صادق مجلس الوزراء أخيرا على قانون له أهميته البالغة بالنسبة الى الميدان الثقافى اذ هو يعد ، الى جانب ما تقوم به الدولة من أعمال جليلة فى هذا الحقل ، بابا جديدا من أبواب احداث الهياكل الاساسية الثقافية وتعهدها وحمايتها
فعلاوة على ما تقرر من احداث للهياكل الاساسية الثقافية طبقا لميزانية التنمية المخولة للقطاع الثقافي ضمن المخطط السادس والتي تضاعفت ثلاث مرات بالنسبة الى ما كانت عليه في المخطط الخامس فان القانون الجديد الذي سيناقشه مجلس النواب قريبا والذي يتعلق بالهياكل الاساسية الثقافية سيكون رافدا جديدا لميزانية الدولة فى هذا الميدان
فلقد رأت حكومة المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة أن توجد طرقا اخرى غير المرسومة فى المخطط لتمويل البناءات الثقافية بتمكين طاقات اخرى فى البلاد من المساهمة وهى الراغبة فى ذلك ولكنها لا تجد الاطار القانوني المنظم لهذه المشاركة الفعلية فى لامركزية الثقافة وديمقراطيتها .
وجاء هذا القانون فخطا خطوة أولى فى سبيل ذلك واحتوى على ثلاثة أبواب هامة : وهي مكانة التجهيزات الثقافية فى المدينة والريف ، إعانة الدولة لتشييد التجهيزات الثقافية واحصاء العقارات الثقافية وحمايتها والحفاظ عليها .
فالباب الاول يقتضى ان تشمل الامثلة الرئيسية للمدن والتهيئة الريفية وجوبا المساحات اللازمة للهياكل الاساسية الثقافية وان تشتمل آية مجموعة بناءات جديدة عند انجازها سواء كانت حيا سكنيا أو قرية أو بلدة على تجهيز ثقافى وان تضع المؤسسات الاقتصادية على ذمة مستخدميها تجهيزات ثقافية وفي امكانها ان تتجمع فيما بينها لتكون جمعيات تتولى انجاز التجهيزات الثقافية المذكورة وتسييرها وتعهدها
أما الباب الثاني فهو ينص على انه يمكن للجماعات المحلية والمؤسسات الاقتصادية والجمعيات المصادق عليها ان تتحصل على مساعدة الدولة لانجاز تجهيزاتها الثقافية المعدة لتعاطي الانشطة الثقافية او انجاز اعادة تيهئتها مع استثناء المنشات القابلة للاستغلال التجارى الصرف
وفيما يخص الباب الثالث من القانون فهو يحتوى على ضرورة احصاء التجهيزات الثقافية والمحافظة عليها وصيانتها واستحالة استعمالها فى غير غرضها الاصلي الثقافي وارجاعها الى وضعها السابق فى حالة ازالتها او انجاز أشغال فيها من شأنها ان تغير وجهة استعمالها
وبطبيعة الحال فان القانون ينص على جزئيات كثيرة ستصدر فى شأنها نصوص تطبيقية تبين وتنظم ما لا يمكن ان يكون فى صلب قانون علاوة على ما جاء فى القانون من عقوبات تنجر لمرتكبي المخالفات فى حق التهجيزات الثقافية .
وهكذا فان هذا القانون يمكن أن يعد لبنة جديدة وهامة فى صرح الثقافة التونسية اذ هو يأتي في سياق تقوم به الحكومة لمزيد تنظيم هذا انقطاع وجعل الهياكل الاساسية الثقافية ركنا ركينا فى صرح الحضارة التونسية العربية الاسلامية وتمكين كل الميادين الحيوية في البلاد من ان تنظر الى الناحية الثقافية نظرة جد وانه لا مناص لامة تريد ان تبني وتشيد من اعتبار العنصر الثقافي أساسيا فى البناء الحضاري
وهذا لا يمكن ان يكون بالنيات الحسنة ولا بالكلمات المعسولة والتحاليل العميقة فحسب بل يكون بالفعل وبالانجاز والعزيمة التى تقود الى العمل المجسم الملموس . ذلك أن بناء الصرح الثقافي ليس مقتصرا على فئة من الناس ولا جهة مسؤولة فحسب بل هو يعنى جميع القوى الحية سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ولا يعنيها بالفرجة فقط وبالاستحسان او الاستقباح بل يهمها كطرف مساهم ومشارك في كل مراحل بناء هذا الصرح من هياكل أساسية لازمة وخلايا ابداعية خلاقة وتنشيط منظم مسؤول .
وانه من الطبيعى ان يجد هذا القانون الصعوبات الاعتيادية فى طريقه وان يقف في وجهه من المتشككين " والعقلاء " وذوى العزائم المثبطة من سيظهر من بين طياته اكثر من نقيصة والف علة وعلة . وانه سيجد من المتحمسين له والعاملين على قبوله من سيقدم اكثر من رأى وألف فكرة وفكرة . فنقول لهؤلاء وأولئك : اننا نرحب بآرائهم ونتقبل مقترحاتهم بكل جد وصدق وان هذا القانون ليس الا إطارا لتعبئة الطاقات كل الطاقات فى سبيل الثقافة وفي سبيل ان يجد شبابنا وكل المواطنين من دور الثقافة والمكتبات والمتاحف وقاعات السنما والنوادى وغيرها ما يملأ به فراغ وقته من أجل أن يكون مواطنا صالحا متوازن الميول مندمجا فى وطنه حرا شاعرا بمسؤوليته متحليا بالروح النقدية السليمة معرضا عن كل نزعات التخريب والتهديم ، منصرفا عن جميع نوازع الشر وسلبى المواقف .
وتونس التى تبني الاشتراكية لبنة لبنة من دون طفرة ولا تهريج والتى تقيم صرح الديمقراطية باتزان وروية قمينة - وهى ارض الحضارات والثقافات - بأن تعطى دفعا جديدا للثقافة فى البلاد ولا يكون ذلك الا بجهد الجميع وشعور كل الفئات بالمسؤولية مهما اختلفت اراؤهم وتباينت اتجاهاتهم

