ما فتئنا على صفحات هذه المجلة ندعو الى الحوار بين الثقافات والتواصل الحضارى بين الامم وخاصة بين الغرب والشرق لان ذلك فى اعتقادنا هو السبيل المثلى الى تآلف بنى الانسان وتآخيهم وتعاونهم حتى يزول من وجه البسيطة ما يلاقونه من محن الحروب السخنة المدمرة والحروب الباردة المتمثلة فى الاستعمار والامبريالية والعنصرية وغيرها من ضروب القهر والعبودية . وإن هذا الحوار وهذا التواصل يتخذان أشكالا عديدة من بينها ما تقوم به الموسوعات من نشر للمعرفة بدون مراعاة لحدود المكان والزمان ولا اقتصار على جنس دون جنس أو قارة دون أخرى . إذ هى (( ليست جرائد تعتمد الاثارة أو مجرد خزانات للمعارف بل هى على غرار موسوعة (( دالمبير )) و (( ديدرو )) وسيلة لتكوين الآراء يستقى منها الطلبة والباحثون المعارف بكامل الثقة لانها تعتبر بمثابة كتب علمية ومراجع ثابتة )) ( 1 ) . لكن الذى لاحظناه فى الموسوعات الغربية سواء القديمة منها أو الحديثة لا يتماشى فى الغالب مع الأمانة العلمية بالنسبة الى كل ما يتعلق بالعالم العربى الاسلامى . ففيه ظلم واضح للحضارة العربية الاسلامية وفيه غمط للدور الذى قامت به هذه الحضارة فى تقدم البشرية وازدهارها . نعم لاحظنا فى هذه السنوات القليلة بعض الانصاف فيما صدر من الموسوعات مثل ذلك ما رأيناه بالنسبة الى تاريخ الانسانية ( 2 ) الذى أصدرته منظمة اليونسكو . ولكنه أيضا فيه إنصاف أكبر لآسيا وللبلدان الاشتراكية إذ نجد فى الهوامش تعاليق لعلماء من هذه الاقطار يصوبون الآراء التى
يعتقدونها مجحفة فى حق شعوبهم بينما لا نجد ذلك معمولا به بالنسبة الى العالم العربى الاسلامى . فقد أوكلت فى الغالب الكتابة عنه الى مستشرقين تكيفت عقولهم بالموسوعات القديمة والنظريات الشائعة فى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وليس فى وسعهم ان يتخلصوا منها بسهولة . وكأن الناشر أو اليونسكو اعتبر أن ذلك هو العلم الصحيح الذى لا يقبل التعليق ولا المناقشة فى المعنى الاولى لدائرة المعارف (3) باعتبارها (( تتصور المعرفة شاملة مدورة ولها نهاية )) وتتخيل (( التعليم دائريا يشمل الدائرة الكاملة للمعارف )) فهى ثابتة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها . ولا فائدة فى التأكيد من أن هذه النزعة باستمرارها فى تحريف تاريخ الشعوب وتشويهه واظهار بعضها فى مظهر غير لائق بها ولا مطابق للحقيقة من شأنها أن تجعل هذه الموسوعات التى تتداولها أجيال وأجيال من الاوروبيين تخدم فى الواقع الاستعمار المقنع او العنصرية او الامبريالية ولا تعمل على محو ما يقاسية العالم من خلافات ونزاعات وحروب وإحن .
ومن الموسوعات ذات القيمة الكبيرة الصادرة أخيرا باللغة الفرنسية موسوعة Encylopaedia Universalis ( 20 جزءا ) قد حاول أصحابها أن يكونوا موضوعيين الى أقصى حد وتحروا كثيرا بحيث أننا نلمس إنصافا للحضارة العربية الاسلامية بذكر البلدان والاعلام بصورة أوفى مما لم نجده فى الموسوعات الأخرى . غير ان المدقق للامور يظفر بهنات تتعدى الخطأ البسيط أو إخفاء الحقيقة بل تصل الى حد قلب الحقائق ونية التحقير والتشويه .
