فى استخلاص الحلول المرضية لكثير من الاسئلة التى تراودنا ، وكنا فى أشد الحيرة فى البحث عن جواب لها مفيد ، فظهر لنا ان العمل هو المقياس الوحيد الذي يعطي الافكار والنظريات قيمتها فاما أن يقبلها ويهذبها ، واما أن يسفهها ويطرحها ( 79) . ولذلك تغلب الشك على ذوى الحلول الجاهزة . ولذلك أيضا طغى الانعزال على بعض المثقفين الطوبيين لان التجربة سبقت الجميع فى الحكم الفصل على مختلف الشؤون
وتغيرت النظرة الى الحرية ( فنحن نأبى الديكتاتورية مهما كان لونها وان لقبت بديكاتورية الطبقة الشغيلة . . . ولا نؤمن الا بنوع واحد من السلطان المطلق وهو سلطان المصلحة العامة ) ( خطآب الرئيس بورقيبة عن الاشتراكية الدستورية 13 فيفرى 1965 - ) كما تغيرت النظرة الى النظام الرأسمالى الانانى الذي يعتمد فى تركيز ثروته على استثمار العمال واستغلال ظروف شقائهم
واتضح أن الديمقراطية السياسية وهم من الاوهام ما لم تعاضدها ديمقراطية اقتصادية وذلك يستدعى بدوره القضاء على هيبة العهود الماضية ورواسبها فى التفكير والعمل ( 80) .
ان هذه النظرية تركتنا نؤمن بأننا وجدنا الطريق الذى سيرد علينا حريتنا كاملة غير منقوصة ، واستقلالنا الفكرى والمذهبى الذى يبدأ بابعاد كل المسلمات ويسير الى الحوار ، والتمحيص والتفاعل مع الواقع القومى والعالمى فى جميع أوجه النشاط الانسانية .
وبواسطة هذه النظرية بدأنا نأمل فى سحق جذور هذه الازدواجية المثبطة التى تجعلنا من ناحية نتشبث بالماضى على أنه ركيزتنا الكبرى ، ومن ناحية ثانية نستجدى الآراء الغربية التى نحس وكأنها ركبت تركيبا اعتباطيا على عناصر شخصيتنا الاولى . وفى ذلك تفسير لما كان يظهره المستعمر من ازدراء لقيمنا وشك فى مقدراتنا مدة استيلائه علينا . وليست هذه الظاهرة خاصة بأمة دون أخرى من الامم التى اجتازت ظروفا تاريخية مشابهة لظروفنا وانما هى خاصية عامة عانت منها كل الشعوب المتخلفة أيام وقوعها تحت النظام الاستعمارى وبعده .
وخلاصة القول أننا بدأنا نخرج عن نطاق الاسلامية ( I' islmisme )في معناها الضيق لنتعاون مع كل الذين يعانون مشاكل عصرنا . ويحاولون أن يجدوا لها حلولا مقبولة تفيد تقدم الانسان فى التغلب على آفاتها . كما أننا لا نغتر بمظاهر " الاخلاقية " ( le Moralisme ) الشكلية ، أو المفاهيم الاجتماعية المجردة التى من الممكن أن تحجب عنا المسائل الجوهرية وتغطيها بلفظية فارغة فالمرحلة طويلة بين ما كانت عليه الحياة الفكرية والعملية فى بلادنا أيام أبى النهضة الوزير خير الدين وبين ما نراه نحن اليوم من مفاهيم وما نعتبره من مقاييس وان كانت الخاصية الكبرى لهذه المرحلة الطويلة هي أنها اتصفت بوحدة الروح فى مختلف حلقاتها المتواصلة بدون انقطاع ، هذه الروح التى تعتمد الواقعية والمحاسبة بالنتائج والتدرج بالامة فى رفع المظالم عنها وتحقيق سعادة الفرد فيها . اذ كان الانسان هو الغاية ( 81 ) والقيمة المثلى فى نظر كل المصلحين الذين انتجتهم بلادنا فى هذه الفترة التى كانت موضوع حديثنا .

