الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

الوعي القومي والديني عند الشعراء الجزائريين، المهاجرين إلى تونس

Share

ـــ 3 ـــ(*) لقد اعتبر الشعراء الجزائريون الطرقية والزوايا وانتشار الدجل من أفظع الاخطار التى كانت تستهدف الكيان الجزائرى وتهدده فى مقوماته الاسلامية . فالطرقية كانت تقف حائلا دون أى اصلاح غايته تجديد الفكر الاسلامى ، كما كانت مدعمة بقوة من طرف الاستعمار مهيمنة على عقول ونفسيات البسطاء والسذج الذين أبقاهم هذا الاستعمار على جهلهم وجعلهم فريسة للوقوع فى الخرافات وبين براثن المشعوذين .

وكرد على استشراء هذه الظاهرة وانتشارها وما أصبح لها من السلطان ( 1 ) قام العلماء والمفكرون والشعراء بالتصدى للطرقية والمرابطية وغير ذلك من

مظاهر الانحراف الديني ( 2 ) ، ونقلوا هذه المعركة ضد الطرقية وربيباتها الى الصحافة التونسية للتدليل على أن المثقف الجزائرى يعى تمام الوعى ضروب ما يهدد كيانه وعقيدة آله من الاخطار والدسائس .

فقد أسهم خريجو الزيتونة اسهاما كبيرا فى مقاومة الطرق ، وكانوا عماد جمعية العلماء مع ثلة من الافاضل امثال ( البشير الابراهيمى ) و( الطيب العقبى ) و( الامين العمودى) ، ويأتى فى مقدمة المصلحين من خريجى الجامعة الزيتونية ( الحميد بن باديس ) و( بارك الميلى)و ( السعيد الزاهرى)و ( حمزة بوكوشة) وغيرهم .

ولم يكتف هؤلاء بالتنديد فى كتاباتهم المعروفة بهذه الطرق والزوايا لكننا نراهم يوسعون نشاطهم الى نشر العلم الذى كان وسيلتهم الرادعة للحد من توسع الطرقية متخذين مختلف أنماط التعبير نثرا وشعرا ، حوارا وارشادا وتوجيها .

يقول ( حمزة بوكوشة ) مجادلا أتباع الطرقيين داعيا اياهم الى اتباع السلف الصالح ونبذ الخرافات والانحرافات :

وهو فى مناسبة مماثلة يشير بشباب ( وادى سوف ) ممن تصدوا لمقاومة الطرقية ، وشرفوا الوادى وأهله وشقوا عصا الطاعة فى وجه المشائخ وحاكموهم :

بنى الوادى المكرم لاعدمتم                 شبابا عانق السمر العوالى

شباب باتباع الدين مغرى                  وللبدع الشنيعة هو قال

وكم قد عاكسته شيوخ سوء !             وكم قد هددته على التوالى !

نعم قد أبعدوه بكل سوء                  وهل تحت الذباب ذرى الجبال (2)

وقد خصص (حمزة بوكوشة ) عددا من : ( زفراته ) (1) التى كان يكتبها بانتظام لجريدة ( الوزير ) التونسية ، سواء عند اقامته بتونس او بعد عودته الى الحزائر لفضح أساليب ( الطرقيين ) وتوجيه سهام نقده ( للمفسدين ) الذين انتصبوا لنقد كل مصلح ، والتألب عليه مما يدل على شدة المعركة واتساع دائرتها وباع الطرقيين فيها وصلابة عريكة المصلحين للظفر فيها :

لقد شغفت بالنقد فى القطر فرقة             وليس لها نقد سوى أحرف الجر

وما ضرنى أن قلت بت متيما                بليلاي أشكو الله عن ألم الهجر

أليس هدى القرأن خيرا لمهتد               تنوب حروف عن حروف بلا نكر

وكم مفسد بالقطر ينقد مصلحا             بسبه ، والتجهيل ، والرمى بالكفر

فمن لى بأن يدرى بأنه مفسد              ( ومن لى بأن يدرى بأنه لا يدرى ) (2)

وهو يشير فى هذا الصدد الى أن الطرقيين كانوا يتخذون من الهزء والسخرية بالمجددين وسيلة للطعن فى ثقافتهم ومعارفهم ، بالانتقاص مما يكتبون واعلان ذلك فى الناس حتى ينفضوا من حولهم ، ويتشككوا فى مواهبهم وعقيدتهم . وقد أدى تألب الطرقيين فى بادى الامر بالشيخ حمزة بوكوشة الى اليأس من وضع شعبه ، وهو يراه ينقاد الى الدجالين ويبيح لهم امتصاص دمه وعرقه ، وذلك قبل ان يحسم الموقف لصالح الحركة الاصلاحية :

برمت من الاقامة فى بلاد                       يؤول أهلها الكفر الصريحا

يقودهم المدجل للزوايا                           ويأخذ منهم الثمن الربيحا

ليعطيهم من الجنات قصرا                      ويمنعهم اذا قدر أتيحا

وينفسهم من العلماء قوم                       بترك الدين يشرون المديحا

ويخشون اليهود مع النصارى                   ولا يخشون من خلق المسيحا (1)

وهكذا نرى ( حمزة بوكوشة ) يواصل حملاته على الطرقيين نثرا (2) وشعرا طوال سنوات متعددة على صفحات الجرائد التونسية ، وخاصة جريدة ( الوزير ) معضدا فى ذلك الجهد الذى يقوم به زملاؤه خريجو جامع الزيتونة الذين باشروا حملتهم دون هوادة على صفحات جرائد جمعية العلماء منذ العشرينات امثال محمد العيد ، والسعيد الزاهرى ، ومحمد اللقانى السائح ، ورمضان حمود وغيرهم .

