الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ، حول التواصل بين الآداب العالمية

Share

لقد صادف ان اثرت فى العدد السابق من هذه المجلة ، عند الحديث عن الشعر التونسى ، موضوع وسائل الاعلامية وصادف فى هذه الأيام أن حضرت ملتقى للكتاب بيوغسلافيا تحوم مناقشاته حول التواصل بين الآداب العالمية وخاصة استعمال هذه الوسائل لمزيد الترابط بين الشعوب والتعارف الصحيح بينها وإحلال الحوار بين ثقافاتها وحضاراتها محل الجهل والتغافل والتنابذ.

وإن الموضوع جدير بالعناية لان هذه الوسائل الجديدة بحكم سرعتها فى اختصار مجهود العقل البشرى وقدرتها الفائقة على القيام بعمليات صعبة ومعقدة فى لمح البصر كفيلة نظريا بان تقوم بالترجمة السريعة والفورية لمؤلفات يقضى فيها المترجمون الأشهر تلو الأشهر ، للوصول الى الثمرة المرجوة وقد تكون فجة متنكرة للأصل أو طيبة وفيية أمينة .

واستمعت الى توضيحات من المختصين الذين يتتبعون خطوات هذه الآلات الجديدة وتبين لى أن التجارب المجراة فى هذا الحقل لا تزال فى خطواتها الاولى لا تفى بالحاجة المطلوبة إذ أننا مازلنا لا نعرف هل أنه فى الامكان أن تترجم لنا آلة إلكترونية قصيدة من لغة الى أخرى بأمانة كما يترجمها العقل البشرى أم لا ؟ وعلم كل فان النتيجة لجد الآن هزيلة جدا وإن الزمن الذى سيستريح فيه بعض الناس من مضابيقات المترجمين وعبئهم ما زال بعيدا وبعيدا جدا . ولعل الأمر أهون بالنسبة الى العلوم الصحيحة لأن هذه الآلات أقدر حسب

ظنى على ممارسة المصطلحات المضبوطة الواضحة المعنى الدقيقة الاستعمال التى لا تتحمل لا الالتباس ولا التأويل والايحاء ، منها على ممارسة المادة الأدبية .

وهكذا فان الأدب الذى أدى دوره ينحصر مستقبلا فى اتاحة الفرصة للانسان لينسى عبء هذه الوسائل وثقل وطاتها على انسانيته فى حياته اليومية سيكون محكوما عليه ، إن صحت هذه التجربة ، بأن يمر هو نفسه من هذه السبيل وعند ذلك نتمنى على الله أن يحفظه من مخاوفها وأن يخرجه منها سالما مسلما .

وإن الذى أعجبنى في هذا الملتقى علاوة على ما ذكرت ، هو حرص اليوغسلافيين على التعريف بأدبهم ونشره فى العالم إذ لا يلتقون فى حلقة ضيقة للتداول فى موضوع ما فقط يهمهم هم بالذات بل إنهم يعملون على أن يشركوا أكثر ما يمكن من الكتاب الأجانب فى أعمالهم وهذا يحفظهم أولا من الانغلاق على أنفسهم ومن الانسياق الى تغذية مواطن الخلاف عندهم ويسمح لهم ثانيا بالخروج بأدبهم الى حيز أوسع والتحاكك مع غيرهم وتحسس قواهم رغم أنهم - وليتبين ذلك القارىء الكريم ويتدبره - ينتمون الى ست جمهوريات وخمس أمم وأربع ثقافات قومية وثلاث لغات ونمطين من حروف الكتابة : اللاطينية والسيريلية .

