الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ، حتى يكون التوقع اكبر من الواقع

Share

التأم فى أوائل شهر نوفمبر المنصرم بابو ظبي (1) المؤتمر الرابع لوزراء التربية والتخطيط العرب الذي دعت اليه منظمة الامم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو وساهمت فيه المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الكسو) لدرس قضايا التربية والتنمية فى البلدان العربية واستجلاء افاق لها جديدة على ضوء الانجازات الحاصلة والنظر في السياسة الواجب توخيها لتوسيع نطاق التعليم وتحقيق الديمقراطية فيه ، وتحسين نوعيته ، وتوثيق الصلة والملاءمة بين الأنظمة التربوية فى كافة العالم العربي وبين مقتضيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

ولئن سجل المؤتمر التقدم الذى حصل منذ اجتماع وزراء التربية في مراكش (جانفى 1970) والمتمثل خاصة فيما شهدته كل البلاد العربية منذ سبع سنوات من نمو كمى ملحوظ فى مختلف مراحل التعليم ومن اقبال متزايد على الدراسات العلمية والتكنولوجية وتحسين نوعية التعليم وتجديد طرقه وتطوير محتوياته وما ترتب عن ذلك من تضاعف الميزانيات المخصصة

وكذلك نسبة الدخل القومى المرصودة له كل سنة . . فانه قد سجل ايضا أن الحلول لا تزال مطلوبة لعدد من المشاكل القائمة وأهمها تحقيق تعميم التعليم في المرحلة الابتدائية الى مستوى الالزام ، وتجسيم الملاءمة بين التعلم وبين مقتضيات التنمية الاقتصادية فى مرحلتى التعليم الثانوى والتعليم العالى ، مع مواصلة التوسع فيهما ، وتحقيق ديمقراطية التعليم بتوفير خدماته فى المناطق الريفية على الخصوص والقضاء على آفة الامية والعناية بالمنقطعين عن التعليم لتلافي اهدار الطاقات البشرية ، والحد من وطأة هجرة الادمغة العربية(1)..

والواقع ان الجهود متظافرة وكثيفة للنهوض بالتربية فى كل قطر عربي على حدة ، والعزم معقود لدفع عجلة التطور والتقدم للنهوض بالانسان العربى وتسليحه علميا ومعنويا ليقوى على مقاومة التخلف والسيطرة على نفسه والتأثير في محيطه فيتمكن شيئا فشيئا من بناء الحضارة والظفر بالمنزلة الكريمة بين البشر .

الا اني اعتبر انه الى جانب التعارف وتبادل المعلومات والتجارب ، علينا اليوم ، نحن المسؤولين عن حظوظ التربية فى البلاد العربية ، واجب مقدس جدير بان يتبوأ الدرجة الاولى من الاولويات وهو العمل بجد وإخلاص على توحيد المناهج التربوية شكلا ومضمونا وطرق عمل ، حتى نهتدى الى نحت الانسان العربي الجديد القادر على تحقيق الوحدة العربية السليمة التلقائية التى تفرضها طبيعة الاشياء والتطور الطبيعى لا المفروضة من فوق أو المملأة من طرف ايديولوجيات معينة رومنسية ساذجة او نزوات المراهقة السياسية

ذلك ان الوحدة مطلب أساسي من مطالب الامة العربية ومطمح من مطامح الاجيال الصاعدة ، يستمد شرعيته من وحدة اللغة والدين والحضارة والتطلعات ، على إنجازه يتوقف ضمان المصير المشترك ومواجهة تحديات العصر ،

وعن طريقه يمكن فك الحصار المضروب حول العالم العربي ، على الاصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية ، وبه تتكامل الموارد المادية والطاقات الذهنية القومة ويحصل تعديل جديد على ميزان القوى فى العالم ، لا يحد من تبعيتنا للآخرين فقط ، بل ويزلزل صرح الهيمنة الاجنبية التى فرضت علينا فرضا احقابا طويلة ، ويسد المنافذ على كل شكل من اشكال الاستعمار الجديد .

