الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الوفاء للقيم .. للأمة .. للانسان

Share

تحت هذا العنوان نشرت مجلة الاذاعة فى عددها 475 س 21 نوفمبر 1980 اللقاء الاذاعى الذى أجراه الزميل صالح جغام وأذاعه فى حصة (( يوم سعيد )) بمناسبة الاحتفال بمرور 25 سنة على صدور أول عدد من مجلة (( الفكر )) ونقله الى المجلة بعد أن وضع له المقدمة التالية :

منذ أكثر من عامين ... وأثناء إقامة مهرجان المربد الأدبى بالعراق حيث حضرته كاذاعى يرافق الوفد الأدبى التونسى المتركب من الأديبين : أحمد اللغمانى ، ومحيى الدين خريف ... فتحت المذياع لأسمع بالصدفة برنامجا من اذاعة بغداد يتحدث عن شاعرنا الكبير أبى القاسم الشابى ... ولفتت نظرى فى ذلك الوقت جملة وردت فى تقييم الشابى تقول : ان معجزة الشابى الحقيقية تكمن فى انه استطاع الانطلاق الى خارج الحدود التونسية قبل أن تولد مجلة  ((الفكر)) ...

هذه الجملة على قصرها وبساطتا و الواردة على لسان ناقد غير تونسى ( لا يطمع فى شئ لا من الفكر ولا من صاحبها ) تحوصل بتعمق عجيب وكبير الدور الذى لعبته مجلة (( الفكر )) فى حياتنا الأدبية وفى الاشعاع الفكرى الذى حققته طوال ربع قرن ... وفى احتضانها وابرازها لعشرات ومئات الأقلام التونسية المعروفة الآن حتى بدا - انه من العجب ان يبرز الشابى - دون ان يكون لك من على صفحاتها .

واعتقد انه بالرغم مما قيل عن مجلة (( الفكر )) فى احتفالها الاخير ، فان قيمتها الحقيقية لا يمكن ان تقيم الا بعد مرور وقت طويل من الزمن ... وذلك عندما يكتب تاريخ الادب التونسى المعاصر ... فهذه المجلة - على كثرة ما لدينا

من المجلات والصحف والاوراق الدورية واليومية . تبقى المنبر الوحيد الاكثر نقاء ورصانة وصمودا ونضالا ... فرأيى ثابت دوما فى كون ان لدينا ما شاء الله من الصحف والمجلات التى تعيش نشر الفضائح الاخلاقية واستغلال عواطف الجماهير وغرائزها ... أو اللعب على وتر الثورية والتظاهر بالمثالية وخدمة القضايا السياسية النضالية ... وكذلك بتحقيق المكاسب المادية المهولة عن طريق سيل الاعلانات التجارية .

ومجلة (( الفكر - على طوال السنوات التى عاشتها لم تدخل فى هذه اللعبة ... بل بقيت عفة نظيفة مناضلة ... قوتها من قوة مؤسسها ... اخلاقها من اخلاقه ... نضالها مستوحى من المبادىء التى تربى عليها راعيها ورفيق دربها ... فهى صورة منه اليه صورة لكفاحه فى حياته كطالب ... وكمواطن ... وكمناضل ... وباختصار ...

لقد نجح مزالى مرتين :

عندما بنى نفسه كانسان ، وكمناضل ومرة عندما بنى هذه المجلة . ولعلها فرصة للتذكير بأن الرجل الذى بنى صرح مجلة (( الفكر )) ساهم بقلب كبير فى بناء صرح مؤسسة الاذاعة والتلفزة كجهاز اعلامى وثقافى كبير تفخر به تونس فى نضهتها اليوم .

وهذا هو نص الحديث الهاتفى الذى أدلى به مشكورا الاستاذ المفكر محمد مزالى لبرنامج (( يوم سعيد )) ...

وهذا الحديث الذى أجريته لصاحب ملحمة الفكر عن طريق الهاتف فى نطاق برنامج (( يوم سعيد )) صباح يوم احتفال تكريم الفكر هو جزء من مساهمة أسرة الاذاعة كجهاز ثقافى فى تقديم تحية اكبار ووفاء لهذه المجلة ولصاحبها وبقية أسرتها ... خصوصا وأن هذه المجلة قدمت الثقافة بدون غرور وصفحاتها لم تتعال على أحد بما فيها الاذاعة كجهاز ثقافى ...

