الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

الوعي القومي والديني عند الشعراء الجزائريين، المهاجرين إلى تونس

Share

من الانصاف أن نذكر بأن معظم شعراء الجزائر الذين كتبوا فى تونس وفى غير تونس لم تكن دعوة الكيان والوطن الجزائرى فى نظرهم منفصلة بأى حال من الاحوال عن قضية ارتباطات هذا الكيان بجذوره العربية الاسلامية ، بل كانت الدعوة الى كيان جزائرى مستقل فى نظرهم تعنى فى جوهرها عودة إلى ذلك التاريخ العربى الاسلامى الذى يحاول المستعمر طمسه وتشويهه بشتى الاساليب ليفرغ الكيان الجزائرى من محتواه الحضارى . ومن ثم يتم له تطبيق سياسته الادماجية والاطباق عليه . والحاقه بفرنسا ( الأم ) ، ولذلك قلما نعثر على شعر فى هذا الصدد لا يصل الماضى بالحاضر ، ولا يعبر عن السخط على الحاضر لانه لا يمثل الماضى تمثيلا ناجعا . وقد لاحظنا ذلك جليا فى قصائد مفدى زكرياء والسعيد الزاهرى وغيرهما ، ممن تناولوا موضوع الكيان الجزائرى .

ولا بد من التسجيل كما يقول عبد الله ركيبى : من أن (( الشعراء الجزائريين لم تطغ عليهم أحداث وطنهم المحلية . ولم يفرقوا فى قضاياهم الداخلية وانما تفاعلوا مع واقعهم وتفاعلوا - فى نفس الوقت - مع الواقع العربى ، وشاركوا فى قضايا عربية كثيرة وفى مقدمتها قضية فلسطين ... وكان تفاعلهم مع هذه القضايا بوحي من احساسهم العميق بعروبتهم وبأن الجزائر جزء من الوطن العربي الكبير الكبير )) (1) .

ان ما تفصح عنه قصائد هذه المرحلة المبكرة هو أن شعراء الجزائر كانوا لا يفصلون بين الدعوة الوطنية المتحمسة لكيان جزائرى ، وبين الدعوة الى تعميق صلة هذا الكيان بالعروبة والاسلام . كما كانوا لا يفصلون بين مفهوم العروبة ومفهوم الاسلام . فبالفطرة ثم بحكم ثقافتهم العربية الاسلامية التى

تلقوها فى جامع الزيتونة كانوا يدركون ادراكا عميقا انهم ينتمون الى الحضارة العربية الاسلامية وان هذه الحضارة تمتد فى تاريخهم الى الاجداد الذين كان ( مفدى زكرياء ) لا يفتأ يكرر ذكرهم فى تفاخر ، و هم ( عقبة بن نافع ) وموسى بن نصير ، و ( طارق ابن زياد ) كما تمتد هذه الحضارة إلى حدود البلقان ، و آسيا القصوى ، وتخوم افريقيا .

ولعل المفهوم السياسى للعروبة كقضية قومية لم يتضح فى قصائد هؤلاء الا مع احداث فلسطين ثم عند قيام الثورة الجزائرية وهجرة الطلبة الجزائريين الذين تلقوا تعليمهم الثانوى بجامع الزيتونة الى المشرق العربى للدراسة حيث تأثروا بالمفهوم السياسى للعروبة .

لقد كان الحس العربى لدى الشعراء الجزائريين المهاجرين الى تونس أسبق من الاحداث التى ساعدت على بروز فكرة القومية العربية كاتجاه سياسى ، منفصل عن مفهوم الاسلام . وكما سلفت الاشارة فان هذا الحس برز منذ سنة 1911 فى قصائد الشاعر ( عمر بن قدور ) أحد رواد النهضة الاصلاحية والداعية الاسلامى الذى تولى التعريف بالجزائر وقضيتها وكيانها عبر مختلف الصحف المغربية والعربية . ففى احدى هذه القصائد نرى الشاعر يذكر الشعب الجزائرى بأرومته العربية وباجداده على سبيل التفاخر والتباهى والموعظة قائلا :

واذكر سعادة من تعاظم سعيهم        فغدى لمضجعه السماء يليق

أعنى بنى العرب الكرام ومن غدوا     ولهم على كل الانام حقوق

أهل الوفاء سموا وهبوا ، شمروا         عن جهدهم ، واستبصروا ليفيقوا

ملكوا العلا واستخرجوا رزق الثرى   وشرابهم عذب العلوم رحيق .