على أن الدعوة الى نبذ الطرقية ومحاربتها وفضح أهدافها اقترنت بمشاعر روحانية اسلامية أشعت فى هذا الشعر لتفصح عن مدى تغلغل العقيدة الدينية فى نفوس شعرائه الذين كانوا يعبرون بلسان الشعب الجزائرى جميعه ،

باعتباره شعبا مسلما وباعتبار البعد الاسلامى ركنا أساسيا من اركان الكيان الجزائرى . فكان هؤلاء الشعراء يهتبلون المناسبات الدينية ليبثوا مشاعرهم من خلال القصائد مخاطبين فى الشعب احساسه وعقيدته ومكارم رسوله المتمثلة فى الحث على النهوض وتحطيم أغلال الجهل والاستعمار ، مثلما فعل ذلك (ابو بكر مصطفى بن رحمون) فى ذكرى مولد الرسول حين توجه الى الشعب الجزائرى المسلم بخاطبه فى هذه المناسبة الخالدة بحماسة ومشاعر فياضة ، مبلغا اليه شكوى الرسول من أمته ونداءه اليها بالنهوض :

ايها المسلمون ان رسـول الله     منا يشكو الونى والخمولا

وعـــــــلى منبر الخـــــلـود ينادى     أمتى حطمى عليك الغلولا

كنت لم تسع أمة في مجال المجــــــ ــــــد الا وقد تقدمت ميلا

لربى العز كنت تسعين عدوا      بينما الغير كان يسعى زميلا

كنت في قبة المعارف شمسا       بينما الغير كان نجما ضئيلا

كيف أمسى منك التقدم احجامــــــا ، وأمسى الصداح منك هديلا

وغدا فى شعوبك الدين غضبا    ن وامسى اللسان فيهم دخيلا (1)

وللتأكيد عل هذه المعانى وتزكبتها نرى الشاعر يضمن شعره شيئا من المعانى القرآنية كى يبدو أكثر تأثيرا واقناعا :

وأرى الله لا يغــــــــيــــــــر مـــــــــــــا بالقــــــــــوم حـــــتـــــى يحـاولوا التحويلا

كيف يرجو الوصول يا قوم من لم   ينو سعيا ولم يحاول وحيلا

سنة الله فــى البــــــــــرايا ولـــــن تلقــــــــوا لمــــا ســــــــــن ربـــــنــــــا تــبــديلا

وعلم نفس النسق نرى الشاعر (عبد الله شريط) فى ذكرى المولد النبوى الشريف يتذكر وضع أمته ، وما يكتنفه من المآسى والاحزان ، فتهزه الذكرى التى تثير فى نفسه الجوى فيخاطب ما تخيله نجمة الذكرى بقلب مفعم بالالم ، ويدعوها الى تملى هذه الحالة ال البنئيسة علها تنقل صورة عنها الى الرسول عن الابناء الذين غدر بهم الدهر ، وعاكستهم الاحوال :

ذكرى الرسول لانت نجمتنا التى    بقيت تطل وحيدة بين الدجى

فلكم تثيرين الجـــــوى فى انفس      باتت مصفدة باغلال البلا

ترنــــــو اليـــــــك بـــــــذلـــــــة وكآبة        وبعينها قلب يسيل من البكا

ويد الظلام تروح تخنق صوتها       فتثبيت مثقلة بانات الشجا

ايه انظرى يا نجمة الذكرى انظرى  هذى النفوس وما تعاني من شقا

واذا رجعــــت كليــلــــة مـــرتــاعـــة      وبوجهك الذاوي اخاد الاسى

ورآك أحــــــمــــد دمـــــعــــة منســابـــة    من مقلة الاسلام يدفعها القلى

قولى له مــــــا قد رأيــــت بأرضنـــــــا    وصفى له دنيا يزعزعها الضوى

وصفــــى له أهليــــــه فى غفلاتهــم     والدهر يرقصهم كاوراق الغثا (1)

واذا كان الشاعران السالفان قد نظرا الى هذه الذكرى نظرة اسلامية روحانية ، واستلهما من وحيها ما يستله الشاعر الثائر المتألم لاوضاع شعبه فان شاعرا آخر هو السعيد الزاهرى كان أسبق الى أن يرى فى ذكرى الرسول مناسبة عظيمة لاستنفار العروبة والاسلام معا ، ولوصل النسب بين الجزائرى الغربى المسلم كيانا وأرومة وجذورا وبين هذا القحطانى العربى الذى أضاء مولده الارض ، فكان هلالا انجابت بنوره سحب العالم وانبعثت العروبة من مرقدها لتصبح احدى الامم التى يفاخر الجزائرى بالانتماء اليها دماء وحضارة وعترة ونسبا :