مغامرة الفكر هى فرع متواضع   من الروح الوطنية البورقيبية

... وكان السؤال الأول : صمودكم ، عبر النفس الطويل فى اصدار مجلة (( الفكر )) والانطلاق بها فى ظروف صعبة ، والاشراف عليها باستمرار ، والكتابة المتواصلة فيها طوال خمس

وعشرين سنة بالرغم من مهامكم الكثيرة الاخرى... وهو ما يمثل تجربة رائدة ومبادرة فكرية فريدة...

وهذا يوحى الى بسؤال مزدوج...

أولا : كيف استطاعت " الفكر " ان تعمر خمسا وعشرين سنة كاملة ؟

ثانيا : لماذا لم يشهد الوسط الادبي والثقافى فى تونس حتى الآن تجربة صامدة اخرى تكون سندا لتجربة مجلة " الفكر " ولمؤسس مجلة " الفكر"..؟

وأجاب صاحب" الفكر " :

شكرا على اهتمامكم ،

هذا السؤال أجيب عنه بكل بساطة فأقول : إن طول نفس مجلة " الفكر " وصمود أسرتها ونتائجها المرضية بصفة عامة ... كان نتيجة للمقصد الأول من تأسسها وهو اظهار ان التونسيين لهم نفس طويل وان المشاريع في تونس يمكن ان تستمر اذا ما صح العزم لأني قبل تأسيس " الفكر " طالعت مقالات وابحاثا عن تاريخ المحلات التونسية منذ عام 1881 الى 1955... فاصطدمت وتألمت من كثرتها وقصر عمرها فى آن واحد ... فقلت فى نفسى : لماذا تظهر مجلات ثم تختفى بهذه السرعة والسهولة.

وعندما تحدثت مع أدباء من جيلي ، وأدباء من أجيال سابقة تبينت ان معظمهم يائس من وجود مجلة يمكن ان تعمر طويلا ... فقلت فى نفسى: سأسعى الى بعث المجلة وسأعطيها من نفسي ومن وقتي ومن مهجتى بحيث ستعمر وسترجع ثقة التونسيين حتى يؤمنوا بانه اذا صح العزم استجاب القدر ... واستجاب الواقع الى عزيمة الانسان عندما يختار وعندما يضحى فى سبل اختياره ... وهذه الروح مستمدة من الروح الوطنية وهى جزء منها . وهي الروح البورقيبية لأنه فى الميدان السياسى وجد زعماء كثيرون قيل الرئيس الحبيب بورقيبة وحتى معه ... وبدأوا الكفاح بطرقهم الخاصة ثم سرعان ما أخذهم التعب والكلل وتعللوا بتعلات كثيرة لانهاء الكفاح ... لكن الرئيس الحبيب بورقيبة صمد حتى فى احلك الظروف فاستجاب القدر.

فمغامرة الفكر وملحمتها هي جزء بسيط وفرع متواضع من فلسفة قومية خلقها الرئيس الحبيب بورقيبة وبعثها فينا وربانا عليها.

هذا هو بصورة عامة السبب الأول الذي يفسر لا فقط طول عمر المجلة بل كذلك انتظام صدورها ... لأنه طيلة هذه الأعوام لم تصدر " الفكر " ولو مرة واحدة متأخرة عن موعدها وهو أول كل شهر ، بحيث توفر فيها دوام الزمن وانتظام البروز...

مواقف ثابته ... ولا تتغير فيها الا وسائل التطبيق

أستاذ محمد مزالي... منذ سبع سنوات بالضبط ، قلتم: ان مواقفى من بعض القضايا ما زالت هى مواقفى ، منذ ان كنت طالبا ... فأستاذا  ... الى ان تحملت مسؤوليات فى الدولة .

هل هذا هو رأيكم كذلك ... وانتم فى منصب الوزير الاول ؟ وأجاب :

طبعا...

