لا شك أن مكانة تونس في المشرق العربى سياسيا واعلاميا تغيرت على ما كانت عليه في الستينات وحتى فى السبعينات وان اخواننا المشارقة بداوا - وخاصة منذ انتصاب جامعة الدول العربية ببلادنا - يعرفون أوجها كبيرة من حياتنا ويكتشفون اتجاهاتنا الحقيقية فى مجالات عديدة من أنشطتنا . وهو أمر نبتهج له خاصة واننا ما فتئنا منذ أن تأسست هذه المجلة ندعو الى هذا التواصل ونعمل من أجله بقدر مستطاعنا
وقد تكشفت على هذا الاساس أوجه التبادل الثقافي بيننا وبين الاشقاء من معارض للكتاب وأسابيع ثقافية فيها ألوان من العروض الموسيقية والمسرحية والسنمائية وغيرها جعلت الكثير منا يعتقد ان ذلك من شأنه ان يغير كثيرا من جهل اخواننا المشارقة بنا وان يعرفهم التعريف الشامل بثقافتنا ولكن الواقع غير هذا اذ من حين الى اخر تطلع علينا أصوات تكشف الحقيقة المرة وخاصة ما يتعلق بادبنا وهذه الحقيقة متمثلة فى ان جمهور القراء في المشرق العربى لا يعرفون الا القليل والقليل جدا من ادبنا ورجالاتنا .
وقد طالعنا في مجلة " المصير الديمقراطي " مقالا عن مجلة " الفكر " انظر باب الإصداء من هذا العدد ( تطرق فيه صاحبه الى عدة اعتبارات منها ما يتعلق بالمجلة ومنها ما يتصل بالادب التونسي بصفة عامة وليس فى نيتي
ان اناقش صاحب المقال نظرا الى ان ما كتبه لا يمكن فى جملته ان يكون الا صورة من الحقيقة الماثلة للعيان . اللهم الا بعض الجزئيات التى تحتاج الى تفصيل القول ولكنها ليست جوهرية ولا اساسية امام الموضوع الكبير الذي يستلزم التعمق والتقصى والبحث المطول الا وهو حظ الادب التونسي في الوطن العربي .
لذا فانى اشكر صاحب المقال على إصداعه بهذه الحقائق وأهنئه على شجاعته الفكرية وأدعوه الى اعمال الرأى معنا فى هذا الموضوع واعانتنا بالفكرة والنصحية على الخروج من هذه الهنة التى لا تفيدنا فى شئ وتضر بمصالحنا جميعا ولا تقرب بيننا اذ يبقى الادب أى الكتاب وصنوه هو الصلة الكبيرة بيننا جميعا والمزيل لكل الحواجز التى بنتها عصور الانحطاط وزادها الاستعمار من الترسبات طبقات كثيفة
هذه الحقائق كما بينها السيد صقر أبو فخر " كثيرة وأسبابها مجهولة فهو يسلم بأن حظ الادباء التونسيين من الاهتمام المشرقي ظل لاسباب نجهلها أقل من غيره ، وهو يلوم الصحافة العربية التى لا تهتم سوى بأسماء محدودة " ويتساءل " على من يقع التقصير " وما هو " دور المؤسسات الثقافية التونسية نفسها فى إيصال الادب التونسي الى خارج تونس
ولعله يمكن من الآن فتح النقاش بالنسبة الى هذا الموضوع الذي اعتقد انه جدير ان يطرح على بساط البحث فى هذه الفترة التى ينكب فيها مركز الدراسات الصناعية على وضع الكتاب التونسي طباعة ونشرا وتوزيعا ومطالعة وهذه الدراسة ستقتصر على السوق التونسية فقط من حيث التوزيع ولكن المرحلة الآتية يجب أن يهتم فيها بالتوزيع خارج تونس
وعلى كل فانه يمكن ان نصرح بكل شجاعة : إن تونس - بلد الحضارة والثقافة وتذوق الجمال والرقة - لا يجد فيها الاديب حظا كبيرا من الشهرة اللهم الا اذا كانت له مكانة مرموقة سياسية أو اجتماعية ، أو جاءت شهرته من
الخارج : من فرنسا او المشرق العربى وهذا الحظ بالنسبة الى المشرق العربى لا يأتي كما قال صاحبنا في مجلة " المصير الديمقراطى " الا بالشهادة اذ توديد اسم " أبو القاسم الشابي في تلك الربوع سببه انه " بات شهيدا بسبب قصيدته إرادة الحياة .
واذا سلمنا ان شهرة ادبائنا ، مهما بلغوا من العبقرية . لا بد أن تأتي من الخارج ليعترف بها التونسيون فانه بات من الاكيد أن نعالج هذا الوضع ابتداء من المشرق العربي وألا نكتفي بلوم الصحافة العربية بل نعول على انفسنا لتخطى هذه العقبة الكأداء
واذا كانت الدوائر المسؤولة قد قامت بجهد كبير فى ميدان النشر فان موضوع التوزيع بقى قضية قائمة الذات تحتاج الى المغامرة والمخاطرة مثل غيرها من الميادين التى اقتحمناها ووصلنا فيها الى نتائج عظيمة .
ولست من الذين يميلون الى التسليم بأن محتوى الكتاب التونسي ربما لا يجد القارئ في المشرق العربى لان اهتمامات الادباء والكتاب التونسيين لا تختلف كثيرا عن مشاغل اقرانهم فى سائر بلدان العروبة بل إن الموضوع يبقى متعلقا بمسألة سعر الكتاب الذي حاولت الحكومة أن تخفف من غلوائه بدعم ورق الكتاب وباعفائه من تكاليف الشحن وبتوزيعه
ولعله آن الأوان أن ننظر في هذا الموضوع بجد وذلك بجلب اهتمام الصحافة العربية الى الأدب التونسي والادباء والكتاب التونسيين وان نعوض المجهود المالي المادي الذي نصرفه فى اقامة المعارض بمجهود آخر يتجه الى الصحافة العربية ولكن ذلك لا يكون له فائدة كبيرة اذا لم يواكبه حضور الكتاب التونسي واستمراره في السوق الادبية المشرقية
وهذا يقتضى أن نشرع في ايجاد الحلول مع المؤسسات الثقافية التونسية سواء العمومية أو الخاصة حتى تخرج من هذه الهنة التى تكاد تكون سمة التصقت بالادب التونسي وادباء هذه الربوع
وإني رغم هذا الذي بينته ووضحته فى هذه الصفحات القليلة لمتيقن أننا سنخرج من هذه العقبة الكأداء باكثر ما يمكن من الحلول وان السنوات القادمة ستكون خصبة نظرا الى ما تقدم عليه البلاد فى نطاق المخطط الطموح من تدابير واجراءات جديدة كفيلة بتغيير الاوضاع .
وإن موضوع الادب التونسي مربوط بقضية الكتاب الذي هو رهين ما سيتم في قطاع الطباعة من تعصير وتطوير وتشجيع وتكوين وهو شرط اساسي لازدهار هذا القطاع .
بهذا نكون قد توخينا الحلول الجذرية ومضينا أشواطا في إدماج هذا القطاع من الثقافة فى الدورة الاقتصادية للبلاد وخرجنا به من التردى الذى لا محالة هو متجه اليه اذا نحن لم تتداركه بالاصلاح والتغيير .

