الفصل الأول :
ان العلوم لا تخلو من مادة تميزها الواحد عن الآخر . فالجمل هى مادة اللسانيات وهذه المادة تميز اللسانيات الحاضرة عن لسانيات ممكنه تتخذ لمقال مادة لها مثلا . ولا تتميز العلوم بعضها عن بعض فحسب ولكن يتميز العلم الواحد كذلك بتميز حالاته الواحدة عن الاخرى ( انظر الفصل الثانى من هذه الدراسة ) . فاللسانيات هى غير الفيزياء وان تقارب نموذجاهما النظرى ، ولسانيات الجمل هى غير لسانيات المقال . ومن هذا المنطلق نستطيع ان نقرر بالاضافة الى الميزة الاولى ميزتين أخريين على الاقل نميز بها العلوم او حالات العلم الواحد بصفة عامة :
اولا ، مجموع المفاهيم التى تسنها هذه العلوم لنفسها ثانيا ، مجموع الخصائص التى تختص بها مادتها .
فمفهوم القوة الاوالية فى علم الاوالية السماوية حسب نيوطن ( Newton ) يميز هذا العلم بمثل ما لم يتميز به على يدى كبلار ( Kepler ) مثلا وأن كنا نستطيع استنتاج قوانين كيلار ( 1 ) نفسه انطلاقا من مبدإ الجاذبية لنيوطن كذلك تتباين اللسانيات التوليدية واللسانيات البنيوية بمفعول مفهوم التحويل وان كان هذا المفهوم من ذات النظرية البنوية .
أما ما يميز العلوم من خصائص فيكفى ان نشير الى ان هذه الخصائص هى بالذات ما يسمح بطرح التصور المستقل الذى ينفرد به هذا العلم دون العلم الآخر أو هذه النظرية دون النظرية الاخرى .
فمفهوم التحويل عند ز . هاريس ( Z . Harris ) يختلف عما هو عليه عند تشومسكى فهو عند الاول مشروط باجزاء توزيع الكلمات واستبدالها بينما هو عند الثانى مشروط بالجانب الذهنى للمقولات النحوية . وسواء كانت هذه الخصائص فنلوجية أو نحوية أو دلالية فلا يمكن للمفهوم ان يدرك الا بواسطتها ( 2 ) . كذلك لا يمكن لبنية ما ان تقع فى مجال تحويل ما ، ما لم يكن لهذه البنية خصائص معينة .
بمثل هذه العناصر المكونة الثلاثة نستطيع ان نحدد امكان بروز نظرية ما أو عدم امكان بروزها وبها تتميز العلوم بعضها عن بعض واللسانيات احدى هذه العلوم :
I - مادة هذه النظرية وموضوع بحثها . 2 - خصائص مادة هذه النظرية وما تمتاز به موضوعاتها . 3 - مفاهيم هذه النظرية وتصوراتها الفكرية .
نستطيع أن نستنتج مما تقدم ، بالنسبة الى اللسانيات التوليدية ، ان اللغات مجموعة من الجمل وان مفهوم التحويل ينظم هذه الجمل الى مجموعات فرعية من ناحية ويصلها من ناحية ثانية بصورها المنطقية التحتية بحيث قد تستقيم الصورة الواحدة اشتقاقا لشكلين ظاهرين اثنين أو أكثر ، وهو معروف .
وهذا الاستنتاج يخص بطريقة مباشرة الاطار العام للتقعيد النحوى واقامة الفرضيات الكبرى فى النحو الكلى ( 3 ) من حيث هو جملة من الشروط
العامة المسلطة على قواعد النحو الخاص . أما نوع الفرضيات المتعلق بالنحو الخاص ( من حيث هو جملة من التقعيد اللغوى للغة من اللغات ) ، وهو نوع ثان ، فلا يشمله هذا الاستنتاج ولا يمكن طرحه بدقة انطلاقا من نموذج النظرية وعناصرها المكونة .
فالحل الاركانى بديل عن الحل التحويلى عند وصف " صيغة المجهول " فى الانجليزية مثلا لا يمكن التنبؤ به انطلاقا من الاطار النظرى ، فهو قبل كل شئ رهين الحلول المختصة المتعددة وتماسكها داخل اللغة الخاصة ( الانجليزية هنا ) .
وخصائص هذه الحلول مشروط بطريقتين : أولا ، بنوع الفرضيات المتعلق باللغات الخاصة نفسها ، ثانيا ، يكون النحو يندر فى نطاق العلوم التجريبية .
