زرت اخيرا بباريس المعرض الدولي للاعلامية والمواصلات والتنظيم المكتبي Sicob وأعجبت بما وصل اليه العلم في هذا الميدان من اسباب القوة والدقة والنجاعة . ولفت نظري خاصة أمر جديد هو التفاعل بين التلفزة والاعلامية لا بالصورة المعروفة العملاقة بل بتوخي الاعلامية الدقيقة الصغيرة التى لا ترتفع تكاليفها ارتفاعا باهظا . بحيث أصبحت آلات هذا القطاع فى متناول الجميع ( فى مستوى معين بالطبع ) ومعنى هذا ان المعطيات المعقدة الصعبة المنال فى مستطاعها ان تبلغ الى من لم يكن في مقدوره أن تبلغه قبل الآن واهم ما شاهدته هو الآلة الراقنة ذات الذاكرة والة حساب للجيب القابلة للبرمجة
وليس هذا مجال للدخول فى دقائق هذه الاختراعات وانما الذي استنتجه العارفون فى هذا الميدان هو ان قطاع الخلق وتبليغ المكتوب ومعالجته بقيا دهرا طويلا بعيدين عن الاعلامية وعن عناصر التقدم التقني الهامة ، ولكنهما اليوم اصبحا غير قادرين على أن يستغنيا عن جملة من التقنيات المتعلقة بما يسمى المكتبية . اذ ان معالجة النصوص عن طريق آلات الرقن ذات الذاكرة القابلة للبرمجة .
وهكذا فانه لا مناص للأدب شعرا او نثرا ، وهو من المكتوب ، من أن يتأثر بكل ما هو عصرى وخاصة اذا كان الامر يمسه بالذات . ولكن القارئ الكريم من حقه ان يسائل نفسه قائلا : ما دخل هذا فى الشعر وفي الشعر التونسي الحديث بالذات ؟
نعم . ان الشعر التونسي الحديث الذي ابتدأ منذ استهلال هذا القرن سيطر عليه مفهوم يكاد يكون واحدا هو العصرية . فعبارة الشعر العصري بدأت مع مجلة خير الدين وبقيت تتردد تحت شعارات مختلفة الى يومنا هذا . والعصرية فى الشعر او الحداثة عرفت مدلولات عديدة اغرقت جانبا من الشعر التونسي احيانا فى متاهات لم يقدر على الخروج منها ، وأضاع فيها كنهه ومدلوله .
ولعله من الصواب ، وان لم يكن هذا من الهين ، هو ان نتتبع من خلال الانتاج الشعرى التونسي الحديث هذا الخيط المتوارى عن الاعين والذى ستكشف عنه هذه الصفحات التى ساهم فى تحبيرها ثلة من الشعراء والدارسين والباحثين وخاصة جماعة نادى الشعر بدار الثقافة ابن خلدون . اذ بدون الظفر بهذا الخيط لا يمكننا أن نتبين بالضبط لا ماضى شعرنا ولا حاضره ولا مستقبله ، ونبقى مكتوفى الايدى أمام هذا الخضم المائج باللآلي تارة وبالحصى أطوارا .