فوجود الادباء والنقاد الناشرين من غير اليوغسلافيين فى مثل هذه الملتقيات هو خطوة جادة بالنسبة اليهم للتعريف عمليا بآدابهم وجلب عطف أهل الذكر ، فى بلاد العالم ليتحمسوا لها ويعملوا علم نشرها ووجود الأدباء من جنسيات متعددة وربط العلاقات بينهم فى هذه المحاقل من شأنه أن يحقق ما اقترحه أحد الكتاب من وجوب إصدار مجلة تلتقى فيها أقلام الخلاقين فى العالم . مجرد خيال ربما ! أو هو اقتراح صعب التنفيذ ولكن ما هو دور المنظمات الأممية المختصة مثل اليونسكو إن لم يكن هذا هو صلب عملها وجوهره ؟

إن هذه الاعتبارات تجرنى حتما الى ان أسائل نفسى وأسال غيرى ممن يهمهم انتشار الآداب العربية فى العالم : ماذا فعلنا ؟ ماذا فعل اتحاد الأدباء العرب فى هذا المجال ؟ كان منذ سنوات يتحمس لعقد المؤتمرات ويعين موضوعات بمناسبة التئام كل منها تتبارى فيها الأقلام وتشحذ القرائح وبتعارف بفضلها الأدباء . وسار اتحاد الكتاب التونسيين على هذا السنن يكرر اللقاءات ويدعو حسب الامكانيات الإخوة من سائر البلاد العربية . وإن هذه الطريقة عند تطويرها كفيلة بأن توصلنا إلى الهدف وهو ضمان انتشار كل

مؤلف يصدر ببلد عربى فى سائر البلاد الاخرى من العالم العربى مما يقرب الشقة بين أبناء العروبة ويدفعهم الى التفكير جديا وعمليا لا عاطفيا وهوائيا فى العيش جنبا الى جنب لشق الطريق فى خضم هذا العالم الذى لا يحسب حسابا إلا لكل قوى منيع رشيد .

وفجأة وكأنه من سحر ساحر بدأنا نسمع شنشنة ، الله أعلم من استنبطها ولان غرض روجها وأعادها البعض عن حسن نية ومفادها أن لا فائدة فى هذه الملتقيات وما هى نتيجتها وما هو مدى تطبيق المقررات والتوصيات ؟ وغير ذلك من الأقاويل التى ليس من ورائها إلا نتيجة واحدة هى منع الادباء والكتاب من اللقاء . وهل ينتظر من أناس سلاحهم الكلمة وإحكام فن القول أن ينتصبوا منفذين لمقررات وتوصيات لا تقدر على جعل معظمها حيز الواقع إلا الحكومات؟ ان دورهم هو إشاعة الوعى بينهم ثم بين الناس وإيقاظ هم المسؤولين وإقناعهم بجدوى اقتراحاتهم ويقف دورهم عند هذا الحد ، فان وصلوا الى نتيجة فذاك وإلا فما عليهم إلا أن يعيدوا الكرة مرة بعد أخرى بدون كلل ولا تبرم .

إن خوفى كبير من أن تحل هذه الشنشنة محل الرضا من نفوس الأدباء والكتاب العرب وأن يركنوا الى الانكماش والتقوقع والاحتراز والحال أن الشأن  يدعو الى مراجعة المنوال الذى سار عليه المنظمون للندوات والمؤتمرات فى السابق وتحاشى كل ما من شأنه ان يزرع الخلاف بينهم ويشتت الصفوف وخاصة المواضيع التى تظهر موحدة جامعة للكلمة وهى فى الواقع مدعاة لاثارة الاحن وبث الخلاف الذى لا طائل وراءه .

ان من الطرق الوصلة إلى الهدف المنشود ما أشرت اليه فى أول هذه السانحة واتبعه الكتاب اليوغسلافيون وهو الخروج من التقوقع وإسهام الأجانب فى ملتقياتنا وهذا يعنى السمو بندواتنا سموا يشرفنا أمام أهل الذكر من الأدباء والنقاد والناشرين فى العالم والعمل على الظهور بمظهر من احتضنت ثقافته العبقريات الكفيلة بأن تقف وتصمد أمام أعظم العبقريات فى العالم. هذه بعض الاقتراحات العملية أسوقها آملا ان تلقى المساندة والدعم وهى كفيلة بضمان التواصل المتبادل بين الخلاقين فى البلاد العربية والعالم وإحلال التفاهم والتعارف والحوار النزيه محل التجاهل والتنكر والنسيان .

اشترك في نشرتنا البريدية