الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الوعي المهني في التربية، كان أداة نضال وأصبح أداة تقدم

Share

تقوم الدوله التونسية بمجهودات جبارة لتوجيه الاجيال نحو العمل اليدوى والتقني بواسطة شحن برامج التربية بوعى جديد وبناء المؤسسات المهنية واعادة النظر فى التوجيه واستنباط طرق طريفة لغرس المدرسة فى محيطها الاقتصادى والاجتماعى ، وذلك لشعور الدولة بعد عشرين سنة من الاستقلال ان العمل اليدوى والتقنى ضرورة حتمية لانشاء اقتصادى قوى ومستقل ولشعورها كذلك ان عقلية متخلفة كادت تسود التفكير الاجتماعى الشعبى ، وهي عقلية نبذ العمل اليدوى والآلي والجرى وراء " الوظيف " .

ولا شك فى أن هذه العقلية وليدة عوامل عديدة طرأت على حياتنا - كشعب - منذ بداية قرون الانحطاط واندثار مفهوم الامة وقد فسر العلامة ابن خلدون هذه الظاهرة بميل القوم الى البهرج والنزوع عن العمل ( راجع الجانب التربوي من المقدمة) حتى جاء الاستعمار فغذى هذه العقلية بتجميد التعليم التونسي وحصره فى الكتاتيب ، فى حين كان يسعى منذ مطلع القرن لخلق تعليم مهنى يخصص لابناء المعمرين ، والغاية من ذلك تمكين الجالية الفرنسية من التحكم في اسباب التصرف العلمي فى ميادين كالفلاحة والصناعة والتجارة ، وتم بداية من مطلع القرن الى غاية 1908 بعث المدرسة الفلاحية الاستعمارية (1) والمدرسية فنية " ايميل لوبى " ومدرسة البحرية بصفاقس . كما انبعثت فى نفس الفترة

مدارس مهنية حرة مثل مدرسة ) الجديدة ( الفلاحية للرابطة الاسرائيلية العالمية ومدرسة الآباء البيض الفلاحية بتيبار ( سان جوزيف ) ومدرسة الفلاحة لانصارين . وكل هذه المدارس مخصصة للفرنسيين وللجالية اليهودية . رغم أن بعض التونسيين القلائل ارتادوها وتخرجوا منها ، لكن وجودهم كان ضعيفا جدا مثلما جاء فى تقرير المسيو شارتى المدير العام للتعليم بتونس عام 1908 حيث قال : ان نسبة اهل البلاد فى هذه المدارس ضعيفة جدا ( مثلا مدرسة يميل لوبى تشتمل على 160 تلميذا منهم 17 تونسيا فقط ) .

تناقض بين غايات الاستعمار وإرادة النخبة

ولم يغفل بعض المتحمسين من الشبان التونسيين آنذاك عن فداحة المشكلة ، فتم سنة 1902 بعث شبه معهد فلاحى للتونسيين تموله ادارة الاحباس رغم ان الغاية من المشروع لم تكن تدارك النقص فى التكوين المهنى والتقنى بقدر ما كانت " احتضان الاطفال المشردين " وتصرف المعهد فى 1200 هكتار ومنحة سنوية من الحكومة وادارة الاحباس والاعانات الخيرية . ودخل هذا المعهد ستون شابا تونسيا ، ولعل تحمس هؤلاء لم يؤت من النتائج ما كان مؤملا ، وذلك لسبب واضح هو ان غاياتهم البعيدة تتناقض اساسا مع غايات سلطات الاستعمار ، فلقد كان الشبان التونسيون ينادون بدعم التعليم المهنى لكى يتمكن مواطنوهم من استغلال الارض ونبذ عقلية التواكل والاخذ باسباب التقنية الحديثة - آنذاك - بينما يرمي المعمرون وجهلاء النخبة " الى توفير " خماس " خبير أو " صانع " ماهر من التونسيين لا يكلف تشغيلهما اكثر من بضعة فرنكات فى الشهر .

أبعاد المظاهرة

وجاءت اول مظاهرة طالبية يوم 15 مارس 1910 للمطالبة ببعث روح جديدة فى برنامج التعليم الزيتونى ، كان وراءها الشبان التونسيون وخاصة على باش حانبة ، وكان واضحا ان المظاهرة تهدف الى شحن التعليم الزيتونى بالتكوين العلمي والمهنى والتقنى ، اذ ان الوعى بدأ يدب فى صفوف المتعلمين بضرورة " النهضة العلمية " التى يصاحبها " تحرر سياسي "

ويذكر لنا الشاذلى خير الله فى كتابه " الحركة الاصلاحية التونسية " ج 3 (2) كل اطوار هذه الانتفاضة حيث تولى الخطباء التنديد بالطابع المتخلف المواد التعليم . وهذه المظاهرة الاولى تكتسى في نظرنا اهمية قصوى - تاريخيا - لانها تشكل الصدى الاول لحركة الشبان ، وهي تتجاوز المطالبة البيداغوجية الى الوعى بالمنزلة الدنيا للتعليم السلفي وارادة التغيير السياسي . وقد عرف جماعة جريدة " التونسي " كيف يستغلون ذلك الحدث لجعل قضية " التربية القومية " قضية سياسية (3)

