احتضنت مدينة القيروان من 25 الى 27 نوفمبر 1977 ملتقى ابن رشيق الذي نظمه اتحاد الكتاب التونسيين للمرة الثانية بعد مرور عامين من الملتقي الاول وذلك بالتعاون مع اللجنة الثقافية الجهوية والولاية وتحت عنوان النقد الادبي وحضر هذا الملتقى عدد كبير من الادباء والكتاب الاشقاء الى جانب ثلة من اعضاء اتحاد الكتاب التونسيين
وبعد تقديم للاستاذ محمد مزالي رئيس المنظمة ، افتتح الندوة الإستاذ الشاذلى القليبي وزير الشؤون الثقافية بكلمة ابرز فيها أهمية النقد الادبي في تونس وما يعتريه من سلبيات سواء كان ذلك فى الجامعة أو على صفحات الجرائد أو بواسطة الوسائل السمعية البصرية .
وكان هذا الملتقى فرصة للمداولة فى مواضيع تتعلق من قريب او من بعيد بالنقد الادبى وكان نجاحه فى انه انطلق من دراسات وبحوث متنوعة منها ما يعالج النقد الادبى بصورة عامة ومنها ما ركز على استنباطات جديدة او محاولات للتنظير طريفة واغلبها يمكن ان يكون مرآة لهموم النقد الادبي في البلاد العربية ، بحيث إن المتتبع لهذه الدراسات والبحوث تتراءى له بعض الحقائق
لوضع الإدب عامة والنقد الادبي خاصة فى كل بلد عربي شارك فى هذه الندوة .
غير أن الانطباع الذي يمكن ان يخرج به المتتبع لهذه الدراسات والبحوث هو أن العالم العربي يعيش اليوم ازمة فكرية حادة تأثر من جرائها الأدب والنقد وافضت الى مأساة الفكر والادب العربيين
ذلك ان المشرق العربى خاصة أصابه منذ الخمسينات من الناحية الفكرية الغول الايديولوجى الذي أقحم السياسية فى الادب والفكر فأضفت عليهما اساليبها وأعدتهما بهزاتها ورفعت - بالفرض والمناوراوت - من شان اصحابهما مرة من دون الالتفات فى الغالب الى النواميس القيمية الموضوعية وحطت مرة اخرى - بالصمت او الارهاب - من قيمة آخرين على حساب الفن والخلق والابداع . وان للسياسية اليوم صولة وجولة لانها تتحكم فى النشر والتوزيع ووسائل الاعلام ، خاصة وان المجتمعات العربية لم تبق مجتمعات مغلقة تعرف فيها القيم من دون الاحتياج الى وسائل هامة للابلاغ .
هذا كله ، أفقد العالم العربي القيادات الفكرية أو انه افسدها او كبتها حتى افضت الى هذه الماساة التى انعكست على السياسة وجعلت العرب لا يقدرون على ايجاد حل لقضيتهم الكبرى والاتفاق حولها ألا وهي القضية الفلسطينية التى تهمهم جميعا وترتبط بحاضرهم ومستقبلهم . حتى ان الجماهير العربية التى لا تعرف للايديولوجيات معنى عميقا ولكن يهزها الشعور بالاخوة العربية الاسلامية لم تعد تقدر على اتخاذ موقف واضح وغلبت عليها البلبلة والتردد نتيجة اشتباك السبل وضعف المواقف وانعدام الجبهة الموحدة .