يا طالما بسطوا العدالة والنهى        اذ لم ير (1) بين الانام شقيق (2)

ومثلما لا نجد عمر بن قدور يفرق بين العروبة والاسلام انما هما لديه امر واحد بالنسبة للجزائرى الذى لا يعانى من مشاكل الاقليات القومية ، ولا من الطوائف والاديان فى شعب مزجت العروبة والاسلام فكره و وجهته ، كذلك كان مفدى زكرياء أكثر الشعراء الجزائريين وعيا بالعروبة ومفهوم الاسلام ، يراهما فكرة متلازمة لحضارة تحمل خلاص الكيان الجزائرى من

الاخطار المحدقة به ومما يبيت له الاستعمار من مكائد التجنيس والادماج والتنصير .

وبقدر ما رأينا مفدى زكرياء يندد بكل المحاولات الهادفة الى طمس الكيان الحزائرى ، وفك روابطه العربية الاسلامية كان لا ينى مستصرخا الشرق والعروبة فى كل أقطارها وعلى مدى حدودها ، مستنهضا الهمم مؤكدا انتساب الجزائر الى الشرق دون الغرب والى العروبة والاسلام دون الانتماء الى الغرب وفرنسا ، كما تشاء السلطات الاستعمارية أن توهم الرأى العام الجزائرى والعربى وحتى الدولى .

نهوضا بنى الشرق الكرام ورحمة          لذلة أوطان تدق كأوتاد

نهوضا بنى افريقيا من سباتكم            فان عيون الحادثات بمرصاد

تناديكم الاجداد من رمم الثرى         فلبوا الى العلياء دعوة أجداد

نهوضا بنا نحو الحياة ونظرة              إلى أمة أمست ضحية أحقاد

كفانا وبالا من وباء ثقاتنا              وتمزيق مجموع وتشتيت أفراد

فهل نحن الا أمة عربية                 شقيقة أرواح قسيمة أكباد

وهل نحن الا أمة أحمدية               مقدسة  غرا  سليلة   أمجاد

وثيقة حب لا يفرق بينها              تباين مرعى فى سهول وأنجاد (1)

على أن مفهوم الارتباط بالعروبة كقوة معنوية لدعم الكفاح الجزائرى ولتآصر هذه الاقطار مع القضية الجزائرية ، يتضح بصورة أجلى وأكثر تحديدا فى شعر مفدى زكرياء خلال مرحلة الخمسينات ، وخاصة بعد اندلاع الثورة الجزائرية ، وتنادى الاقطار العربية الى مناصرة هذه الثورة ودعمها اعتبارا للوشائح القومية . ولذا نجد شعر مفدى خلال هذه المرحلة يأخذ أبعادا جديدة ومحددة مختلفة كل الاختلاف عن التعبير العاطفى الشاعرى الفطري عن العروبة ، وتجاوز الاحساس المجرد الى المفهوم القومي المجسم بالمعنى السياسى ، بعد ان اتضحت الدعوة الى القومية وأصبحت منفصلة انفصالا واضحا عن الاسلام ، وان لا تراه يجاهر بذلك أو يؤكده أو يتبناه - وهو عربى مسلم فى معظم شعره - الا أننا نلاحظ ابتعاده الواضح عن دمج المفهومين مثلما كان فى شعره فى مرحلة العشرينات والثلاثينات .

ففى احدى القصائد التى كتبها خلال مرحلة الثورة ، نرى الشاعر يحدد أقطار العروبة بأسمائها وبحدودها الجغرافية ، دون مرور بالتاريخ المشترك كما اعتاد أن يفعل مما يؤكد نظرته الى أن الاسلام كعقيدة أبعد من أن تدركها عبث السلطة ، ولكن العروبة فى الجزائر هى أقرب الى الضياع والتلاشى :

يا أمة العرب الكرام كرامة           لك فى الجزائر حرمة وذمام

فى كل أرض للعروبة عندنا           رحم تشابك عندها الارحام

ان صاح فى أرض الجزائر صائح     لبته مصر ، وادركه شآم

فى المغرب العربى عرق نابض        يذكيه فى حرب الخلاص ضرام

عز العروبة فى حمى استقلالها        أيطير (مقصوص الجناح) حمام ؟ (1)