حصان طروادة

ونعرف الاحداث التى توالت منذ مطلع القرن ، والتى كان الصراع دائرا فيها بين المصالح الاستعمارية والنزعة التحررية القومية ، فقد كانت " التربية " حصان طروادة المثالى لتغلغل الاستعمار من ناحية ولكفاح " النخبة " من ناحية ثانية ، فكان المقيم العام ستيفان بيشون يقول على منبر مؤتمر الجغرافيا المجتمع فى تونس (4) " أنه من واجب فرنسا التى لقبوها بأنها قوة اسلامية ان تعمل على احترام عادات الاهالى المسلمين وان توفر لهم تربية تستجيب لحاجياتهم . . " ويقول أحد " الخبراء " بشؤون تونس (5) " فى كل مجتمع انسانى ، لا بد للاذكى ان يفرض نفسه ، ان ينتصر ، ان يقود الآخرين ، ويجب ان يقع القضاء على الشعب المغلوب . . "

وفعلا فان مخططات القضاء على " الشعب المغلوب " بدأت بتجميد الجهاز التربوى وتعطيل التطور الذهنى للمجتمع التونسي وغرس عقلية احتقار المهن بتشجيع التعليم السلفى فى مواد فقهية مع تحفيظ القرآن بدون فهم حتى كادت روح الاسلام الحقيقية تنطمس تحت ركام القضايا المغلوطة والمشاكل السطحية ،

وانعزل التعليم عن المصدرين الاساسيين اللذين يمكن ان يغذياه بالقوة والنسغ وهما : أولا أصل التعاليم الاسلامية الصحيحة وما فيها من حث على العمل والجهاد ورفض الظلم والتطلع الى ما وراء العرش . . وثانيا رياح المدرسة الاصلاحية التونسية وحركة خير الدين وبو حاجب والرياحي وابن ابى الضياف فاصبح التعليم - فى ما عدا الصادقية - عاملا من عوامل تخريب الامة واجتثائها وهدر طاقاتها . ولعل فى ادب ابى القاسم الشابى ابرز الانعكاسات وردود الفعل ضد ذلك التحجر البغيض الذي لم يكتب للشاعر رحمه الله ان " يهوى على جذوعه بفأسه ، ويهد الارماس رمسا برمس " كما لم يكتب للطاهر الحداد ان " يرى العامل يتمتع بثمار عمله . . "

نحو تربية منغرسة فى واقعها

وعندما جاء الاستقلال على ايدى رجال تلقوا تكوينا مزدوجا ، لكنهم اخلصوا لاصالة الامة وقيمها ، كانت التربية القومية فى طليعة المشاغل الحيوية حيث سهرت الدولة على تعميم التعليم ببناء المؤسسات وجلب الاطارات وتكوينها ، دون كبير تفرغ لوجهة التعليم وملاءمته لتطور البلاد ، فكان ان اتسع العمل التربوى الى كل مناطق الجمهورية وتخرجت اجيال تونسية صميمة ووجب الآن - بعد عشرين سنة من الاستقلال - الالتفات لجوهر التربية لغرسها اكثر في رقعتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، وتحقيق هدف من اهداف معركة التربية القومية التى استعرضناها وهو اعادة العمل اليدوى والتقني الى منزلته الحقيقية من التربية أى من المجتمع والقضاء تدريجيا على تقاليد "الوظيفقراطية"

ولا نملك الا ان نبارك ما صرح به السيد وزير التربية القومية فى هذا الصدد (6) اذ اكد ان الشعب العلمية والتقنية ستضم في نهاية المخطط الحالى عام 1981 حوالى 72 بالمائة من تلامذة المرحلة الثانية من التعليم الثانوى . ولعل البعض من المثقفين يعتقدون ان فى ذلك تسخيرا للتربية لجعلها مجرد مصنع اطارات حسب متطلبات مخططات التنمية ، لكن الغاية البعيدة هي ايجاد التوازن والتفاعل الضروريين بين التربية والمجتمع ، بالإضافة إلى ضمان مستقبل الآلاف من ابنائنا وبناتنا حيث يجدون مواطن شغلهم القارة بفضل اكتسابهم لاختصاصات ضرورية ونادرة .

وقد سبق ان حمل السيد وزير التربية المربين رسالة كبرى تتمثل فى ربط الصلة بين التلاميذ فى المرحلة الاساسية (الابتدائية) وبين المحيط الاقتصادى الذي تقع فيه المدرسة ، بتعويد التلاميذ على ممارسة المهن حتى تصبح البيئة أهم مدرسة مهنية تلقائية ، بالاضافة الى بعث المؤسسات المهنية وشحن البرامج فى المرحلتين الاولى والثانية بالاشغال التطبيقية ودراسة " المحيط " والدروس خارج جدران المدرسة والتفكير - مع الشروع - فى تعريب مواد التعليم المهنى .  وبذلك تكون التربية اكثر انغراسا فى واقعها واوفر تأهلا لمواجهة تحديات العصر (7) .

اشترك في نشرتنا البريدية