منذ ثلاثة وثلاثين عاما صاح الكاتب الاسبانى " ميقال أونامونو" فى وجه من كان يروم كبته
وخنق صوته " ان ساعاتكم تسجل تأخيرا بالنسبة لعصرنا " ومنذ أسابيع توجه الكاتب الروسى اسكندر "سولينتسين " ، بنفس العبارة للهيئة المديرة لاتحاد الكتاب بروسيا التى قررت رفته من هذه المنظمة بسبب " استغلال الاوساط البورجوازية مؤلفاته لإغراض دعائية مناهضة للبلاد " .
فى كل عصر ومصر - بل فى كل جيل - يحاول الكتاب الافذاذ ورجال الفكر الإحرار تنشيط مجتمعاتهم وتحديد قيمها . كما يحاولون إيقاظ ضمائر معاصريهم وحملهم على " تعديل ساعاتهم " حتى لا تتجاوزهم الاحداث ويصيبهم الجمود . وكثيرا ما يثير هذا العمل المتمثل فى الخلق الادبى والابداع الفنى والتجديد الفكرى حفيظة الناس ويجلب سخطهم لأنه يقلقل معتقداتهم وينغص عليهم طمأنينتهم وقد يعبر عن كسلهم وقصورهم وعجزهم . بل ان تاريخ الحضارات يكاد يكون انعكاسا لهذا التقابل بين الفكر الحر والمجتمع المحافظ , من قوى التقدم الحية وعناصر الرجعية المتجمدة . وقد يكون " كامو " عبر عن هذه الحقيقة الدائمة عندما قال " ان اتجاه تاريخ المستقبل لن يكون ما نعتقد أنه سيكون . إنه يتمثل فى الصراع بين صولة الخلق وخنق حرية الفكر ! "
وإذ نعرج اليوم على ماساة الكاتب الروسي " سوليتنسين " فليس قصدنا مجرد الاحتجاج والشماتة كما يفعل بعض " الاختصاصيين " بل الحث على الاعتبار والاستفادة من تجارب الغير .
فالكاتب اذا صدم معاصرية فى احد بلدان الغرب يستطيع رغم كل شئ ان يعيش ويستطيع بالخصوص أن ينشر مؤلفاته فى احدى دور النشر ولو بصعوبة وبعد تجشم أتعاب جسيمة . أما فى روسيا وغالب البلدان الشيوعية فان الكتاب منتسبون وجوبا الى اتحاد بجمعهم و " يلم شتاتهم !!" ويظل دائما مسؤولا عنهم و " مقدما عليهم " بحيث لا ينشر لهم اى مقال او كتاب ولا ينالون بالتابع أية مكافأة مالية إلا إذا استحسنه اتحاد الكتاب وارتآه منسجما مع اغراضه وخادما " لمصالح النظام !!" ...
وما دامت " الكتابة " وظيفة اجتماعية وكان الكاتب لها يحصل على لقمة العيش بما يجود به قلمه وما دام اتحاد الكتاب هو " المصلحة " التى تقيم إنتاجه وتكافئ عليه فان الكاتب أصبح موظفا أسيرا مسخرا فاقدا - فى الواقع - لحريته واستقلاله ، عاجزا - بالتابع - عن الاضطلاع برسالته الاولى الا وهى الخلق والتجديد وعند الاقتضاء مصادمة الواقع والناس .
فهل بريد الذين ينادون ، بين حين وآخر ، ببعث " اتحاد للكتاب التونسيين " تأميم الادب وتوظيف الادباء ؟ وهل يعتقدون انه يجوز - ويمكن - لهيئة متركبة من بعض " الزملاء " ان تتكلم باسم جميع الادباء والكتاب و" تدافع " عن مصالحهم ؟ !
فعسى ان يتعظ هؤلاء بما يجرى حولهم فيكفوا عن تقليد هياكل اثبتت تحارب نصف قرن تهافتها وعواقبها الوخيمة على حرية الخلق وكرامة الانسان .