اننا اذ نحس بمرارة الفشل الذى منيت به كل المحاولات الوحدوية المفروضة من عل ، على رغم ما بعثته فى بعض الانفس من حماسة وآمال ، نعتقد ان الوحدة تبدا فى الضفة الأخرى من الياس ، لاننا لا نتأثر من البحر بتلاطم امواجه ولا نعبا بزبده الذى يذهب جفاء ، بل نرنو الى الاعماق ونعتبر بمدها وجزرها ونرى فيها الحياة الدافقة التى لا تتأثر بالرياح والعواصف

اننا نفترض فى الحاضر العربى البائس ونتوقع له ان يكون احسن حالا ومآلا ، وأشد تضامنا وتماسكا ، رغم تبسم الشاكين وسلبية ضعاف الايمان او صغار النفوس ، ولكن التوقع لا يكون أكبر من الواقع الا اذا تجاوزنا انقساماتنا السياسية واتفقنا على الاقل فى كيفية حل مشاكلنا التربوية فخططنا للوحدة باحكام وسعينا الى تجنيبها عثرات الطريق ووقايتها من الانتكاس والردة وأقمناها على اساس تهيئة القاعدة وبمشاركتها الواعية واثرنا العمل الجدى الطويل النفس على البلاغات المرقمة والخطب الرنانة والمبادرات المرتجلة التى سرعان ما يطويها النسيان او يسفهها الواقع العنيد

واول ما ينبغى الشروع فيه ، قصد تحقيق هذه الغاية ، هو توحيد اللغة فى مصطلحاتها وفى مدلولاتها ، حتى تتوحد عندنا مناهج التفكير والرؤية الكونية الحضارية .

وفى هذا الصدد اذكر على سبيل المثال ما شرع فى انجازه منذ سنوات على صعيد اقطار المغرب العربى التى منيت باستعمار توطيني بشع كان يهدف الى مسخ البلاد والقضاء على مقوماتها الحضارية لتصبح شعوبها هباء منثورا ويسهل اجتلاعها ، والتى تواجه مشكلة ضبط سياسة لغوية اصيلة متفتحة تمكن من التطور الثقافى والاجتماعى والاقتصادى وتحقق الذات المغربية العربية الاسلامية ضمن عالم دائما متجدد ومتطور

فلئن مرت الاقطار المغربية فى هذا الميدان بسبل التفكير والانعزال او التردد والترقب فانها اليوم تبدو برغم الغيوم المتراكمة فى سماء السياسية وتباين الاتجاهات الاقتصادية ، ساعية لاتخاذ " سياسة " لغوية ، مصممة المراحل ، منظمة الاهداف ، بالإضافة الى تعديلات تدريجية ضرورية فى تعليم اللغات الاجنبية باعتبارها أساسية للتفتح الحركى على عالم اليوم

لهذا وجد اللغويين المغاربة انفسهم فى هذا الظرف التاريخي الحاسم امام ميادين لغوية من الواجب البحث فيها وتتمثل فى وصف شامل للواقع اللغوي وتحليل علمي للغات المتعايشة فى البلاد ودراستها من زوايا المعجمية وعلوم الاصوات والصرف والنحو والمشاركة فى التعريف وفي تأليف الكتب المدرسية ذات الطابع القومى المتعصر ، وفي ضبط رصيد لغوى موحد فى مستوى التعليم الابتدائى يؤهل الطفل الى ما يحتاج اليه من معلومات أساسية بدونها لا تاصل ولا تعصر ، وقد انجز فعلا هذا الرصيد وتم بعد خمس سنوات من الجهد والصبر احصاء مجموعة مفردات عربية تؤدى مفاهيم الطفل المغربي العربى فى سن معينة وهي المفاهيم التى وردت على لسانه ، مضافا اليها اعتبارا للحاجة ، مجموعة مفردات تمثل ما قد يحسن بالتلميذ ان يلم به في السنوات الثلاث الاولى من التعليم الابتدائى . " (1) وقد اعتبر فى ذلك الى جانب كلام الطفل مبدأ الاستمرار المكانى والزماني فلا قطيعة مع الماضى ولا هوة مع الاقطار العربية الاخرى . ذلك اننا نعتقد ان اللغة العربية وحدت العرب قديما وانها اليوم عنصر التوحيد والتأليف بين القلوب والاحاسيس