ومن هنا تبرز ، على صعيد آخر ، سمات الاستدلال فى هذا النحو كذلك . فنحن اذا نظرنا الى ما آل اليه مفهوم البنية العميقة من حيث هى فرضية تتعلق باللغات الخاصة اتضح ان هذه الفرضيات قابلة دوما للمراجعة بالرجوع الى المعطى المادى . وبقدر ما يقلب هذا المعطى على وجوهه بقدر ما تتركز أو تتهافت هذه الفرضيات لانها بطبيعة الحال فرضيات تجريبية ولكنها تبدو كانها الاصل فى استنباط المعطيات وهو أمر ليس بالغريب لان ذلك يتوقف على ثرائها وسعة احتماليتها .
اما لماذا رد مفهوم البنية العميقة فلذات السبب اى لقصوره عن تفسير الظواهر اللغوية كلما اتسعت ، وهذا يعنى ان الحدس اللسانى والحكم النحوى من حيث هما اداة اختبار يعوزها التواليد ( La reproductibilité ) ، فكان ان حصل ابطال المفهوم وبقيت الفرضية تبحث لنفسها عن شكل آخر اذ لا يجوز تعطيل فرضية وقع اقرارها على مستويات مختلفة صيغت فى الاول لتكون اداة على مستوى معين مستقل ، بل انه من الاجراءات المعمول بها فى اللسانيات ان تدعم الفرضية كلما نالت تصديقا عن طريق التعليل المستقل كذلك الفرضية القائلة بضرورة اللجوء الى مستوى ذهنى ( عميق او شبه عميق كما هو عند ( Postal ) حتى " سطحى " كما هو سائد الآن ) يحتكم اليه لبلورة ما التبس ، كان لها ما يبررها ويؤكدها على المستوى الفنلوجى
والمستوى النحوى وفى كلا المستويين اختلفت الوسائل التى بها عقدت الفرضية وصح قبولها ، ولولاها لما تم تفسير الكثير من المعطيات ولما وقع لم شتاتها .
بمثل هذه الامكانيات تتكامل اطراف التقسيم النحوى وتتراءى امكانات أخرى .
فبالاضافة التى ضرورة جمع الادلة وترتيبها فى الاستدلال ، من دليل حاسم الى ما هو دونه فان طبقات ثانية وثالثة فى الاستدلال ممكنة . وقد عرف النحو التوليدى التحويلى على الاقل فرضيتين فى هذا السياق : وكلتا الفرضيتين ، مع استقلالهما فى البحث ، تزيدان فى متانة أرضية هذا النحو من حيث هو نحو تزامنى ( Synchronique ) يعنى بقدرتنا اللسانية الكامنة ،
أولا : الفرضية الزمنية ( L'hypothèse diachronique ) ويتزعمها ب . كيباريكى ( P. Kiparoki ) من ( M . I . T ) ( 4 ) .
ثانيا : الفرضية المرضية ( L'hypothèse pathologique ) وأعمق ما تم فى هذا الصدد كان بالمانيا الديمقراطية على يدى م . بيرويش ( M. Bierwisch ) و أ . فيقل ( E. Wergl ) ( 5 ) .
يكون القسم الثانى من هذا الفصل عرضا لفرضية ثالثة راهنة ، هى الفرضية التكوينية .
يفضى بنا هذا ، الى الاشكال الواسطة غير المقبولة من حيث هى ضرب من الاجراء يلجأ اليه التحويلى فى ممارسة البرهنة النحوية . فهو قد يجد نفسه مضطرا ، كى يجرى قواعده ، الى المرور بشكل من الاشكال " تارخية " كانت أم " نظرية " تسمح بانتظام العديد من المعطيات . فنحن لو نظرنا مثلا الى الحل التحويلى الذى يربط الجمل المشتملة على أن المصدرية والمصادر التى تقابلها
تبين ان الاطراد بين هذين النوعين من الجمل يسوقنا الى افتراض اشياء او على الاقل الى تفضيل حل على حل اخر :
فنحن نقول : " فكر فى الشئ " ولا نقول " فكر الشئ " لذلك نحبذ الربط بين : زيد يفكر فى أن يذهب الى تونس و : زيد يفكر فى الذهاب الى تونس ، وان كانت الجملة : زيد يفكر ان يذهب الى تونس ، مقبولة كذلك .