ان الاحساس بالعروبة والشعور بالانتماء الى الامة العربية كان احدى السمات البارزة فى قصائد شعراء المرحلة المبكرة لا الشعراء المعروفين فحسب ، وانما الشعراء المقلون أيضا والذين كانوا يحملون نفس الافكار وينتابهم ما ينتاب كل شاعر جزائرى من الجزع والهلع والخوف أن يفلح الاستعمار فى الحيلولة بين الجزائرين وماضيهم وأمشاجهم العربية ، وهذا ( محمود دويدة ) (2) احد هؤلاء الشعراء الجزائريين المقلين الذين نشروا بعض قصائدهم بتونس سنة 1926 يقف على اطلال العرب باكيا مستبكيا ، مستذكرا الارومة والجذور ، والافضال التى كانت للعروبة على الغرب منذ قيام بغداد الى أن خبا ذلك النور الساطع وبقيت الاطلال شواهد قائمة .. فلا يتمالك الشاعر الفتى الا أن يرسل دمعا سخيا يفرج عن مكروب الصدر :

وقفت برسم العرب وقفة خاضع      وقلت ضاعا ما نظمت من الدر

معاهد كانت والورى فى جهالة        محط رحال العلم والعز والنصر

فلله ربع كم حبا الغرب سؤودا       ومجدا يحار فيه عقل فتى الشعر

يقول : انظروا ما شيدت يد علمهم  على الرغم مما غيرته يد الدهر

ويندب بدر العلم اذ كان ساطعا     ببغداد نبراس الحقائق والفجر

ويبكى ويستبكى فيرسل انهرا         من الدمع حتى فاض دمعى على صدرى (3)

ولا يكتفى الشاعر ( محمود بن دويدة ) بهذه الوقفة الطللية على الطريقة الجاهلية كى يثبت أواصره العربية ويبكى المجد الغابر ، ولكنه يمتلئ بالحسرة والاسى كلما طافت ذكرى من الذكريات التى تشعره بانتسابه للعروبة الضائعة فى الجزائر ، وللحسب الذى غالته يد الاستعمار .

كانت المناسبة قومية هى اعتزام المثقفين الجزائريين اقامة حفل تكريم لامير الشعراء أحمد شوقى ( 1868-1932 ) بمناسبة تقليده الامارة تجاوبا مع الحفل الذى يقام له فى القاهرة بالمناسبة . ورغم أن الحفل أبطل بسبب تقاعس الشبيبة الجزائرية كما يقول تعليق السنوسى على هذه القصيدة فان الشاعر ( دويدة ) اغتنم هذه المناسبة ، لا لتكريم شوقى على البعاد وتكريم الشعر والعبقرية ، وتهنئة مصر وشعرائها بهذا الحدث فحسب ، ولكن كانت فرصة سانحة ليتذكر شعبه بالمناسبة وحاله الذى هو فيه ، يتذكر نسبه وحسبه العربى وقد غالهما الدهر وغدر :

شوقى اليك وان قصرت فى كلمى          أهدى تحية شعب لج فى نصب

شعب توالى عليه الخطب يفجعه            فى كل يوم بأنواع من العطب

فلم يزل وصروف الدهر تؤلمه              بين المخاوف يشكو حلمة الغلب

شعب بكى حين لا يجديه من أحد         عطف ، ولا زال دمع العين فى صبب

فلا تلمني اذا ما قلت معتذرا              انى أمرؤ غالنى المقدور فى حسبى (1)

اذن فقد كان بكاء الشاعر وحسرته بسبب ما يشعر به من طعن فى حسبه ، فى عمق جذوره العربية . ورغم أن بقية القصيدة تشعر بالقوة وبالاحساس بالنصر وتعد بغد ظافر ، تدور فيه الدوائر على الباغى وتنقلب عليه شر منقلب فان قائلها لم يكن قلقا على مصير الجزائر ككيان وشعب ومستقبل : بقدر ما كان متوجسا خيفة على الحسب العربى الذى كانت معاول المستعمر تطوله دون هوادة ، فالخطوب جسام ، بحاجة الى وقفة عربية فى مثل هذا الموقف كما يقول الشاعر ( رمضان حمود ) وهو يخاطب العروبة كلها تاريخا ودينا وارضا ينفخ فيها من صدره الموتور ، غضبه الدفين ، ويستفز فيها النخوة والامجاد أن تفيق من سبات طال أمده :