لذلك ترانا نبتهج عندما تبنت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم منهجية العمل المغربي فبرمجت منذ سنة موضوع ضبط الالفاظ فى مستوى التعليم الابتدائى وقد شرعت بالفعل اللجان الوطنية لاكثر الدول العربية في انجاز هذا العمل التوحيدى الطويل النفس

وانما توسعنا فى بسط هذا المثال البالغ الدلالة لاننا نعتقد ان توحيد الرصيد اللغوي العربى الوظيفى لبنة ثابتة وأساسية فى بناء صرح الوحدة

العربية ، وانه لا بد منها برغم طولها وعنائها ، ورغم خلوها من الصبغة الدعائية البراقة التى قد تظهر فيها بعض المبادرات التى تسمع لها رنينا ولا ترى لها ذهبا . .

ذلك ان بين التفكير والتعبير علاقة جدلية تمهد للوحدة المأمولة عن طريق توحيد القلوب والاحساس والتفكير ، وتكون عربي الغد تكوينا متناسقا متآلفا ، وتيسر الوحدة فى قراءة المشاكل واستقرائها

ان الوحدة العربية تقتضى ان نعمل جميعا على تجاوز مرحلة التقليد والاستهلاك الى مرحلة الابتكار والانتاج ، باعتبار ذلك ضرورة مصيرية ورجوعا الى الاصل . فالامة العربية التى انتجت ابن رشد وابن سينا وابن خلدون والخوارزمي وابن الهيثم وابن الجزار . . الذين اخذوا وأعطوا اكثر مما اخذوا ، اثبتت قدرتها على انجاب العبقريات ، فمن الإصالة الانطلاق الى غزو المستقبل من ماضينا الحافل بالامجاد والامكانات وذلك بالتعامل مع الواقع الذي يحيط بنا تأثرا وتأثيرا .

هذا هو العمل العظيم البعيد المدى الذى يتحتم علينا جميعا القيام به بما يلزم من المثابرة والاناة والتعمق تركيزا لقواعد الوحدة الفكرية والثقافية فى وطننا الكبير ، ولو اقتضى ذلك اجيالا ، وانه لمن اليسير الشروع فورا فى وضع خطة سريعة التنفيذ تتعلق بتوحيد المواد المكونة للذهن والاحساس كالفلسفة والتاريخ والادب والتربية الوطنية والدينية .

وتلك هي اهم نقاط القضية المصيرية المطروحة على ضمير الامة العربية عموما وعلى المسؤولين عن قطاع التربية خاصة ، والتي ركزت عليها مساهمتى بوصفى رئيسا للوفد التونسى فى مؤتمر وزراء التربية العرب المنعقد بابو ظبي ايمانا منى بأن رسالتنا لا تنحصر فى تطوير الأنظمة التربوية في كل قطر على حدة ، بل تتمثل فى جمع شتات العرب ولم شملهم بواسطة توحيد المناهج التربوية واقامة خطة تعليمية ومحتويات تربوية تستجيب لجملة من المبادئ الاساسية التى اقترحت اهمها فى مؤتمر ابو ظبي وهي :

- ان يحصل بيننا اتفاق على استجلاء ملامح الشباب العربي الذي نريد ان نعمل على تنشئته وفقا لقيمنا الحضارية المشتركة .