كذلك : تفكير زيد فى ان يذهب الى تونس عقيم ⟻ تفكير زيد فى الذهاب الى تونس قسم . تفكير زيد ان يذهب الى تونس عقيم ⟻ تفكير زيد الذهاب الى تونس عقيم ⟻ تفكير زيد فى الذهاب الى تونس عقيم بادراج حرف الجر .
ولا تخلو العلوم " الصحيحة " من مثل هذه الحالات " النظرية " . فالاشارة الى غاز الامونياك مثلا على انه يتألف من ذرة واحدة من النترجان وثلاث ذرات من الهدرجان انما جاءت لتصحيح وضع المفاعلات الكيماوية وانسجامها ( 6 ) .
هكذا يأخذ الوضع الابستملوجى للسنيات طريقه نحو البلورة ، وهو وضع كل العلوم التى قامت على ثنائية الاستنتاج والفرضية وهو ما نعنيه عندما أسلفنا ان نموذج اللسانيات النظرى هو من صنف نموذج الفيزياء النظرى ، لكن اللسنيات ما زالت فى اول الطريق . فهى حتى الآن تصارع أعراض المعطيات وهذا الامر من خصائص هذا العلم لان جوهر المادة فيه يغمره زبد كثير وهى حتى الآن كذلك فى نزاع مع الاتجاه الاستقرائى وقد يلفظ هذا الاتجاه آخر نفس له اذا أتت اللسانيات على وهم ضبط المعطيات النهائى الذى يوفر المعرفة الثابتة النهائية المزعومة .
صحيح ان اللسانيات تواجه عقبات عديدة اليوم ، منها : تراكم الفرضيات غير الخصبة أولا والظروف الملتبسة فى اختبار المعطيات عن طريق الحس اللغوى ثانيا والحلول المتناثرة المعقدة المبنية على المثل أو المثل الواحد المضاد دون محاولة استنفاد المعطيات ثالثا .
لكن هذا لا يمس بالمنهج وبالمقبول من النتائج وهو كثير
الفصل الثانى
ان ملكات المعرفة والادراك كثيرة ومتعددة ، وهى من حيث هى نظم ، منها المعروف المتداول ومنها الجديد المستحدث ومنها ولا شك ما لم نكتشفه بعد . وعدم اكتشافها فى الوقت الحاضر لا يعنى انه لا يمكن اكتشافها أو انها معدومة الوجود .
واللغة هى احدى هذه الملكات بل هي من أهمها على الاقل بالنظر الى الدرجة التى عليها المعرفة الآن . ولا يكفى ، من ناحية أخرى ان نهتدى الى ملكه من الملكات كى يتم التعرف عليها أو حتى وصفها النهائى . فمن الواضح ان اللغة قد تعرضت وتتعرض الى كل الوان النظريات والفرضيات ، وليس من أحد ينكر أنه لم يقع بعد فض كنه لغة من اللغات ولا يستبعد ان يكون ذلك مستحيلا . فأقصى ما يمكن الوصول اليه ، انطلاقا من فرضية معينة هو الدنو قدر الامكان من مستوى الملاءمة فى التفسير بين المعطى اللغوى الملموس ومعطى الفرضية النظرى . ولا غرابة أن يتطور شكل النموذج الواحد للنظرية الواحدة بل ان ذلك ضرورة من الوجهة العلمية ، فقد تحول النحو التوليدى مثلا من النموذج المتبع فى " البنى النحوية " . ( Structures syntaxiques 1957 ) الى ما يمكن ان نسميه بالفرضية التكوينية الوراثية فى اكتساب اللغة كما يعرفها صاحها فى كتابه الاخير تأملات فى اللغة ( Reflexions sur le ) ( 7 ) : ( 1975 ) .
فالممارسات العلمية ليست فى الاختبارية الضيقة وانما فى طرح الفرضيات أولا . فاذا اكتشفنا مثلا ان " معرفة " الطفل للغته الأم انما تمتد الى أبعد مما يسمع ويرى حوله فهذا يعنى أكثر من المقال القائل بان الطفل يتوصل الى بناء نحو لغته الام انطلاقا مما يسمع ويرى ويحتم اللجوء الى افتراض مستوى آخر فى التفسير قد يكون فطر عليه ، هو فعلا مستوى نظام الافكار والمبادئ الفطرية وهو بالتالى افتراض فى بنية اللغة الفطرية ، يفوق مستوى التجربة الفردية والجماعية .
