أهو توافق خواطر ؟ أم تواطؤ كنت ضحيته فى اسبوع واحد . . فقد طلب الي صديقى الاستاذ محمد سعيد العامودي رئيس تحرير مجلة الحج مقالا لمجلته كان موضوعه الذي اختاره هو وعي الشرق الجديد . . وفى اليوم التالي تلقيت من الصديق الاستاذ عبد القدوس الانصاري رسالة يطلب الي فيها أن اكتب له عن " الوعى فى بلادنا " فاما المقال الاول فقد كتبته على استعجال لضرورة طبعية اكدها لى الاستاذ العامودي ومن يكتب عن الوعى فى الشرق لا بد أن يجيء ما يكتبه صورة للوعى فى كل قطر من أقطاره . إن لم يكن على وجه التخصيص فعلى وجه الشمول والتعمم ، فكلنا فى الهم شرق ، كما قال شوقى رحمه الله . . ومعنى هذا اننى أردد هنا ما . قلته هناك . أو على الافضل افضل هنا ما أجملت هناك عن هذا البلد العزيز
للوعي في الشرق حديث يشجي وتاريخ يعظ . . فقد كان سوقا عظيما للرقيق يتاجر فيه نخاسو الغرب الحديث كما يتاجرو نخاسو القرون الوسطى فى الرقيق يسرقونه ويفرقون بعملهم ذلك بين والدة وولدها وأخ وأخيه
والفرق بين التجارتين ان نخاسى القرون الوسطى كانوا افرادا مغامرين يتاجرون فى افراد منكودين . . اما نخاسو الغرب الحديث فانهم دول جشعة تتاجر فى مقدرات ومصائر شعوب مستضعفة . . فهى تجارة " بالجملة " لا " بالقطاعى " . . عواقبها اوخم واستغلالها افظع وأضخم
وقد كان هؤلاء النخاسون يمارسون تجارتهم البشعة هذه بدون تحرج ولا مبالاة وكأنما يمارسون عملا انسانيا ، لا تجافية القوانين ولا تنكره الضمائر ويمارسونه مع الضعيف لانه لقمة سائغة ما يبذلون فى سبيلها جهدا ولا يهريقون دما
ولا يخشون حسيبا . اما القوي فان حقوقه مصونة وكرامته فى مأمن من المخاوف لانه يعرف كيف يذود عنهما ويرد العاديات
وبقى الشرق ردحا ممتدا من الزمن وهو يرزح تحت نير الاستعمار البغيض . والاستعمار يلهبه بسوطه ويستذله ويستغله بلا حياء ولا وجل حتى ضاق ذرعا بما يلاقي من عسف واضطهاد . . وحتى تمرد ثم ثار بقيادة زمرة من الاحرار الكادحين فى سبيل شعوبهم واوطانهم بالنفس والنفيس
ولقد عرف الغرب بعد أن آنس من ضحيته التطور والوعى والرغبة الصادقة فى التحرر والخلاص من الاستبعاد باي ثمن . . عرف كيف يلاين ويتسامح وينزل من عليائه ويتنازل عن كثير من مطامعه واهدافه . . ويتناسى غروره وغطرسته ليستبقى قليلا من كثير ، ويعيش صديقا حليفا بعد ان كان سيدا مهيمنا . . فان شيئا خير من لا شئ بلا جدال والغرب سيد العارفين وسيد من يدين للمنطق ويخضع لآياته البينات
والشرف لن ينسى ولن ينخدع ولن يرضى بانصاف الحلول فالغرب يحمل بين جوانحه طبائع الذئاب المفترسة التى لا تنسى حلاوة الدم . . وهى ذئاب تسالم ما دامت تخشى سلاح الراعي وسطوته المتيقظة . . فاذا وجدت منه غرة عادت اليها طبيعتها النهمة الغادرة . .
سيجاهد الشرق حتى ينال حقوقه كاملة . وحتى يقف نديدا للغرب ويبلغ شاوه الرفيع فى العلوم والفنون والقوة المادية المكتسحة . . ويومئذ سوف لا تحدث الغرب نفسه بالسيطرة والاستعلاء والختل والاختلاس . . لانه . . منطقى يحترم القوة ويعنو لها .
ونحن . ما حظنا من وعى الشرق الجديد ؟ وما هى مكانتنا بين أممه ؟ لقد كنا الى عهد قريب أمة خاملة لا تذكرها الأمم الا إذ ذكرت هذا البيت العتيق . وهذه القداسة الدينية الخالدة . وهذا الماضى الحفيل اللامع الذي بهر
العالمين ، وفتح الممالك وانار العقول . . وكنا او هذا حال اغلبنا على الاقل - ثلة ضخمة من العاطلين ما يعملون إلا فى مواسم الحج فاذا جمعوا منها ما يكفهم عامهم قنعوا وقبعوا فى دورهم ينفقون على المآدب والمنازه والمباذل حتى يوافيهم موسم جديد . . بمورد جديد
وكان بعضنا يترقب " ماهيات " الدولة العلية العثمانية - فاذا تسلمها خمل وتبطل وانطوى على نفسه كالقوقعة ثم دعا للدولة بالنصر والتأييد
لا عمل ولا انتاج ولا مطامح ولا اهداف . . بل ركود وضآلة وتبطل . اما اليوم فقد تغيرت الحال . وتفتح الوعى .
لقد تبدل خوفنا من الجندية اتبالا وفخارا . . وخوفنا من الابتعاث للخارج . للتعليم رضي وتحمسا . . واعتزالنا العالم غشيانا لا صقاعة ومؤتمراته وانديته . . وخمولنا وانطواؤنا شهرة مدوية وبعد صيت . . وقناعتنا طموحا متوثبا . . وتواكلنا تكتلا والتفافا وضعفنا قوة عارمة . . وفقرنا غنى ويسارا
لقد سلطنا الانوار القوية على حيواتنا فانجلت وترعرعت واستنارت . . ولسنا نزعم الكمال أو مقاربته . . ولئن زعمناهما فانا نخادع نفوسنا ونتجني على حقائقنا . وإنما الذي نزعمه واثقين معتدين انا سائرون فى السبيل . وانه سبيل ممهود بعزائمنا وآمالنا . . ولن يخيب شعب يعتمد - بعد الله - على عزائمه وتحدوه آماله
مكة المكرمة