هلال على الدنيا استهل فاشرقت    به الارض وانجابت عن العالم السحب

فاصبح من بين الكواكب رافلا       وليس لها الا هلال الهدى قطب

رآه ابـــــــن قحطـــــــان فأيقــــن أنــــــه      هدى ليس فيما قد تيقنه ريب

فنادى به فى العرب هذا هداكم       فاقبل سرب منهم بعده سرب

إذا كان سعــــــــدا للعـــــروبة طالعا       فانا وان غارت طوالعنا عرب

وانــــــــا وان هنــــــــــا وهـــانت ديارنا       هوانا ، فما زلنا إلى عزة نصبو (2)

هذا الاحساس بالنخوة والقوة ، واتخاذ الدين رغم هوان المسلمين وانحطاطهم وسيلة تحريض واستنهاض ومظهر اعتزاز ، لم يظهر بجلاء في هذا الشعر الجزائرى المهاجر الا منذ ظهور الحركة الاصلاحية فى العشرينات وبعدها ، اذ نجد قلل مطالعة هذه القصائد المفعمة بمعانى الظفر والشدة شعرا يشكو غربة الدين الاسلامى ، وقلة انصاره فى بكاء وحرقة محملا الغرب كل ما اصاب هذا الدين واهله من اضطراب وشتات على غرار ما كتبه الشاعر (مصطفى محمود التبسى الجزائرى) فى سنة 1920 ( الدين والانصار ) قائلا فى شكوى الضعيف المستضعف :

الدين من قلة الانصـــــــار فـــى كــــــــدر   ومن حوادث هذا العصر فى ضجر

أضحى غريبا عن الاوطان فى حرج    يمسى ويصبح فى الالم والضرر

لهفر على الدين فالغيراء فــــــى قلــــــق   مذ بان عنها فغاب نجمها الزهر(1)

والقصيدة لا تكتفى بالشكوى المريرة من قلة الانصار الذين يمكن ان يهبوا لنصرة هذا الدين ومد يد العون له ، ولكنها تحمل مسؤوليه ما حدث للدين الاسلامى وأهله ( أوربا الغادرة ) التى نزعت نزعتها الاستعمارية الصليبية لتبسط نفوذها على جميع العالم الاسلامى وتوهن عزائم أهليه .

والاسلام في شعر بعض هؤلاء الشعراء لا يجسم فقط الركن المكين من الكيان الجزائرى بقدر ما هو رابطة متينة وعروة وثقى تشد أبناء القطر الشمالى كله وتوحد بين شعوبه المتاخية اضافة الى ما يوحد بينها من الامشاج العربية .

هذه الفكرة برزت في القصيدة التى خاطب فيها الشاعر (عبد الرشيد مصطفاى) طلبة شمال افريقيا المسلمين فى مؤتمرهم الذى عقد بتونس شهر اوت 1931 ، حين وقف بذكرهم بالوشائج الاسلامية وبنور الاسلام الذى ليس يخبو ، ولم ينفك هاديا وأمانا لوحدة شعوب هذه الاقطار المغربية :

أرى الاسلام نورا ليس يخبــــــو   ولم ينفك للهادى اماما

لقد ضـــم الجزائـــر وهى خــود   الى الخضرا ومراكش ضماما

فكن به فرائد ساحرات     رايت التاج يسطع والحزاما

وكان لهن من ابناء سام     أسود شرى عزيز ان تراما

فالف بينهم دين دعاهم     لينزلهم من الخلد المقاما (2)

هكذا حمل الشعر الجزائرى المهاجر قبل الثورة هموم الوطن الجزائرى وافصح بحرية وانطلاق وشجاعة عن ارتباطات هذا الوطن القومية والاسلامية سعيا منه الى اغاضة المستعمر الذى عمل كل ما فى وسعه على قتل الشخصية الجزائرية وطمس معالمها ، ومحاولة فرنستها وتشويه لغتها ، وتلويث عقيدتها بافساح المجال للمشعوذين واصحاب الطرق . كما سعى هذا الشعر الى بث روح النخوة والهمة وتثوير الشعب الجزائرى باحياء تاريخه المجيد وتبصيره بسيرة أسلافه الذين خاضوا المعارك الظافرة وبسطوا نفوذهم شرقا وغربا .

وقد استمر هذا العمل الاستنهاضى متواصلا منذ مطلع القرن بظهور عمر بن قدور وأضرابه وحتى الجيل الذى عاش مرحلة الثورة ، وكان أحد اصواتها البارزة عبر الصحافة التونسية ، والذي تمثلت رسالته لا فى الدعوة الوطنية والعروبة وتأكيد البعد الاسلامى للشخصية الجزائرية فقط ، ولكنه نهض بازاء كل ذلك بمهمة الاستنهاض وبث الحماس وتعبئة المشاعر ضد المستعمر، والدعوة الى مواجهته بكل أشكال المواجهة السلمية منها والعسكرية .

اشترك في نشرتنا البريدية