فليس الطفل مجهزا لتعلم أية لغة معينة ، ولغته الأم هى اللغة التى احتضنته ونشأ فى أكنافها : قد يشب التونسى ببلاد لغتها غير العربية وتحت سقف لا مكان لها فيه ، فاذا كانت الفرنسية أو الانقليزية هما اللتان درج عليهما فهو لا محالة وليد هذه أو تلك ولا تعتبر العربية قط لغته الام بل ان لغته الام سوف تحد من قدرته على تعلم العربية كلغة ثانية لان اللغة الام تكيف الصغير وتأتى على رهافة حسه الفطرى ولن يتعلم بعدها لغة ثانية بالسرعة والاتساق اللذين تعلم بهما لغته الاولى .
وقد تتواجد لغتان فى عالم الصغير ، فاذا افترضنا شروطا مثالية بحيث تتعادل الحظوظ فى تعلم هاتين اللغتين فان الصغير سيتكلمها بالسليقة .
ومثل هذا التعبير : " تكلم بالسليقة " ، " الاتساق والسرعة فى الاكتساب " الخ . . . يخفى اشياء كثيرة ، ويستند فى الحقيقة الى نفس الفرضية من القول بفطرية البنى اللغوية ويوحى بها ، ويحيل فى الوقت ذاته الى نظام الافكار والمبادى الفطرية التى اشرنا اليها .
فما هذه الافكار والمبادئ الفطرية ؟ أولا ليست هى النحو . فلا يجوز أن نقول مثلا : فطر العربى على نحو العربية أو الفرنسى على نحو الفرنسية . ففى ذلك خلط بين الافكار الفطرية والنحو ، أى النحو الخاص .
ثانيا ليست هى النحو الكلى . ان الافكار والمبادئ الفطرية كليات شاملة ، واذ هى كذلك فهى وراء جميع ملكات المعرفة ، المدرك منها وغير المدرك . فلا يكفى ان نقول : إن المفاهيم الفطرية موجودة ضمنيا بالفكر أو ان للفكر القدرة على معرفتها ، " بل ان للفكر ، زيادة على ذلك ، القدرة على العثور عليها فى ذاته ، والاستعداد الطبيعى على تصديقها " ( 8 ) .
فهى تحدد شكل هذه المعرفة وصيغة اكتسابه وهى نتيجة تمكنت بالوراثة ورسخت لانها عنوان بقائنا ، مثلها مثل تلك العروق المتفشية فى مادة الرخام كأنها الضفائر الخالدة . ( 9 )
وهكذا فالافكار والمبادئ الفطرية هى بالنظر الى النحو الكلى شروط امكانه . واذا قلنا : إن النحو الكلى هو جملة من الفرضيات فى ملكة اللغة من حيث تحتمها البيلوجى يصح ان نقول : إن الافكار والمبادئ الفطرية بالنظر الى النحو الكلى هى هذه الحتمية التكوينية بالذات .
أما من الناحية اللسانية البحث فللنحو الكلى قوانين لغوية صرف هى كما ذكرنا جملة من القيود أو القواعد الكلية التى تحد من عدد القواعد الممكنة ( Les grammaires possibles ) للغة من اللغات ، وليس من شك ان للكلام أى للمعطيات الحسية للغة ما أثره فى هذا التقعيد ، فالطفل فى طود الاكتساب موجود ، ان أمكن القول ، بين قابض ودافع : يغمسه فيض الكلام فى طلق ( Centinuum ) من الاصوات من ناحية ، وتكبحه قيود أخرى من ناحية ثانية ، وهو كذلك مرغم على تعلم لغته الام انطلاقا من الكلام الواقع حوله من جهة وعلى تخصيص البعض منه ، مما كون " تجربته " فيه ، على انه منزاح ( Déviant ) أو غير نحوى ( Agrammatical ) من جهة اخرى . . .
وهذان الحدان هما اللذان تجرى على نهجهما مسيرة الاكتساب عند الطفل لان قوام الاكتساب حركة تقف على القواعد التى تتلاءم والمعطيات المادية للغة التى يتلقاها الطفل ، وهى قواعد منتقاة من بين مجموع القواعد الممكنة التى تتلاءم بدورها وقوانين النحو الكلى .
وهنا أيضا نرى أنفسنا مضطرين أمام هذه المعطيات وأمثالها كالاتساق الذى يكون عليه الاكتساب ، أن نقرر ان العامل فى مثل هذه الحالات من تجربة الطفل قيود واقعة فى مستوى ثان غير المستوى الذى تقع فيه القواعد الخاصة للغة الطفل ، وجملة هذه القيود هى المحتوى الذى نسنده فى المرحلة الراهنة من البحث اللسانى الى مفهوم النحو الكلى ، أما المستوى الذى تقع فيه فهو نفس المستوى الذى تتواجد فيه الافكار والمبادئ الفطرية الجامعة .
