الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

الوعى الاجتماعى،

Share

من سمات النهضة التونسية الشاملة بل الثورة العارمة ان الوعي القومي في تونس اصبح مقرونا بالوعي الاجتماعي على ان هذا الوعى الاجتماعي ليزداد تاصلا مازال فى حاجة الى الوضوح والعمق خاصة ونحن بصدد بناء مجتمع اشتراكى عادل .

فما هو الوعى الإجتماعى الذى ننشده لهذه الامة وما هى السبل لايقاظه فى الجماهير والجماعات والافراد على حد السواء ؟

الوعي الاجتماعي يتمثل اولا وبالذات فى ان يدرك الإنسان " المدني بالطبع " كما يقول ابن خلدون واجبه فى ان يكون عنصرا نافعا في المجتمع فهو حينئذ يبدأ فى ادراك الانسان قيمته كانسان له حقوق طبيعية لا يجوز لاحد ان يسلبها منه او يحرمه منها ولا يجوز حتى له ان يتنازل عنها وهي حقه فى الحياة والمحافظة عليها من الاخطار والامراض التى تهددها وحقه في تنمية ذاته وشخصيته ومؤهلاته بالتعليم والتكوين المهنى وحقه فى العمل ليستفيد ويفيد .

والوعي الإجتماعي مقابل ذلك يتمثل ايضا فى ان يدرك الإنسان قيمة المجتمع الذي يعيش فيه وهذا المجتمع يجب ألا يكون عبارة عن مجموعة بشرية تعيش كالسوائم بالاكل والشرب والنوم والتناسل فحسب بل تسعى الى التطور والتقدم والرقى ولذا فهى فى حاجة الى مؤهلات جميع افرادها وعملهم .

والوعي الاجتماعى بالخصوص يتمثل في المعادلة بين الحقوق والواجبات فالفرد له حقوق على المجتمع الذى يجب عليه حمايته وتقدمه . ومقابل ذلك له واجبات نحو نفس المجتمع بما يقدمه له من خدمات وكذلك المجتمع له نفس الحقوق على الفرد وعليه نفس الواجبات نحوه حتى يتم الانسجام والتكامل بينهما ويتمكنا من حياة الطمأنينة والكرامة والازدهار . فالمجتمع جسد عضوى يشترك افراده فى المنافع والمضار . وكما ان كل

عضو في الجسم ينفع سائر الاعضاء ويتضرر منها كذلك الحال في المجتمع . فالمتعلمون مثلا ينتفعون من المجتمع بماله وخدماته لينتفع المجتمع بدوره من علمهم وعملهم . وكذلك الشان بالنسبة لكل اصحاب المهن . ومن المجتمع يستمد الفرد كل ما يحتاج إليه من مأكل وملبس ومسكن وعلم وخلق . ولو جرد الانسان من كل ما كسبه من المجتمع لم يبق له شىء فجسمه وعقله وخلقه منحة من منح المجتمع . وكما ان العضو اذا انفصل عن الجسم مات ولم تقم له حياة كاليد تفارق الجسم والورقة تفارق الشجرة فكذلك الانسان اذا انفصل عن المجتمع ادركه الفناء ولم تكن له قيمة لان اعمال الانسان واغراضه وعاداته لا تقوم الا بالنظر الى المجتمع . فليس العمل خيرا او التقاعس شرا الا لان الانسان يعيش فى مجتمع ولولا ذلك لما كان احدهما خيرا والاخر شرا .

والانسان الواعي اجتماعيا من واجبه معرفة قيمة غيره الحقيقية وتقديرها حق قدرها فلا مجال للتعصب ولا للمحسوبية . بل لكل حسب مؤهلاته وكفاءته وما قدمت يداه للمجتمع الذى يعيش فيه .

وان اداء كل واحد لواجبه اليومى فى عمله وفي بيته ومع اولاده واصحابه ومن يعاملونه ، واعانته للمشروعات النافعة بماله وعمله وتأثيره ، وانتخابه خير الناس اذا انتخب ، كل هذه حقائق اجتماعية ترفع من شأن الفرد وتعلي مكانته وتقوى المجتمع وتساهم فى تطوره وتقدمه وازدهاره .