لنأخذ فى هذه الموسوعة مادة (( البلاد التونسية )) ماذا نجد ؟ خصصت عشر صفحات من القطع الكبير تداول على كتابتها خمسة من الباحثين منهم تونسى واحد وهو حافظ ستهم . وليس لى ما أعلق على كل ما كتبوه لأن ذلك ليس من اختصاصى وإنما الذى لفت إنتباهى أمران :
أولا : إغفال كل ما يتعلق بالادب والفنون . وهذا يكاد يعمم على جل الاقطار العربية ربما بدعوى أن مادتى (( عربية )) أو (( إسلام )) تناولتا هذه المواضيع ولكن رغم هذا فان قارئ الموسوعة لا يمكن له أن يتصور واقع الادب والفنون فى كل قطر .
ثانيا : التوطئة القصيرة التى اعتادت الموسوعة أن تصدر بها كل مادة جاءت غريبة غرابة تامة . إذ كتب الجزء الخاص بتونس المستقلة حافظ ستهم فأتى موضوعيا يعطى فكرة واقعية عن البلاد التونسية فى الفترة الحالية وكتب الجزء الآخر جون قانياج ( Jean ganiage ) فادعى ادعاءات لم أكن أتصور أن جامعيا مثله يحترمه الاساتذة التونسيون ومايزالون يتتلمذون عليه يمكن له أن يقول ما قاله قال : (( أكسب نظام الحماية البلاد نصف قرن من الازدهار . فكان الفرنسيون يتباهون باحياء تقاليد رومة الامبراطورية . لكن النظام الذى نخره المد الوطنى لم يتمالك قواه عند انهيار فرنسا عسكريا . ذلك أن فرنسا ضحت بمحميتيها للابقاء على مدينة الجزائر . غير ان استقلال [ تونس ] لم يحل المشاكل الناجمة عن التضخم السكانى . فبقيت البلاد التونسية باقتصادها المتداعى تتخبط اليوم فى خضم من الصعوبات الناتجة عن البؤس والتخلف )) (4) .
هذا ما قاله هذا (( العالم )) بكل بساطة ووثوق نفس ولعله من الاكيد بل من الواجب ، قبل الادلاء بأى استنتاج أو التعليق على هذا الجزم (( العلمى )) ، الاصداع بحقائق لا يمكن لهذا (( العالم )) أن ينكرها وخاصة اذا أتت بشهادة من أساتذته الكبار أو ممن لا يمكن أن يشك هو نفسه فى نزاهتهم وصواب علمهم .
ألم يعلم (( المسيو قانياج )) أن تقاليد رومة الامبراطورية التى كان يتباهى بها الفرنسيون إنما هى حصيلة تلك (( السلم الرومانية )) التى دفعت ثمنها الباهض شعوب افريقيا الشمالية فقد قال شارل أندرى جوليان : (( لقد حق لألبرت دى بروى أن يقول : جرت عشرة قرون من الفساد وثلاثة من الحكم الاستبدادى هذا المجتمع القديم الى حالة من البؤس المعنوى والمادى والى منزلة اقتصادية إن صح استعمال هذه العبارة العصرية أصبحت معها جميع القوانين حبرا على ورق وفى كلمة وجيزة فان رومة كانت منذ أربعة قرون
تخرب نفسها بنفسها بلا انقطاع وقد جر إفلاسها المالى الى إفلاس جميع مواردها السياسية . واذا قدر لمجتمع ما أن يصبح عاجزا عن سد حاجاته بنفسه فانه يعجز عن الدفاع عن كيانه أمدا طويلا )) (5) .
وقال شارل أندرى جوليان (( قد نخر الاستبداد المجتمع بتثبيط العزائم الصادقة وبتخضيد شوكة ذوى البأس فصار لا يرد الفعل . قال ف . لوط : (( أتاحت الإمبراطورية لعالم الحوض المتوسط السلم . فمدنت أهالى غوليا وبريطانيا واليريا المتوحشين وكذلك الموريين والنوميديين فى الغرب . إلا أن ثمن هذه الخدمات الجليلة كان باهضا جدا ، فقد أحدث الاستبداد فى نفوس السكان خمولا واستسلاما بلغا حدا من الخطورة يجوز معه للمرء أن يتساءل عما اذا لم تكن السلم بمثل هذا الثمن من احقر الهدايا وأسوئها )) واذا كانت قيمة الشجرة بثمارها فان ثمار السلطة المطلقة الرومانية بالغة المرارة ، لقد كان مآل الإستعمار الرومانى الافلاس الشنيع الذى كان ضحيته سكان المقاطعات . وما قاله س . جوليان عن بلاد غاليا ينطبق على إفريقية . ولولا هذه الاطلال المتراكمة التى خلفتها زحفة بنى هلال والتى تأخذ بالباب المتأمل فيها لكان إعجابنا بما قام به الرومان دون ما نشعر به الآن نحوهم )) (6) .