أيها العرب والخطوب جسام          دون هذا العناء موت زؤام

أيها العرب والحوادث جاءت         بمطرات    كأنهن   غمام

أن يكن للحياة فيكم طموح          فمن النطق والسكوت حرام

ناولونى يدا بها اتسامى             ان قلبى لبا لعلا مستهام

ان نفسى الى المكارم تصبو        ولها فى سما البيان هيام (1)

الشاعر على صغر سنه يعجب أشد العجب من هذا الصمت المحير الذى تقبع فيه العروبة سواء فى الجزائر أو فى غيرها من الأقطار ، لا تحرك ساكنا ولا تترك ساكنا يتحرك . انه صوت شباب الامة التائقة الى المجد ، وهو جيلها الجديد الذى لا يصابر على الضيم واذا لم يكن له من السلاح سوى بعض أبيات من الشعر فلتكن هذه الابيات سلاحه . ينفخ بها الروح فى القلوب الهامدة ويضرم بها النار فى كل قلب ، ويستعمله فى ساح النضال عندما يهضم الحق وتستحل الذمام :

أنفخ الروح فى القلوب بشعرى         ليت شعرى ، وهل تقوم النيام

أضرم النار ان أردت بشعرى           فلشعبى فى كل نفس ضرام

أضرم الشعر للنضال اذا ما            هضم الحق واستحل ذمام

ان أضراب الشاعر ( رمضان حمود بن سليمان ) الذين كان حب العروبة متأصلا فيهم بحكم الثقافة والنشأة وبدافع حرارة الشباب وعمق الشعور بالانتماء العربى الاسلامى متعددون ، واليهم يعود الفضل فى الحفاظ على الروابط الدموية والصلات القومية والروح الاسلامية التى تعتبر اسس الكيان الجزائرى ووجه اصالتها . وما الشاعر ( بوليبينة محمد ) الذى كان يكتب الى جريدة ( الزمان ) من مدينة قسنطينة الا احد هؤلاء الذين كانوا يغتنمون الفرص والمناسبات لاعتلاء المنابر والاشادة بالعروبة وتحيتها فى وجه كل عربى ضيف على الجزائر :

احي الضيوف رجال الغد          أهنى البلاد بذا الموعد

احي بني العرب تجمعهم            روابط  دينهم  الامجد

احى الشباب نفوس الشباب      بعثن العزائم من مرقد (2)

وأكثر المناسبات تكريما للعروبة وتخليدا لها ، هى المناسبات العلمية التى تتيح للشعراء الالتقاء بالشبيبة المدرسية فى نهاية كل عام ، وتذكيرها بأمجاد آبائها فى ميدان المعرفة ونشر العلم فى كل الاصقاع وأن طلب العلم كان احدى السمات البارزة للحضارة العربية ، وانه بالعلم وحده تتأكد

عروبة الجزائر ، ويتأكد خروجها من البؤس الذى تعيشه فى ظل المستعمر ، لذا فقد اهتبل الشاعر ( أحمد الغوالمى الميلى ) فرصة انتهاء السنة المدرسية بقسنطينة ليوجه فى سنة 1949 نداءه الى طلبة احدى المدارس بالاقبال على العلم باعتباره احد وجوه العروبة ومطلب من مطالبها الخالدة .

وقد أراد الشاعر امعانا فى التأثير أن يتقمص شخصية الطالب المباهى بانتساب الجزائر الى العروبة ، وانتساب ابناء الجزائر الى طلاب العلم :

... جزائر من أمة عربية           يحيط بها لطف من الله دائم

كتمت هواها فى الفؤاد كأننى     جحود بنعماها كنود وآثم

سلكت سبيل العلم رغم مزاحم  قلاك فلم يراف عليك المزاحم

حديثك برء للعروبة مرهم         اذا أعوزت هذا الطبيب المراهم (1)