وهذا جر فى الواقع كل من فكر فى الشعر وما اليه الى ان يضع السؤال المزدوج ما هو الشعر ولماذا الشعر ؟
ما هو الشعر ؟ سؤال اجاب عنه منذ أن عرفت البشرية هذا الفن ، الفلاسفة والادباء وكل من اهتم بالخلق . والاجوبة متعددة لا تكاد تحصى . والشعر عندى هو ما اودعه الشاعر ايقاعا هو ايقاعه وجعل هذا الايقاع يتفاعل مع رؤيته الكونية ويتجاوب مع مظاهر الحياة حوله وقدر على ان يشعر به القارئ ويغمر وجوده به . ولا يقتضى المجال تدقيق هذا التحديد الذى أراه للشعر خاصة وان الكثيرين من الذواقين لهذا الفن يميلون الى هذا التحديد الذى لا يضيق من الافاق الفسيحة المعروفة عند هذا الفن ، ( راجع ما كتبته عن هذا الموضوع في كتاب لى بعنوان اللغة العربية ومشاكل الكتابة) . فلا الوزن ولا القافية ولا التفعيلة تكفى وحدها لإعطاء الكلام صفة الشعر بل الإيقاع هو الذي يضفى عليه هذه الصفة اذ كم من كلام منظوم له وزنه وله قافيته ولكن خال من كل ايقاع وليس بشعر . ولهذا فان النظر في مقاييس جديدة للشعر أمر يفرض نفسه . وما المحاولة التى قام بها محمد العياشى فى كتابه نظرية إيقاع الشعر العربى ( انظر دراسة له فى هذا العدد ايضا ) الا دليل على هذه الحاجة الملحة . ثم ان الانتاج الذي يصر اصحابه على أن يضعوه فى باب
الشعر اصبح متنوعا وراح يدعو الى مزيد من النظر والتعمق . ولعل بعض الدراسات او المقالات الواردة في هذا العدد تحفز على مزيد من التدبر
ثم لماذا الشعر ؟ سؤال اصبح تتناقله الالسن في هذا العصر الذي تحكمت فيه الآلة منذ الثورة الصناعية التى بدأت في فترتها الاولى بتمكين الانسان من القوة المادية وعوضت قوة يده بقوة المكنة - الأداة Machine - until فتضاءل بهذه الصورة المجهود البدني الذي كان العامل مطالبا به . ثم في فترة اخرى وليست بالبعيدة سمح للانسان ان يضخم قدرته العقلية ويوسع فى نطاقها بما اتاحه له ناظم الآلة Ordinteur من فرصة تعويض الجهد الذي يقوم به دماغ الانسان فكفته هذه الآلة مؤونة الحسابات التى كان من المفروض ان تدوم اعواما وأعواما بدون هذه الآلة وصرفته عن مشقة الاعمال الادارية المكررة الجالبة للسامة واتاحت له الفرصة للانصراف تماما الى العمل الفكرى المثمر .
هذه الثورة الصناعية التى خلقت وسائل جديدة للابلاغ لم تقتل الشعر فى أول امرها بل كان ذلك حافزا لظهور تيارات شعرية لها وقعها فى النفوس اذ هي استشفت الخطر الذى يهدد الانسان من غرقه فى المادة وحذرت منه وأعطت للبشرية طاقات جديدة للتدبر والوعى بمصيره . ولكن صوت الشعر فى هذا الخضم ، وان بقى جهوريا ، قويا ، جبارا انسانيا لم يعد يسمع امام أصوات الآلة ولغة المادة الصارخة المصمة للآذان ، النافذة الى صميم الانسان تكتسحه اكتساحا وترجعه الى حيوانية العصور الحجرية فتكا ، وامتهانا ومحقا لذاته وتثير فيه غول النهم والشره والحقد والبغضاء كأحد ما عرفته البشرية فى عصورها الحوالك وتتفنن فى قتل نوازع الخير والتآخي والتحابب والطيبة فيه لتحيله آلة صماء مثلها تديرها كلها حفنة من الايدى الخفية الحاذقة الماسكة بنواصي الامور الحريصة على الا تفلت منها الخيوط
لهذا فان حاجة البشر اليوم الى الشعر اكبر من اى وقت مضى لان الوظائف التى قام بها هذا الفن خلال اطوار تقدم البشرية لم تعد صالحة له اليوم
فالصحافة والوسائل السمعية والبصرية والاختصاصات السياسية والاجتماعية كفت الشاعر ان يكون الصحفى والخطيب والممثل المنتخب فى المؤسسات العمومية اذ ان اصوات هؤلاء اقدر منه على النفاذ الى عقول الناس ونفوسهم بالوسائل السهلة القريبة المستعملة فى هذا الشأن .
فانحصر دور الشعر اذن فى تذكير الانسان بانسانيته اكثر من غيره من الفنون ولا مفر له ، ان هو رام البقاء ، من ان يدفع عن انسان هذا العصر هذا الغول المادي الذي اجتاح مشاعره وشنجها الى حد التصلب والجفاف .
وان تيه الشعر وما طرأ عليه من غموض واسفاف وحقارة انما هو مرده هذه الغفلة عن الغول المادي او الانقياد له او الانبهار بأساليبه بالتبنى والمحاكاة فدخل هذا الفن في دوامة ليس له الا ان يفقد فيها توازنه وكنهه
هذا رأى قد يحتاج الى مزيد من التعمق ولكنى اعتقد ان الشعر اذا حاد عن هذا الدور فانه لن يسمع ابدا ولن يحتاج اليه انسان هذا العصر .