طبعا ... لأن المواقف هي الآراء العامة ، وهي القيم السامية وهي سلم القيم الذي انتسب اليه واخلص له ... ولكن تبقى دائما كيفية وضع هذه القيم موضع التنفيذ والسير بها شيئا فشيئا الى حيز الواقع وهذا يكون بحسب الظروف والامكانيات الجديدة والوسائل العلمية والتكنولوجية ،الوسائل السمعية والبصرية ، ومستوى تطور البشر ...

كل هذه عوامل تكيف سياسة التطبيق والتنفيذ ... ولكن القيم الوطنية والانسانية ونظرتنا للانسان والتضامن بين البشر ، والبعد الانسانى فى علاقاتنا البشرية ، وكون تونس وطنا واجب الاستقلال والصمود والصيانة ، والحياة من أجل الغير ، والتعاون ، ونبذ حرب الطبقات ، واعتبار ان التونسيين اخوة ، والتعاون مع الغير على أساس الكرامة ، والعمل من أجل الأدب التونسى ، والدفاع عن مقومات الثقافة التونسية التى هى عربية اسلامية وفي نفس الوقت متوسطية ومتفتحة ...

كل هذه ... هي القيم التى تغذينا بها فى حزبنا ولا نزال مخلصين لها ... ويبقى تنفيذها فى جميع الميادين مرتبطا بالظروف وقد يتكيف ويتطور .

"الفكر" تعبر عن فكر كل من يكتب فيها

أستاذى الكريم... بعد تجربة الفكر الرائدة فى طرح القضايا والمواقف ...

مجلة " الفكر " فى النهاية... هل تعبر عن فكر مؤسسها ؟ أم عن فكر كل من يكتب فيها ؟ أجاب صاحب " الفكر " :

هى تعبر معا عن الفكرين ان صح التعبير ...

تعبر عن فكر مؤسسها ورئيس تحريرها - الأخ العزيز البشير بن سلامة - باعتبارنا ننتمي الى مدرسة وطنية واحدة ... وقد عبرنا عن أفكارنا واختياراتنا فى افتتاحياتنا ومقالاتنا وفى استجواباتنا مثل هذا الذي أجريه الآن ...

وهى من جهة اخرى تحمل أفكار كل من يساهم فيها ، فالفكر - ونحن معها - تحترم أفكار الغير وأساليبه ... وتقنياته من الناحية الفنية والأدبية..

وهكذا يمكن أن أقول بأنه من حيث الاختيارات العامة نحن حريصون على ان تبقى الفكر متماشية معها ... ولكن هذا لا يمنع من ان يقع احيانا نضارب بين افكارنا الشخصية وبين أفكار بعض الاخوان ... واذا حصل ذلك فنحن نتحاور معهم وننشر لهم بعض الشئ ... ولكن فى نفس الوقت نحن نحتزز ازاءه ...

وبصورة عامة اذا كان الأثر المقدم الينا ادبيا بأتم معنى الكلمة وتوفرت فيه شروط الخلق الفنى والروعة الأدبية . فاننا نحترمه وننشره وذلك لايماننا باحتكاك الآراء والاساليب وبان كل اسلوب فكرى من شأنه ان يغذى الثقافة التونسية والأدب التونسى...

ولهذا ... فنحن نعتبر ان حرية النشر في مجلة " الفكر " - انطلاقا من مستوى ادبي طبعا - هو عندنا شئ مقدس...

شجعت على نشر تجارب الشباب بالرغم من تحفظاتى نحو بعضها

أستاذنا الكريم ...

لقد أعطت مجلة " الفكر " على امتداد السنوات فرصة لمحاولات مختلف التيارات الفكرية الشابية سواء من ناحية الشكل أو من ناحية المضمون ...

هل انتم - فى النهاية - مقتنعون بكل المحاولات التجديدية التى نشرتها " الفكر " ... أم لديكم بعض التحفظات فى شأنها ..؟

وأجاب المفكر محمد مزالي :

لقد نشرنا بالفعل الكثير من المحاولات الشبابية واعترف شخصيا بأنى لم أكن موافقا على بعض هذه المحاولات ، ولم اكن متحمسا بالخصوص مع شكل هذه التجارب ... ولكن مع ذلك شجعت على نشرها باعتبار أن هذا النشر قد بشجع هؤلاء الأدباء الشبان وهم فى مقتبل العمر وأولى تجاربهم ... وذلك للصمود والتطور فى أساليبهم وتفكيرهم وتأملاتهم ...

