الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ ، حول تقييم الانتاج الادبي مرة اخرى

Share

تناولت فى افتتاحية العدد الاخير مسألة تقييم الانتاج الادبي وانتقلت من معطيات تاريخية تتعلق بتطور نسق الكتابة والمؤثرات والعوامل التى دخلت عليها من جراء وسائل تعبير جديدة قوية كالوسائل السمعية البصرية وغيرها وحللت ظاهرة التسطيح الناتجة عن اختلاط سبل النقد والتقييم للانتاج الادبي وفراغ الساحة الادبية لا الجامعية من الشخصيات التى تعتبر مراجع ينتظر جمهور القراء احكامها للاقبال على النص الادبي أو الادبار عنه . وحملت مسؤولية ذلك على دور النشر والمجلات واتحادات الادباء والكتاب .

وفي هذه المرة أريد ان اعمق فى جوانب اخرى من هذا الموضوع ترتبط بواقع مر في أغلب الاحيان يستغل استغلالا لاغراض أخرى لا تمت الى الادب فى شئ ولا تدخل من بعيد او من قريب فى اهتماماته وهى تزيد من تشابك السبل وضياع الغرض الذي من أجله يكتب الكاتب ويخلق الاديب

وقبل ان امضي في تحليل هذه النقاط أريد أن احدد مفهوم الكتابة حتى لا يؤخذ رأيى على غير وجهه الصحيح ولا يؤول الكلام تأويلا يخرج به عن القصد . فالكتابة فى ذهنى أصبحت أدق مدلول من لفظة الادب في عالم تميز بالاختصاص والتدقيق فلفظة الادب كانت فى القديم ، وخاصة عند العرب ، ترتكز على النسق الشفوى وتعتمد على خصائص المقول وهي الصبغة التى اثرت على الانتاج الادبي العربى في كل عصوره وطبعته بطابع يئن له المطبوع الى اليوم

فى ظهوره بدون شكل لأنه يريد أن يذكر كل القراء العرب بأن الكتابة ليست في الواقع أصل الادب بل الحافظة والسليقة الشفوية هما الاساس وإنما التدوين والجمع بين طيات كتاب إنما يلجأ اليهما لجوءا عند الحاجة للتذكر وتدارك آفة النسيان .

وطبيعى ان يكون الادب شاملا لكل وسائل التعبير الكلامية قبل ظهور  ناقلات الكلام الأخرى من المطبوع الى المذاع الى الممسرح الى المتلفز الى السنمائي وطبيعى أن نجد اليوم من المختصين فى هذه الميادين الذين يصعب عليهم  المكتوب المطبوع لأنهم تعودوا ان يستعينوا فى الكلام المذاع بالنبرة والسكوت وتموجات الصوت ويركنوا في الممسرح منه الى الحركة والهيئة والحضور ويلتجئوا فى المتلفز والسنمائى الى تقنيات معقدة ومعادات لا يفهمها الا اهل الاختصاص من ضوء وتاطير وتلاعب بالصورة وغيرها . لهذا يمكن ان نقول ان هناك ادبا إذاعيا ومسرحيا ومتلفزا وسنمائيا ولكنه انطلق من كتابة اذاعية ومسرحية ومتلفزة وسنمائية ليست معبرة تمام التعبير الا اذا ارتكزت على  أداتها الاصلية الناقلة لها .

أما الإدب او الإنتاج الادبي الذي نعنيه فهو المقروء أى الذي لا يحتاج الى سند آخر بل يكتفى بمقوماته الاساسية الذاتية ولا يستعين بغير الحروف وأشكالها ليوحى بالنبرة والإيقاع وتموجات الصوت . وكانت عبقرية العرب البارزة فى شعرائها وخطبائها فى أول الامر هي انهم تمكنوا من أن يضمنوا كلامهم الابداعي الشفوى كل خصائص الكلام المكتوب المقروء وربما كان هذا توقهم إذ توج بالقرآن الكريم الذي هو الكتاب قبل شئ  

لهذا فان الإنتاج الادبي الذي نعنيه هو المكتوب المقروء أى المتميز بكل مقومات الكتابة ولا تضيع في طياته ما أراد أن يبثه الكاتب من ايقاعات ونبرات  و نفس حي . وعلي هذا الاساس فان المتبع للامسيات الشعرية ، لا فى تونس بل في جل الاقطار العربية ، يعجب فى بعض الاحيان اذا لم يكن منتبها تمام  الانتباه من أنه سمع قصيدة سواء كانت عمودية أو حرة أو من غير هاتين