- وان نسعى الى تحقيق الاستقلال الذهنى لشبابنا وان نعمل على تغذيته بمحتويات تربوية مطهرة من التلوث العقائدى ، فيتم بذلك تحرير العقول ويتوفر ضمان السلامة للثقافة الاصيلة

- وان تحرر الاذهان العربية من " عقدة الخواجة " ونستاصل كل ما اورثه فيها الاستعمار من أنماط التفكير الغريبة عن واقعنا

- وان نحرص على تحقيق الديمقراطية الشاملة فى التعليم وتمكين شبابنا من حظوظ متعادلة في الرقي ، بحيث تنطلق فى حياة شعوبنا حركية اجتماعية واسعة تمكن الطاقات الخلافة من البروز والاشعاع

- ومع ذلك فانه لا بد من الحرص الدائم على ضمان الكفاءة العلمية والصناعية المتينة ومن السعى المتواصل لرفع المستوى فى تنشئة الشباب وتأهيل الإطارات ، والا فانه يخشى عليهم من التعجل والتساهل واللامبالاة فى اعدادهم ان يكونوا بمثابة الاوراق النقدية التى تخرج الى الناس وليس وراءها رصيد ، فتنهار القيم الحضارية كما تنهار الأنظمة المالية التى يستفحل فيها داء التضخم

- وان نسعى بجد الى تمكين شبابنا من التضلع في العلوم واللغات الحية ففي ذلك ضمان مستقبل حياة امتهم بين امم العالم ، وفي ذلك ايضا وفاء للاصالة العربية الاسلامية ، اذ قد كان العرب اسياد العالم بما وصلوا اليه من التضلع فى العلوم الصحيحة والمعارف

- ان نسعى الى خلق عقلية الابتكار فى نفوس شبابنا وان نخرج من منزلة المستهلك لكل ما ينتجه ويبتكره غيرنا ، ولذلك يجب ان يقبل الشباب باكبر نسبة ممكنة ، مثلما هو موجود فى عديد من الدول الديمقراطية على العلوم الصناعية والمهارات الصناعية والتكنولوجيا بوجه عام حتى يخرج بامته من وضعية التبعية وما يحيط بها من المخاطر

ان القضية مصيرية ويجب ان نضعها فى مستوى المسؤولية التاريخية لان الواجب يملى علينا تحقيق المناعة الحضارية لامتنا واسترجاع مجدها التليد الذي عم الدنيا فى العصور الذهبية من تاريخنا .

لكن هذه المبادئ وهذه الاتجاهات يتوقف تحقيقها وتجسيمها فى واقع انظمتنا التروية لا على حصول اتفاق جماعي حولها فى مستوى المربين ولا حتى وزراء التربية فقط ، بل في مستوى رؤساء الدول ، اصحاب الحل والعقد . فهل يحقق جيلنا هذا الامل ام هل يجب ان نتتظر الاجيال القادمة ؟ هل سيكون لرؤساء الدول العربية وملوكها - رغم انشغالهم بالسياسة فى معناها اليومي المتعارف - بعد النظر ووضوح الرؤية والعزيمة السياسية والحماسة الخلافة الكفيلة بتبنى " استراتيجية " شاملة لتطوير انظمتنا التربوية بالاعتماد على فلسفة اساسها اصالة الامة العربية وقيمها الثقافية والروحية الباقية وغايتها وحدة الامة العربية لتقدر على مواجهة تحديات العصر والخلق والاسهام فى الحضارة الانسانية ؟ ٠٠

توالت القمم العربية ، المصغرة والمكبرة ، المتطرفة والمعتدلة ، وبلغت من التناقضات والمفاجآت والخلافات قمة القمم من قمة تعليمية تربوية تخطط الى ابعد من . . الغد القريب ؟

هذا ما نامله وما يجب ان يعمل فى سبيله كل من آمن بالوطن والتزم أصول التربية الحق التى هى أولا وآخرا خلق المستقبل بنحت الرجال القادرين على صنعه .

اشترك في نشرتنا البريدية