ولم تقتصر الدعوة الى العلم باعتباره كما أشرت - خاصة من خاصيات العروبة وكذلك باعتبار أن الاقبال على العلم هو بحد ذاته مناهضة للاستعمار واحياء لاصالة الامة العربية ولغتها وتراثها الفكرى ، ووصل الجزائر بالثقافة العربية - لم تقتصر هذه الدعوة على الفتيان وحدهم ولكنها كانت دعوة عامة الى الجيل كله فتيانا وفتيات لا تعصب ولا تفريق ولا انطواء ، فالمستقبل الذى يريده الشعراء للجزائر هو مستقبل الامة العربية حيث يجب أن تتظافر الجهود جميعا ، وتلتف كل السواعد ، وتلتقى كل الافكار لتعيد للجزائر ولللكيان الجزائرى ما افتقده بفعل الضربات المتلاحقة من وجوه اصالته . ولا شك ان دعوة المرأة العربية - وخاصة المرأة الجزائرية التى كانت تعانى وحدها من اضطهادين : اضطهاد المجتمع المتخلف واضطهاد الاستعمار - الى التحرر وطلبها المساواة فى الحقوق والتحصيل العلمى لمما يسجل للشعر الجزئرى من الفخار وللشاعر الجزائرى من التنور والتطور الذهنى .

فبمناسبة ازماع : (( بعض علماء قسنطينة على تأسيس حزب الاخاء العلمى )) تخيل الشاعر ( محمد الهادى السنوسى ) حالة الفتاة الجزائرية ، وتقمص عواطفها ومشاعرها ليعبر بلسانه ولسانها معا فى قصيدة موحدة الأهداف والمشاعر عن توق الفتاة الجزائرية وطموحها المشروع الى المعرفة لتناصر الفتى وتخوض معه المعركة الكبرى ضد الاستعمار :

اخذت تمد الى النهوض الجيدا         لما رات علم الاخا معقودا

ومشت تجدد للبنات مودة             نحو البنين الطالبين صعودا

بنت تمت الى العروبة نسبة            حسناء تخجل فى الجمال الغيدا

تغتر عن برد اذ أبصرته                أبصرت منه اللؤلؤ المنضودا (1)

ويتخيل الشاعر هذه الفتاة الجميلة التى تجسم في نظره كل الجزائريات ، وربما الحزائر بأجمعها وقد التقت بالفتيان الانداد واخذت على طرية العربات القدامى تباهى بالارومة ، وتصوغ أفكارها ومشاعرها شعرا مثيرا يعبر عن وضعها ونظرتها للمستقبل :

من أنت ؟ قالت : ( اننى عربية          أعتام بينكم الفتى الصنديدا

طرفت فى شرق البلاد وغربها            حتى  نزلت  المنزل  المحمودا

انى وان كنت الفتاة فاننى                أرجوك  فيما  ابتغيه  عميدا

بلغ من الفتيات فتيان الحمى            شعرا يخر له الشباب سجودا

( إنا علم ما تعلمون بحالة               ملئت بها بنت النبوغ جمودا

إنا بنات الشعب فى أمية                 ملأت رؤوس الناشئات خمودا

ناشدتكم بالله والرحم التى               فى الكتب مجد ذكرها تمجيدا )

واستنادا الى هذه اللمحات القصيرة الخاطفة لهؤلاء الشعراء الذين كتبوا قصائدهم اما أثناء اقامتهم بتونس ، أو كتبوها من الجزائر لتنشر بالصحافة والمطبوعات الصادرة بتونس خلال الثلث الاول من هذا القرن ، يتضح لنا ان هؤلاء الشعراء كانوا يعتبرون أن المقوم الاساسى للكيان الجزائرى هو انتسابه الى العروبة ، ولذلك دأبوا فى هذه القصائد على تذكير الشعب بعروبته واصالته ولغته وتراثه وحضارته ، ويتوجهون بالخصوص الى الجيل الجديد فى هذا الشعب فتيات وفتيانا لحهثم على طلب العلم باعتبار العلم أحد ركائز هذه الاصالة .

