انها لمعجزة حقا أن تعيش مجلة فكرية خاصة ربع قرن من الزمن ، دون أن تتخلف عن موعدها شهرا ، أو أن تفشل فى سيرها يوما ، أو أن تخور عزيمتها ساعة ، أو أن يضعف ايمانها لحظة . انها معجزة اذا عرفنا مجموعة الصعاب المادية ، التى واجهتها بحرمان الزاهدين ، وعناء المناضلين ، وصبر المجاهدين .. و عرفنا حملة العراقيل التى هزتها ، والتناقضات الفكرية والثقافية والتربوية السياسية التى رحتها فثبتت فى مركز الجذب والثقل دون أن تهتز ولا أن ترتج .
عندما نكرم مجلة الفكر ، فانما نكرم صمودها ، ونضال أسرتها ، وجهاد صاحبها ، الذي انطلق فى تأسيسها من تحد لوضع ، ومن ايمان بعقيدة حضارية ، ومن ممارسة لرؤية فكرية متجذرة فى واقعها وممتدة الى ابعاد أمتها ...
وعندما نحتفل اليوم بالفكر وبصاحبها ، فذلك من قبيل الوفاء لاستاذ ربط احيالا بفكره ، وشدها بحبه ، وأثر فى حياتها بتوجيهه عرفت سيرته كمرب مخلص ، ومسيرته كمفكر مبدع ومثقف أصيل ، ومسؤول نظيف .. لا يقول ما لا يفعل ، ولا ينادى بما لا يعتقد ويمارس ...
وعندما نؤكد هذه الخصال اليوم فمن باب الاعتزاز والشرف لتونس أن يكون صاحب الفكر يتبوأ مسؤولية تسيير حكومتها ..
ولا نقول هذا مغالاة أو تملقا ، لاننا قد قلنا أكثر من ذلك عندما كان الاستاذ محمد مزالى في غير هذه المسؤولية ، وهو يواجه وحده أعتى الهجومات وأشد الحملات ، وأقصى المناورات .. لقد قلنا :
I - في افتتاحية العدد 23 من مجلة العلم والتعليم تحت عنوان " دوامة ابن الدوايمة " أطلعتنا محلة الفكر فى افتتاحية عدد أفريل 1978 بقلم مديرها الاستاذ محمد مزالي على الدوامة التى يدور فيها " ابن الدوايمة " فى مجلة الموقف الادبي عدد 81 ، اذ دفعه اعصار مشاكلها وبركان أوضاعها الى الهروب من معالجة واقعه المعاش الى واقع : أهله فى غنى عن الدروس والتوجيه ولا يقبلون القدح فى لغتهم أو الحط من عروبتهم أو الخدش فى دينهم ، ويرفضون السقوط في أحيولة السب ، والوقوع فى دوامة الشتم والاسفاف التى ينصبها تجار القلم وسماسرة الصحافة ، لاثارة طائفة على اخرى أو تأليب قطر على اخر أو احداث توتر بين مغرب ومشرق من خلال ما يعانيه مجتمعنا العربى من امراض التخلف والجهل والاستعمار والصهيونية وقد كان رد الاستاذ محمد مزالى في منتهى الاتزان والموضوعية وفى مستوى الروح التى ينبغى أن تعالج بها القضايا ، ويصطبغ بها الحوار بين المثقفين والمفكرين العرب .
2 - قلنا في خاتمة افتتاحية العدد 30 من مجلة العلم والتعليم تحت عنوان الدروع المتأكسدة " ردا على أعضاء فى مجلس الامة وتأييدا لوزير التربية الاستاذ محمد مزالي ما يلى :
" .. ولهذا نقول بأن ما تقوم به وزارة التربية الآن من ترميم ما وقع تحطيمه اصلاح ما حصل اتلافه ، وجلب ما وقع تشريده ، وتحريك ما وقع تجميده نحو الاتجاه الصحيح للتربية المنطلقة من واقع شعبنا لا من واقع شعوب أخرى نعمل على احتوائنا فكريا أو لغويا من خلال محتوى المناهج أو لغة التدريس ، لجدير بالدعم والتأييد والمساندة ، لا بالمعاكسة والتشكيك والتهويل ، ووضع العراقيل أمام كل عمل جدى جاد وأصيل ، واذا كان البعض يريد تقليد المتقدمين ، فليقلد مثال التقدم الالمانى فى مقولة فيلسوفهم فيخته " انى لا أتصور أن يعلم المعلمون وتؤلف الكتب المدرسية بلغة أخرى غير اللغة القومية وذلك انى لا أتصور كيف يكون الامر غير ذلك ، انى لا أتصور أن تكون هذه التربية بلغة أخرى .. "
3 - وقد قلنا في افتتاحية العدد 35 من العلم والتعليم تحت عنوان " بين التعريب والتغريب " بعد تحليل للوضع ونقد للمناهج السابقة ما يلى :
".. واحقاقا للحق فان كل تونسي أصيل يقدر الجهود المخلصة لرجل الفكر والتربية الاستاذ محمد مزالى الذى تجشم الصعاب وتحمل سوء الاذى لاجل
اخراج التربية من الوحل الذى دخلت فيه والغرق الذى تدحرجت اليه فى بحر هائج بعواصف التكوين المسموم وعلى جهاده المتواصل لاجل تقدم تونس فى وجهها العربى الاصيل ، رغم العراقيل التى ما يزال يصطنعها البعض من الجهلة وأصحاب المصالح الخاصة والارتباطات المشبوهة وبقايا اتباع جان دوبياس الذين تجاهروا باقامة حفلتهم الراقصة المشهورة ، ظنا منهم بأنهم سلخوا جلده وأحرقوه فى الاتون الذى خلقوه . فما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل ومن كان للشعب دام انتصر ومن كان لنفسه انهزم واندثر
4 - ولما شاهدنا حملة مركزة لاطفاء شعلة الفكر وحجب موجة النور طالبنا المؤتمر الرابع لاتحاد الكتاب التونسيين يوم 1979/12/28 أن ينتخب الاستاذ محمد مزالى رئيسا له بالاجماع وذلك شدا لازره ودعما لمواقفه ووقوفا الى جانبه فى مواجهة عنف هجمة التحجر والتفسخ والتقوقع والتغريب ..
فيحق لنا اليوم أن نحتفل بصمود الفكر ، وبانتصار مواقفها ، لانه انتصار الحق على الباطل ، والمصلحة العامة على المصلحة الخاصة ونقدر الجهاد المتواصل لصاحبها ، ونبتهج لعزيمته فى التقييم والتقويم ، وارادته فى التغيير والتطوير والتثوير فى اتجاه وطنى وقومى انسانى .