الفصيلتين وأحبها ولم يرفضها ثم هو عندما يقرؤها مكتوبة لا يجد فيها كل تلك الحيوية والروح الشعرية اللتين تشبعت بهما . لماذا ؟ لان الشاعر في واقع الامر لم يكن قادرا على الكتابة الصحيحة المقروءة بل هو اعدها لتلقى على الركح فقط . ومن هنا اجاز كثير من الذين حشروا أنفسهم فى زمرة الشعراء ما لم يجزه لا القدامى ولا المحدثين وسهلت عليهم دخول هذه الفجوة وسائل التعبير الاخرى خاصة وان الجمهور يميل الى هذا النوع الجديد من التعبير ويرضاه لنفسه لأنه لا يحمله كثيرا من الجهد ولا يطلب منه عناء كبيرا .

وقل مثل ذلك فى غير الشعر فهناك من القصص ما هى معدة فى الواقع لتذاع أو تلقي ومن المسرحيات ما هيئ ليمثل لا ليقرأ ولهذا تجدها خالية من الطابع الذي ألفه الناس في الادب الاصيل المكتوب سواء كان قديما أو حديثا وهو ان يصمد أمام القراءة الاولى والثانية والثالثة والى ما لا نهاية له وان تأخذه الذاكرة بدون عناء وتردده من غير أن يترهل ولا ينقص من بريقه  وبهجته شئ .

فالكتابة إذن بهذا المفهوم هي التى نعنيها سواء كانت مقالة أو قصة أو شعرا أو مسرحا ولهذا سمى الاتحاد الذي يجمع اصحاب هذا الانتاج فى تونس اتحاد الكتاب التونسيين لا اتحاد الادباء وهي تسمية دقيقة ربما خفيت عن الكثيرين من الشبان وهى تقتضى لا محالة شيئا من التضييق النظري الذي لم يجد الاتحاد بدا - والواقع على ما هو عليه - من تجاوزه والالتجاء الى نوع من المرونة المرة .

واذا كانت الكتابة الحق هي رفض للواقع ونقد له وتجاوز دائم لمقتضياته فى روح تحدوها الحرية والصدق والاخلاص والعقوبة وبقدرة عمادها الجهد والتعامل مع أقدس ما خص به الانسان الا وهو الكلام بأنها ترفض رفضا باتا ان تلجأ الى وسائل غير وسائلها والى مقومات غير مقوماتها الذاتية فتستحيل عند ذلك الى نوع من اللغو الذي لا يقرأ وضرب من الكلام لا يفهم على وجهه الصحيح عندما يطبع .

فالتقييم اذن يجب أن يتجه اولا وبالذات هذا الاتجاه ونقول قبل ان نغوص فى المحتوى : هل الانتاج الادبي الذي بين ايدينا والذى ندأب على نشره هل هو كتابة أم شئ اخر ؟ هل هو معد ليلقي - ولا أقول يلقى به - أو يمسرح أو  يذاع أو يتلفز وغايته هي أن يركب هذه الوسائل أو هو انتاج معد ليقرأ في  اعتماده على مقوماته الذاتية .

اعتقد ان الإتجاه فى التقسيم نحو هذا المسلك يفتح أبوابا كثيرة تجنب  خاصة الشبان المتاهات ويجعلهم يقلعون عما وقع فيه كثير من الادباء الذين اشتهروا بركوب وسائل تعبير اخرى وحرفوا ماهية الكتابة الحق وجعلوها  تخدم أغراضا غير شريفة ودفعوا بها فى مسالك إيديلوجية وسياسية عرجاء  لا تخدم الادب الصحيح ولا شرف الكلمة السامية .

ورأيى ان هذا الموضوع جد خطير وهو محتاج لبلورته الى ان يتصدى له عدد كبير لا من أهل الذكر فحسب بل من القراء الذين اكتسبوا حدسا ودربة كبيرة فى تحسس الآثار الأدبية الممتازة ولهذا فانى ادعو القراء الكرام من  اهل الذكر وغيرهم لابداء رأيهم في هذه القضية وإنارة الجميع فى شأن  موضوع اعتبره أساسيا فى مسيرتنا الأدبية .

اشترك في نشرتنا البريدية