واذا ما اعتبر تفكير هؤلاء فى العروبة تفكيرا فطريا وعاطفيا لا يخضع للمفاهيم القومية من وجهة المنظرين المحدثين ، فان هذا التفكير الفطرى ظل السمة الغالية فى قصائد من والاهم من الشعراء المتأخرين ، نظرا لان المغرب العربى جميعه - باستثناء القلة من مثقفيه الذين تأثروا باتجاهات

سياسية مشرقية معينة - بقى حتى الآن ينطلق من من منطلقات فطرية فى فهمه ووعيه لمعنى العروبة . ويراها احساسا بديهيا غير قابل للمناقشة أو المساومة ، بل ان نظرة شعراء المغرب العربى والجزائر بصورة خاصة الى العروبة تبدو نظرة رحيبة حميمة متجاوبة مع كل الاقطار والمشاكل والاحداث العربية دونما مغالاة أو تعصب ، وهو تقريبا ما نصادفه حتى لدى معظم الشعراء المتأخرين عن هذا الجيل فى احساسهم العربى الذى يبدو أكثر نصاعة ووضوحا ولكنه فى ذات الوقت يبدو أكثر اشراقا ورحابة نفس واشعاعا على الوطن العربى كله .

يقول ( مفدى زكرياء ) فى احدى قصائده التى كتبها اثناء الثورة الجزائرية معبرا عن هذه النظرة الفسيحة للعروبة ومفهومها البديهى لدى الشاعر الجزائرى والمغربى عامة :

نسب بدنيا العرب زكى غرسه           الم فاورق دوحه وتفرعا

سبب باوتار القلوب عروقه              ان رن هذا ، رن ذاك ورجعا

أما تنهد بالحزائر موجع                 آسى الشآم جراحه ، وتوجعا

واهتز فى أرض الكنانة خافق           واقض فى أرض العراق المضجعا

وارتج فى الخضراء شعب ماجد         لم تثنه أرزاؤه أن يفزعا

وهوت مراكش حوله وتالمت لبنـ        ـان واستعدى جديس وتبعا

تلك العروبة ان تثر أعصابها            أوهى الزمان حيالها وتضعضعا (1)

ولعل الشاعر ( صالح خرفى ) يجسم هذا المعنى ، لا فى مستوى التضامن الجغرافى والحضارى فحسب ، كما رأينا ذلك فى شعر مفدى زكرياء ولكن فى مستوى الاحساس الدفين العميق بهذه العروبة المتأججة فى الدماء ونبضات القلب الدافقة كالنبع فى الحنايا :

عرب نحن والعروبة غذت             بهواها عروقنا ودمانا

هى كالنبع دافق فى الحنايا           ان تكن فى اللسان غاضت بيانا

عرب اليوم بالدماء وإنا              عرب فى غد دما ولسانا (2)

ومثلما لاحظنا فى هذا الشعر أن شعراءه كانوا يعتبرون العروبة هى السمة الاولى من سمات الكيان الجزائرى ، وأن استنفار المشاعر والتذكير والتلميح المستمر للعروبة انما هو ضرب من الاحياء الدائب والتفكير المطرد فى مقومات هذا الكيان ، فان هؤلاء الشعراء أيضا كانوا شديدى التركيز على العقيدة الاسلامية باعتبارها المقوم المكين الذى تستند اليه العروبة كلها .

حتى أن أكثر الكتاب والشعراء الجزائريين الذين وضعوا أسس التوجهات الثقافية والسياسية فى مطلع هذا القرن ، سواء بما كتبوا فى صحافة تونس ، أو الجزائر ، كانوا لا يفرقون بوضوح بين ( العروبة والاسلام ، بل يخلطون بينهما .. بين القومية العربية كحضارة ، وبين الدين كعقيدة روحية (1) يستوى فى ذلك ( عمر بن قدور ) و ( عمر راسم ) وفى مرحلة متأخرة عنهما الشيخ ( عبد الحميد بن باديس ) الذى كان فكره أكثر وعيا للعروبة والاسلام ، وكانت آراؤه فى هذا الصدد تتميز بالحكمة والجرأة وبعد النظر .

و ( ابن باديس ) وان كان أكثر ادراكا للفصل بين مفهومى العروبة والاسلام الا انه بنزعته التوحيدية والوحدوية معا كان يرى العروبة والاسلام متلازمين معنى وتاريخا ومنطلقا لان : ( رسول الانسانية ورجل القومية العربية كون أمة هذا التكوين المحكم العظيم ووجهها لتقوم للاسلام والبشرية بذلك العمل الجليل ، فلم يكونها لتستولى على الامم ولكن لتنقذهم من سلطة المستولين باسم الملك او باسم الدين ولم يكونها لتستخدم الامم فى مصالحها ، ولكن لتنهض من دركات الجهل والذل والفساد الى درجات العز والصلاح والكرامة ) (2) .

اشترك في نشرتنا البريدية