وإن الماساة لتشتد ، وخيبة الامل تتأكد ، عندما يشعر المستمع الى الدراسات والبحوث بجو من المرارة والياس واللامبالاة فى بعض الاحيان يسيطر على الحاضرين . على أن الذي يحفز على استشفاف بصيص من الامل هو الايمان بأن الشعور السائد هو للتغيير ولتجاوز الوضع المتردى . ولكن كيف ؟
ولعل هذا السؤال بحب ان يكون موضوع ندوة تهيا على النطاق العربى وتعد
لها جميع وسائل النجاح لتقييم الوضع بعيدا عن الغوغائية والسطحية والسياسة فى مفهومها الاخرق بل ان الشأن يدعو الى مشاركة مفكرين وأدباء يقع انتقاؤهم من بين الذين صح ادبهم وفكرهم ) ولكن كيف ايضا ( ومن بين الساسة الذين يصح فى سياستهم ما قاله الجنرال ديفول لكلود مورياك عن السياسة : " الا ترى أن المهم ، فى السياسة ) ويعنى ديفول فى هذه المرة السياسة في انبل معانيها ( هو ألا نساوم فيما نعتقده اليقين ، والا نتخابث (1) ولا نخاتل ولا نغالي في التخمينات : هذا هو الواجب ولكنه الحكمة أيضا لان الهرة (2) يكونون دائما على خطا فى اخر الأمر " (3).
وعلى كل ) بعد فتح القوس وغلقها والقوس تعطى الى باريها ( فان هذا الملتقى أى ملتقى ابن رشيق حول النقد الادبي يمكن ان يعد تمهيدا للملتقي الاشمل والأوفى الذى سينظمه اتحاد الكاتب التونسيين بالتعاون مع اتحاد الادباء العرب حسبما تقرر فى اجتماع طرابلس وذلك فى ربيع 1979 .
وسيكون فى وسع اتحاد الكتاب التونسيين ان بعد العدة للملتقي الآتى فتكون المشاركة على حسب ما املها فى ندوة 1977 أى ان تكون المساهمة شاملة لثلاثه اصناف : اعضاء الاتحاد والجامعيين ونقاد مادة الأدب في وسائل الاعلام من صحف ومجلات واذاعة وتلفزة
وإن اجتماع هؤلاء الاطراف الثلاثة سيكون فرصة لا للنقاش والاثراء فحسب بل وللتعرف الى المشاكل الحقيقية التى تعترض الجميع والخروج بنتيجة تضع
النقد الادبي في اطاره الحقيقي لدى جمهور المثقفين وتبعده عن تارجحه بين البرعاجية " المحلقة في اجواء اللامفهوم والاسفاف المتردى فى دركات الهموم اليومية . والنقد الادبي ، وهو صنو النقد وسليله شانه شان كل علم ، لا يستقيم ولا يزكو الا اذا خرج بصورة من الصور من التقوقع الذى ربما يصيبه فى القلاع المحصنة " الى حياة الناس يمسح عنها غبار الرتابه ويعينها على تفتيق قشرة الإلف والعادة عن اجل ولادة جديدة فيها خير المجتمعات وسعادتها .
والنقد الادبي بمدارسه المتعددة مهما بلغت من الاختصاص أشواطا اذا هو لم تكن نتيجته بصورة من الصور اعانة الجماهير المثقفة على تذوق الادب وجعله قريبا من حياة الناس فى سموها وحطتها ، فى سعادتها وبؤسها ، فى فسحة الامل عندها او ضيقه فانه لا يكون قد ادى وظيفته على احسن وجه لان العلم للعلم والفن للفن والاختصاص للاختصاص لا قيمة لها جميعا اذا لم تفض الى نفع الانسان فى الميادين الحيوية الراجعة اليه .
وان مجلة الفكر مساهمة منها فى خدمة رسالة الادب والفكر تقدم مرة اخرى عددا خاصا يحتوي على الدراسات والبحوث التى قدمت فى الملتقى الثاني لابن رشق وهي بذلك تطلع القراء الكرام على نشاط من النشاطات التى قام بها اتحاد الكتاب التونسيين ونكنها تعتذر ايضا لدى الكتاب والشعراء الذين ينتظرون نشر انتاجهم منذ اشهر وتقول لهم موعدنا فى الاعداد القادمة إن شاء الله .