وهكذا فان تشجيعى لهؤلاء هو قبل كل شئ اعتبار لمستقبل هؤلاء الشبان... ولكنى مع ذلك لم اكن راضيا دائما على ما نشرناه ... في وقت نشره طبعا ...

" الفكر"... هي مجلة المغرب العربى

أستاذى محمد مزالي :

لقد نشرتم في مختلف مراحل حياة " الفكر " اعدادا خاصة بأدب المغرب العربي ... وفسحتم المجال واسعا لكتاب من الجزائر والمغرب وموريتانيا... وعلى سبيل المثال نشرتم كثيرا للأديب الجزائرى طاهر وطار ...

هل تطمحون فى أن تكون - الفكر - على هذا الاساس ، مجلة أدب المغرب العربى ..؟ وكان جواب الاستاذ محمد مزالي ما يلى :

لقد نشرنا بالفعل الكثير من الاعداد حول أدب المغرب والجزائر وموريتانيا ولعل المستمعين يعرفون ان مجلة " الفكر " واكبت الثورة الجزائرية المباركة... ونشرت للكثير من الاخوان الجزائريين حتى للذين كانوا حينذاك فى السجون مثل الأخ مصطفى الأشرف ، الذي كان فى سجون فرنسا وكان يبعث الينا بطرق عجيبة الكثير من مقالاته وابحاثه اما بالفرنسية حيث كنا ننقلها إلى العربية أو بالعربية أصلا .

ونشرنا كذلك للأخوان وطار وحوحو والأخضر السايحى ، ومحمد الميلى والمرحوم مفدى زكرياء ... ولا بد أن اشير الى ان عدد الجزائريين الذين نشرت لهم مجلة " الفكر " كثير جدا ... وكنا دائما الى جانب الثورة الجزائرية من خلال افتتاحياتنا ومواقفنا ... وهو ما كنا نعتبره بالطبع واجبا علينا ...

وبالنسبة للمغرب هناك من الأدباء من نعتبرهم من أسرة المجلة ... وانطلاقا من هذا الذي اشرت ، فاننا نعتبر بالفعل ان مجلة " الفكر " هي مجلة المغرب العربى الكبير...

صحيح ان هذا المغرب له حدود وبينه فوارق ومتناقضات موروثة أوجدناها نحن بانفسنا بكل أسف ... ولكنها فى اعتقادى وقتية ... اما من حيث الثقافة والأدب والفكر فهناك جذع مشترك يجمع بيننا وعلينا نحن الأدباء والمفكرين ان ننميه ونعمق فيه رؤيتنا حتى نخدمه ونبلغه ونغذى أجيالنا الصاعدة به ...

لم نشعر فى وقت من الأوقات ان مواقف" الفكر " حكم عليها التاريخ

استاذنا ، صاحب " الفكر " :

من مميزات مجلة " الفكر " طرحها للعديد من القضايا الفكرية والاجتماعية والشبابية وغيرها ...

هل أكد مرور الزمن والظروف والاحداث صحة وجهة نظر " الفكر " فى هذه القضايا.. ؟ وكان جواب الاستاذ محمد مزالى :

نعم .

عندما اجول بخاطرى فى هذه القضايا ، وأحاول أحيانا أن استعرض الآراء التى عبرت عنها " الفكر " منذ ربع قرن حول مختلف القضايا فانى بصفة عامة أجد أن اتجاهنا هو الاتجاه الصحيح وهو الذي أكدته الأيام ...

ونحن لم نشعر فى وقت من الاوقات أن مواقفنا حكم عليها التاريخ أو كذبتها الاحداث ، وأقول هذا بكل تواضع ...

