الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ ، ، في تقييم الانتاج الادبى

Share

إن من ابرز ميزات النصف الثاني من القرن العشرن ((محاولة تسطيح)) كل شئ الى حد الابتذال فى بعض الاحيان فما كان بعيد المنال تحف به هالة من المناعة والاستحالة أصبح وكأنه فى متناول الجميع يستهلك استهلاكا ويتداول عليه في لامبالاة عجيبة وازوار غريب . لعلها حسنة من حسنات أواخر هذا القرن ان قربت في الظاهر الناس من الناس والأشياء من البشر والجمهور مما حوله ومكنت من الكشف بسهولة وبدون عناء كبير عن كثير من اسرار  الكون والناس والأشياء ولا اقول الانسان والانسانية .

وليس فى نيتى البحث عن الاسباب فى هذه الصفحات القليلة من هذا العدد إذ هى كثيرة ومتنوعة . وإنما ساقصر النظر على ما حف بالانتاج الادبي من هذا ((التسطيح)) وأعالج موضوع تقييمه . و (( التسطيح)) ليس آفة لهذا الزمان بل هى ظاهرة من ظواهر لها ايجابياتها فى حياة البشر وسلبياتها ولها تأثيرها كذلك على انتاج الخلاقين وابداع المبدعين فكرا وأدبا.

كانت الكتابة من شعر ونثر قبل ظهور الجرائد والاذاعة والسنما والتلفزة تتبع من نسق كلامى يخرج عن المألوف من الجمل الابلاغية الى ضرب من الاعجاز نظامه فى ذاته وتركيبه منحصر فى نوعه إن حاد عن ذلك اختل التوازن وظهر القصور وانتفي التقنين واضطربت القواعد وضاع (( النحو)) . وأمكن للنقد بهذه الصورة ان يقوم بدوره من دون عناء وان يصدر احكامه فى راحة من ضمير صاحبه وشعور بأداء الواجب نحو أسمى أداة أتيح للانسان نحتها والسمو بها .

وبظهور الجرائد لم تخرج الكتابة عن نوعيتها وبقيت محافظة على نسقها  ولكنها تزحزحت درجة عما كانت عليه وقربت الجملة من المألوف وتمتنت العلاقة  بين القارىء والكاتب وظهرت ضرورة مواصلة هذه العلاقة ورعايتها يوما  فيوما حتى أصبحت الخبز الذي لا يمكن الاستغناء عنه وألحت على الناس الحاجة  للركون الى رأى البارزين في هذا الميدان والمشاهير منهم خاصة ، فكيفوا  بذلك حياة الناس وعاشوا في أذهانهم بقوة حجتهم وبما صنعوه من العوالم

ولما ظهرت الاذاعة واستقطبت يوميا حياة الناس أدخلت على الجملة المكتوبة  نسقا جديدا ونمطا آخر لصيقا بخصائص اللغة الدارجة بما فيها من اعتماد على  القدرة الشفوية وسيولة في التلاعب بالالفاظ وتراكمها وكثافتها وانتفى بذلك  الشعور بالاعجاز بين القارىء والكاتب واضطر هذا الاخير على أن يظهر في  مظهر أكثر قربا من كافة القراء في توخى السهولة والبساطة ونوع من  السهل الممتنع . وخرج النقد بقواعد جديدة ومدارس لم يعرفها من قبل  واختلطت السبل على القارىء والكاتب معا . وبقدر ما سمح للقراء بأن يكثر  عددهم ويشاركوا بفرض أحكامهم وحاجاتهم على الكتاب بقدر ما ظهر أيضا العدد الكبير من هؤلاء ليرضى ما اقتضته هذه القفزة الجديدة .

غير ان السنما والتلفزة لم تتركا للكتابة الفرصة لتتكيف على حسب ما  فرضته الاذاعة بل أصبح للعين أيضا فروضها فحتمت على الجملة المكتوبة أن  تدخل في حسابها مقتضيات الصورة ونمطا آخر من التعبير يدخل شيئا من  التشويش على نوعية الكتابة . فصار هناك من يكتب بالصورة وبالرسم وغيرهما  من أنواع التعبير . واختلط على النقد والنقاد التقييم والتمييز وأصبح هذا  الفن منطويا على نفسه في الجامعات منعزلا عن سر الحياة العامة يعيش في نوع  من المخابر التي لا يحتاج اليها جمهور القراء كل يوم بل هو يعتمد على نفسه ويفرض على الكتاب والخلاقين ما يريده .

وانتفى بذلك تماما الشعور بالاعجاز بين القارىء والكاتب وتلونت الكتابات  وأنماطها واضطر الناشرون للكتب والمجلات والجرائد أن يفسحوا المجال لكل  كتابة سواء كانت شعرا أو قصة أو رواية أو مسرحية أو مقالة أو أي نمط  لصيق بهذه الفنون . وصار من الصعب ، في غمرة السرعة والتسرع ،  التفريق بين المكتمل والفج والصالح والطالح والدعي والصادق . علاوة على  ما دخل بين صفوف الذين أصابتهم حرفة الادب والكتابة من رهط آمن بكل شيء  إلا بما تفرضه رسالة الادب والكتابة وهمه أن يطفو على السطح وينتهز اللحظة ويقتنص الفرصة .

واذا كانت البلدان الأوربية خاصة ذللت هذه الصعوبات بايجاد  الاكاديميات المتعددة ولجان القراءات في دور النشر وغيرها بحيث أن التقييم  موجود علاوة على مدارس النقد الجامعية فان البلاد العربية تكاد تكون خالية من  النقد أولا والتقييم الصحيح القبلى والبعدى ثانيا . وهذه تعد كارثة كبرى على  الكتابة العربية لانها تتجاوز » التسطيح » كظاهرة الى وجوده كافة تضر بهذه  الأداة التي يجب أن تبقى سليمة من كل الشوائب لانها تكيف العقول وتساهم في الحضارة والتقدم .

لذا فان أوكد ما يجب أن يقوم به الساهرون على النشر كتبا وجرائد  ومجلات واتحادات كتاب وأدباء أن يدفعوا هذه الفصيلة الجديدة من المقيمين  للانتاج الادبى والى الظهور بقوة وأن يضعوا المقاييس لذلك وينتبهوا من دون  صلف ولا تحجر الى كل من يفسد الكتابة ويدخل حرمها وهو غير مؤمن  بقداستها ورسالتها.

نعم يمكن أن يلحق هذا النوع من التقييم الضيم على بعض الكتاب الناشئين  في أول خطواتهم وينغص عليهم سيرهم ولكن هذا لا يعنى الكف عن نشر  انتاجهم بل الذي نقصده أكثر من أى شيء هو تعيير ما يكتبون وتقييمه حتى لا يتركوا وشأنهم بل يؤخذ بأيديهم ويفتح لهم الطريق القويم .

وفى الواقع فان الكاتب الحق يشق طريقه مهما كانت العراقيل ويصل الى ابلاغ صوته طال الوقت أو قصر وإنما الذي نريده هو ألا ننتقل من ((التسطيح))  الى الرداءة من دون أن نشعر

اشترك في نشرتنا البريدية