هذه الخواطر حول ماهية الشعر ودوره لا تضيع في ذهنى رأس ذلك الخيط الذي المحت اليه فى أول هذه السانحة المتعلق بالشعر التونسي الحديث لان هذا الشعر تأثر بما تأثر به عالم الناس في هذا العصر .
فالمتتبع للشعر التونسي من أول هذا القرن الى اليوم يجد انه اتبع نهجين اثنين من جهة العصرية الهاربة الى الامام دائما ومن جهة اخرى السلفية المتجهة الى الماضى المنكفئة على نفسها من دون ان تكون غير شاعرة بمآتي العصر .
فالعصرية أخرجت الشعر التونسى من آفات التشطير والتخميس والتسبيع ودخلت به الى مكافحة الغول المادى الذى جثم على الشعب التونسى فى شكل الاستعمار بمعداته وآلاته وأساليبه الشيطانية المركزة على التقنيات العصرية والهادفة الى استعباده واذلاله وقتل ذاتيته ، فقام هذا الشعر العصرى ، موقظا للهمم ، منبها للاحاسيس حافزا للكرامة ، حاثا على النهضة دافعا الى الحياة . وبلغت قمة هذا الشعر مع أبى القاسم الشابى عندما غني للحياة فى ديوانه أغاني الحياة بما فيها من ثورة وحب للوطن وانتماء ويقظة واحساس .
وتواصل هذا النهج مع شعراء كثيرين ظن بعضهم ان العصرية فى الطرافة مهما كانت والجرى وراءها بأى ثمن ولم يعرفوا ان ذلك ضعفهم لانهم يقدروا فى الواقع على الافلات من الماضى فلم يتجاوزوه بالمعرفة والخبرة بل اصبح عندهم وسواسا يفسد عليهم قريحتهم . ومن هنا ضاع هذا الاتجاه فى متاهات الغموض والشكلية والاوهام وانزلق اصحابه فى شباك الغول المادى عن وعي او غير وعي وبقوا يتخبطون ولا من سامع لندائهم ولا من منقذ .
اما النهج الثاني وهو ما سميته بالسلفية فهو الذى ثبت الى يومنا هذا واعطى ما لم يعطه الشعر العصري في طور ضياعه وتيهه وبقى شعره راسخ القدمين ثابت الجنان يؤدى وظيفة قد لا تغنى ولا تسمن من جوع فى بعض الاحيان ولكنها فيها طعم الشعر وريحه ونكهته وجلاله .
هذا أهم ما رأيت ان اشير اليه من دون أن اضطر الى تصنيف الشعراء لان واقع الشعر التونسي يدعوني الى ان اقول بان من شعرائنا من تجده يجمع فى شعره بين هذين النهجين فهو منجذب تارة الى العصرية وطورا اخر الى السلفية بمعناها النبيل لا الهجين
كيف سيخرج الشعر التونسي من هذا المأزق ؟ لا يمكن التنبؤ بأي شئ لان هذا مرده الى ظهور النوابغ والعبقريات . ولعل هذا العدد بما احتواه من استفتاء حول الشعر التونسي الحديث ومن دراسات ومقالات ونماذج شعرية يعطى أجوبة على بعض التساؤلات التى تمر بخاطر الفارىء الكريم . ولقد حرصنا على ان نشرك اكثر ما يمكن من الشعراء والدارسين التونسيين الذين سمح لهم وقتهم فاستجابوا الى ندائنا مشكورين ونحن نعلم ان فى تونس عدة اقلام اخرى لها نظرتها الخاصة الى الموضوع ولكنها لم تتمكن لضيق الوقت او لدوافع أخرى ، من المشاركة فى هذا العدد ولكنها مدعوة حتى بعد صدور هذا العدد الى الادلاء برأيها متى عن لها ذلك . خاصة وان كثيرا من الآراء الموجودة فى هذا العدد ليست كلها مدعمة ولا عميقة ولا مطابقة للواقع ولا موافقة لرأينا بل هى يمكن أن تكون شهادة لوضع شاذ او لحالة خاصة ولكننا رغم هذا حرصنا على ادراجها على صفحات هذه المجلة عملا بحرية الفكر فعسى ان يصادف هذا العدد من نفوس قرائنا هوى وعسانا بذلك قد خدمنا الادب التونسي فى هذه الربوع وبالتالي الادب العربى