ونحن اذ نصف هذه الافكار والمبادئ الفطرية بالجامعة فلسنا نقصد فقط أنها تشمل جميع ملكات المعرفة والادراك أو أنها تتعامل مع بعضها البعض وانما ، أكثر من ذلك ، نريد أن نؤكد أنها شديدة الاختصاص وعلى درجة كبيرة من الدقة حتى ان القول بأنه لا صلة للبنى النحوية بالملكات الاخرى للمعرفة والادراك يبدو أكثر الاقوال بداهة . وليست هذه الفرضية ( فرضية استقلال النحو عن غيره من التقعيد والبناء ) تخمينية أو عفوية . فالطفل مثلا لن يتملك اللغة ما لم يتعرض لمنشطات لها خصائص الحدث اللغوى
الطبيعى ، أى المتعلقة بلغة طبيعية تتحرك لها الافكار والمبادى الفطرية المختصة ( 10 ) ، وهو لن يتملك هذه اللغة كذلك ما لم يندرج هذا الحدث فى جهاز متكامل يتكون حده الادنى من مسموع الكلام ( الدافع ) وحده الاقصى من مفطوره ( القابض ) .
ولن يغنى الطفل ان يكون مثلا شديد الذكاء كما هو الحال عند بعض الحيوانات او قوى الذاكرة ، حاد الانتباه ، سريع الخاطر . . . ما لم يتوفر الشرطان المشار اليهما . ولا حرج إذا كان الكلام المسموع مثلا محدودا أو كان الجهاز نفسه غير مشحون ، يكفى ان تكون تلك " المنشطات " بالقدر الذى يسمح للمخزون المعبأ ان ينشط كأنه النابض .
عندئذ يأخذ الحدان فى التفاعل وتبدأ عمليات التقعيد Grammaticalisation وتفريع المقولات ( La sous - catégorisation ) ونحن نعتقد ان هذه العمليات أو قاعدتها انما تتم على نحو " خوارزم " ( Algorithme ) معين يقرؤه الطفل وأن أبجديته مضمنة فى مكان ما من الجزئيات العضوية لخلايا المخ او القسم المختص منه ، مثلها مثل أبجدية الحوامض الامينية التى يتم على نحوها بناء العدد الكبير للبروتينيات داخل الخلية الواحدة وذلك حسب تصميم معين .
وكما اكتشف البيولوجى ان هذا التصميم من الاعلام الوراثى الذى يهمه انما هو مسجل داخل النواة للخلية الواحدة على شكل كيمياوى مكتل من الحوامض النواتية وبالضبط على مستوى الصبغية الواحدة فى شبه اشرطة دقيقة ملتفة على نفسها ( الضفائر الخالدة : . A . D . N ) ( 12 ) ، فانه باستطاعة اللسائى البيولوجى النرلوجى أن يكتشف فى يوم من الايام - ولم لا ؟ - أن خوارزم الافكار والمبادئ الفطرية ( أى قاعدة الاكتساب للغة ) التى تهمه
محفوظ هو كذلك فى ضفائر خالدة وأن تعاقبا معينا فى تركب عناصر هذه الضفائر الخاصة ومقاطعها هو معنى الطاقة الكامنة للغة عند الانسان ( 13 ) .
ولكن هذا يقتضى منا أن نقبل دون ارتباك على دراسة ملكة اللغة على أنها " عضو فكرى " ( 14 ) أى أن نتناولها على أنها نظام تكوينى مسبق وبرمجة فطرية لفص من فصوص المخ ، وان كانت اللغة من الفكر . وكذلك ان نعتبر الطرح الفزيلوجى للبحث منهجا شرعيا . فاذا سأل سائل : أى علام وراثى يحتم بنية ذلك العضو الفكرى ، تطوره ووظيفته ، الا نؤاخذ بذنب خلط الروح بالجسد ؟ بينما نصرف النظر عن نفس السؤال اذا كان الامر يتعلل بعضو من أعضاء الجسم ، كأن نعلم لماذا ذلك الشكل للآدمى بدل ذلك الشكل للدابة ، ولماذا الساق عوض الحافر ؟ وأخيرا ان نعلم نهائيا بأن النموذج النظرى الذى يعتمد الفرضية والاستنتاج هو الامثل لدراسة اللغات الطبيعية .