ومسألة الوعى الاجتماعى مسألة مستوى يجب رفعه كما يقول ويلح في ذلك المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة . وهنا تأتى مسالة ايقاظ الوعي الاجتماعي وتطوره . واهم شئ يتحتم بثه في الافراد والجماعات على حد السواء هو الإيمان بالعدل والمساواة والعمل بمقتضاهما .

فالعدل نوعان : في الافراد اولا ، إذ يجب اعطاء كل ذى حق حقه بدون تحيز قد تحمل عليه المنفعة الشخصية او الميل او الظواهر ، وفى المجتمع ثانيا ، إذ يجب التسهيل لكل فرد في ان يرقي بنفسه على قدر استعداده , فلا يكون المجتمع عادلا الا اذا توافرت لكل طائفة من الناس وسائل رقيهم . والعدل كثيرا ما يقرن بالمساواة . ورغم ان المساواة التامة صعبة المنال

لاختلاف الناس في قواهم وملكاتهم فانها واجبة التحقيق لا من الناحية القانونية فحسب بل من الناحية الإقتصادية والإجتماعية ايضا وخاصة المساواة في الفرص

ويجب من جهة اخرى بث روح التعاون اذ ان التعاون بين الافراد لا بد منه للحياة وكلما تقدم الناس فى الحضارة كانت حاجتهم الى التعاون اشد بسبب كثرة الحاجات والمطالب التى تستوجب توزيع الاعمال وتخصيص كل طائفة بعمل . والملاحظ فى هذا الشأن انه لا يصح ان يسمح بالتعاون بين الافراد اذا كان في ذلك ضرر بالامة كما يحدث في الاحتكار مثلا .

وما العدل والمساواة والتعاون الا صفات المواطن الصالح والمجتمع المتماسك الذى نسعى لبنائه على اساس التطور والرقي والازدهار .

ولا يتسنى ذلك الا بعدة عوامل اهمها : اولا : مقاومة نفسية الخنوع والتواكل والتقاليد البالية وخاصة منها النزعة الفردية واحلال روح التضامن والتشارك والتعاون . ثانيا : الاجتهاد فى الدين والعمل بسنن التطور وتغيير الملابسات والاحوال ومعلوم انه كان من نتائج عدم الاجتهاد في الدين والاخذ بالقشور دون اللب ان جمدنا فى مكاننا ووقفنا حيث كنا بل رجعنا الى الوراء والحال ان الدين ليس بعرقلة في سبيل الرقى بل الدين - عكس ذلك - انما هو عمل وجهاد واخلاق .

ثالثا : تنظيم الشعب وايقاظه في منظمات قومية مهنية ومنظمات للشباب لاعداده الى تحمل مسؤولياته على اكمل وجه وخاصة القيام بنهضة نسائية اذ المرأة نصف المجتمع وعليها يتوقف تربية النشء . فالطفل " هو ابن امه اكثر مما هو ابن ابيه " . . تقدر قيمته وتبغى له الحياة والنمو طفلا وتبغى له السلامة فتى والنجاح شابا .

رابعا : بعث نهضة علمية وثقافية شاملة اذ الوعى الاجتماعي لا ينمو فى مجتمع تطغى فيه الامية والجهل ولذا نرى ان اول عمل تقوم به كل حركة اصلاحية هي رفع الغشاوة وبث الوعى لا بالتعليم في المدرسة فحسب بل خارجها ايضا فى تشكيلات الحزب والمنظمات . وهنا يأتي دور المثقف الصحيح الذي يجب ان يكون عنصر اشعاع لنشر المبادئ الاجتماعية السامية . وهنا ايضا يأتي دور الثقافة التي يجب ان تنبع من صميم الحياة لا لوصفها وصفا مجردا

بل لتقويمها حسب المثل العليا التى ترسمها الامة لنفسها لتحقيق اسمى غاياتها وهي العدالة الاجتماعية .

هذا بإيجاز الوعى الاجتماعى الذى آلت تونس اليوم على نفسها بثه وتركيزه على اسس ثابتة متينة منبثقة من تقاليد حزبها الحزب الحر الدستورى وبوحى من توجيهات رئيسها المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة . فبعد الشعور بالكرامة السياسية المتمثلة في الحرية والاستقلال وجب بعث الشعور بالكرامة الاقتصادية قصد التطور والازدهار وتحقيق العدالة الاجتماعية فى كنف الاشتراكية الدستورية .

اشترك في نشرتنا البريدية