أطالب النقد بأن يقوم بالدعم النفسى            والبسكلوجى

وسألت أستاذنا :

فى حفل تكريم الكتاب الذين صدرت لهم كتب ومؤلفات فى النصف الثانى من سنة 1974، وكان ذلك يوم السبت 11 جانفى 1975 ، قلتم عن موضوع النقد :

لا يمكن  للأدب أيا كان أن يقف على قدميه بدون نقد موضوعى حقيقى ، ونحن في حاجة الى نزعة الدعم أكثر من وساوس التنقيب ، ولا بد أن يكون عمليا حتى يلعب دور التصدى والتشجيع ، حيث ان الأديب في حاجة الى من يشجعه لأنه سريع الانكسار ...

أليس هذا الرأى ، بالنسبة لما يكتب اليوم فى حاجة الى تذكير وتأكيد وتثبيت ..؟

أجاب الاستاذ محمد مزالى عن هذا السؤال :

أولا من حيث النقد بصفة عامة ، فانه ضرورى من أجل تنشيط الحياة الأدبية ، لان الأديب عندما يكتب ولا يجد الناقد اللامع الحصيف الذي يقيم له انتاجه ويلفت نظره الى بعض الجوانب والنواحي التى قد تكون غابت عنه ‘ فانه يبقى معزولا ولا يستطيع ان يتقدم... وهكذا فان وظيفة النقد وظيفة حيوية فى تطوير الأدب وهذا ما نلاحظه فى الدول المتقدمة بصفة عامة ...

وعندما نستعرض مختلف النهضات الأدبية في فترات مختلفة عند الشعوب المتقدمة والشعوب الاسلامية فى أيام عزها نجد أن النقد كان نشيطا ...

ولكن بالنسبة للموضوع الذى أشرت اليه و ذكرتنى به فانى أكدت على  ضرورة دعم الأدب التونسى ، لأن هذا الأخير لا يزال مبتدئا بصفه عامة وتنقصه الامكانيات المادية والمناخ الملائم بصفة عامة ... ولهذا فانا ادعو دائما الضرورة الأخذ بيده ... ولا باطرائه اطراء مطلقا بل بتمكينه فى أن يقف على نواحيه الايجابية ... وكذلك على نواحيه السلبية .

والدعم الذي أطالب به خصوصا ، هو الدعم النفسي, الدعم البسكلوجى ، وذلك بعدم تلقى انتاجه بالإزدراء ، واللامبالاة والتجاهل ... فالتشجيع المعنوى لا بد منه ، وانا شخصيا عندما كان لى مجال من الوقت كنت أقبل أى مخطوط يطلب من صاحبه أن أقدم له ، واحيانا قدمت لكتب لا اعرف أصحابها معرفة شخصية او معرفة تامة ، وانما كنت اقول فى نفسى بأن المقدمة عندما يكتبها موأطن معروف مسؤول قد تأخذ بيد هذا الكاتب ، وبالخصوص قد تعينه على ان يجد الناشر والموزع ... الى آخره ...

وما أريد أن أؤكد عليه ان هذا النوع من الدعم هو دعم منهاجى ... فى فترة انتقالية من حياتنا الأدبية وليس معنى هذا انه يجب ان نقول لكل أديب ضعيف أو تنقصه الصفات الأدبية الضرورية : انه أديب لامع بل إن الذى أقصده هو بالخصوص الدعم البسكلوجى .

هذا ما لإزال أؤمن به وأقيم عليه الحجة والدليل بما ننشره فى " الفكر " من محاولات لأدباء شبان والذى أرتاح اليه واعتز به اليوم هو أن العشرات من الأدباء المعروفين اليوم ، كانوا فى فترة معينة شبانا مبتدنين متحسسين طريقهم فأخذنا بأيديهم ونشرنا لهم ، وشجعناهم وهم اليوم معروفون على الساحة الأدبية ، وربما ابتعد عنا بعضهم باعتبار أنه أصبح لا يحتاج الى مساعدة الفكر وهو ما نعتز به كما يعتز الأب عندما يرى أن ابنه ترشد واستقل اقتصاديا واصبح مواطنا يعتمد على نفسه...ونعتنى بغيره من الشبان الآخرين الذين تجود بهم تونس في كل حقبه..

نعتز بانطلاق بعض أدبائنا من الفكر     كما يعتز الأب بابنه

وعن العطاء الأدبى في بلادنا ... كان سؤالنا :

البعض يعتبر ان هناك فتورا او شحا فى العطاء والخلق الأدبى ، والبعض الآخر يرى أن الخلق الأدبى فى تونس يعيش الآن مرحلة مزدهرة.

من خلال : تعامل الفكر مع العطاء الأدبى ، ما هو تقييمكم لهذا الموضوع ؟

وأجاب أستاذنا :

شخصيا ، اعتبر انه من عام 1955 بقي انتاجنا الأدبي في حجمه كما هو . ولكن هناك من كتابنا من يأخذهم بعض الكلل أو التعب بعد نشر انتاجهم فيقللون من عطائهم . والبعض الآخر يشترط شروطا مالية على تلك المجلة أو ذلك الناشير وهو ما يصعب اجمالا تحقيقه ...

ولكن بالمقابل اعتبر ان انتاج شبابنا فى تطور مستمر وتزايد ، وهو ما الاحظه دوما من خلال ما يرد على مجلة " الفكر " من انتاج الشباب ، فمشكلته دوما هي ماسأنشر وما سأترك فى كل عدد... وفي كل شهر ...

لقد كنت فى السنوات الأولى من عمر " الفكر " احتاج إلى المقالات والكتابات وهو ما اضطرني الى أن أكتب وأترجم كثيرا بنفسى... حتى يشتد عود المجلة ... ولكن مشكلة " الفكر " الآن ليست هى القلة وانما الكثرة ... بحيث أن الانتاج المتوفر كثير وغزير ... ولهذا فيجب أن نكون متفائلين بمستقبل الأدب في هذه الديار بحول الله ...  

الثورية ليست أبدا ثورية الثوريين ...     وانما الفكر المتطور

وسألنا مفكرنا :

بعد صدور كتابكم ( مواقف ) قال الاستاذ محمد فنطر : أن اغراض كتابكم وكتاباتكم كثيرة ومتعددة ... ولكنها فى النهاية مترابطة فهي تعالج ...

الشباب ... الوحدة ... التونسة ... الثورية ...

والأصالة ... هل توافقون على هذا الرأى ؟ وكان الجواب :

أولا ، الوحدة المقصودة هى الوحدة القومية .

و الثورية ليست ثورية الثوريين ...فالثورية التى أقصدها هى التجديد بجعل الفكر يتعرف الى الجديد ... ويفتح آفاقا جديدة ... وجعل الفكر يترك العادات والأفكار المسبقة التى ترد عليه وتحجره ... لأن كلمة الثورية - من سوء الحظ - فقدت معناها لكثرة استعمالها ... لقد اصبحت عند البعض تعنى السلبية والهيجان ... وهو ما لم يكن ابدا من أفكارى ... فالفكر الثائر هو الذي يتمرد على الواقع ويريد دائما ان يحسنه لأن الكثير من الناس تتحجر أفكارهم ، وتستيد بهم العادات ... فالفكر الثائر هو الفكر المجدد المتجدد الذى يضع نفسه دائما موضع الشك وموضع النقد والتقييم... ويجعل دائما حياته - كما قلت ذلك في مرات كثيرة - جدلا حيا بين المبادىء والقيم والاختيارات من جهة وبين واقع صعب عنود متغير ... فالمفكر أو المواطن أو المناضل يحاول دائما أن يسيطر على هذا الواقع ولكنه لا يغض الطرف ولا يهمل نواميس الواقع ...

فاذا تمكن المفكر من هذا الجدل الايجابي الحى ، يستطيع مع احترام نواميس الواقع ان يغير هذا الواقع ... فيضع اختياراته ومبادئه وقيمه موضع التسيير مع مواطنيه لانه لا يمكن لعمل أن ينجح اذا لم يكن جماعيا مشتركا ...

وكان السؤال الأخير الموجه لصاحب " الفكر " فى عيد " الفكر" :

إذا كان لا بد لمجلة " الفكر " أن نجعل لنفسها شعارا ... فما هو ؟

ومن وحي نضال " الفكر " وتجربتها ومعاملتها الطويلة أجاب محقق ملحمتها :

الوفاء ... الوفاء للقيم...للأمة ... للأنسان...

اشترك في نشرتنا البريدية