هذه هى إذن نتيجة التقاليد التى كان يتباهى بها الفرنسيون واذا كان يعنى (( الموسيو قانياج )) بما كسبته البلاد من ازدهار ما وصلت اليه الجالية الفرنسية من ثراء فاحش نتيجة الاستغلال فهو على حق إذن . وليقرأ معى ما كتبه شارل أندرى جوليان فى كتابه : إفريقيا الشمالية تسير عن الاوربيين . (( فهم 239.549 فى تونس ( سنة ١٩٤٦ ) مقابل 3.280.952من الاهالى ... إلا أن لهم تأثيرا قويا جدا لما يتمتعون به من تأييد مستمر من قبل ادارة ليس عليها إلا نزر قليل من المراقبة ونعنى بذلك على الاصح أولئك الذين سموا أنفسهم بالمتفوقين وهم كبار المعمرين ورجال الاعمال . فهم بالنظر الى عددهم يعمرون كثيرا من الاراضى وأكثرها خصبا : فى تونس 777.000 هكتار محترث من جملة 3.500.000 تعمرها 6.100 عائلة ... وفى تونس جميع المناجم على ملك الدولة عدا الفسفاط المعتبر من جملة المقاطع على أنه تم إقطاعها الى
الشركات )) (7) ولم يقل شارل أندرى جوليان أن هذه الشركات خاسرة دائما وأن ميزانية الدولة التونسية أى الاموال المجتباة من الشعب تسدد ما يصل الى جيوب أصحاب هذه الشركات من أموال .
وهذا شارل أندرى جوليان نفسه يتحدث فى كتاب آخر (( المعمرون الفرنسيون وحركة الشباب التونسى )) عن هذا (( الازدهار )) الذى يتبجح به (( المسيو قانياج )) يقول بالنسبة للعشرية الاولى من القرن العشرين : (( ولم تول الادارة نفس العناية لا لحماية الصناعات التقليدية من مزاحمة المنتوجات الصناعية المستوردة أو المصنوعة فى البلاد نفسها ولا لصيانة الملكية العقارية من تطبيق حق الملكية المطلقة المحظوظة ومضاربات الشركات الخفية الاسم وكبار الملاكين المتغيبين عن أراضيهم الى سنة 1892 ثم الاستعمار الرسمى مما أدى الى إقصاء عدد كبير من صغار الفلاحين والخماسة وجعلهم أجراء . ولقد لاحظ المؤرخ والادارى شارلتى سنة 1907 وكان ملاحظا بصيرا بالامور أن الحضور الفرنسى أطاح بالهياكل التقليدية للحياة الاقتصادية وأن ظروف عمل الاهالى كانت تقودهم حتما الى الموت السريع وأنه من الصعب جدا على ما يظهر ، التنبؤ بمآل السكان العاملين رغم انخفاض أجور اليد العاملة )) (8) .
ويقول أيضا فى موطن آخر : (( وكان السكان لا يعتبرون نظام الحماية مسؤولا عن قلب الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية فقط بل عن غلاء المعيشة كذلك إذ تضاعفت الاسعار فى ظرف ربع قرن )) (9) .
وقال البشير صفر للمقيم العام فى 20 مارس 1906 بمناسبة الحفل الرسمى لتدشين التكية وهى مأوى العجز الذى انشأته جمعية الاوقاف : (( إن البؤس
عم قسما كبيرا من مواطنيا بسبب تدهور تجارتهم وصناعتهم والكف عن تشجيع اليد العاملة المحلية فى الاشغال العامة والخاصة وانتزاع الاراضى وغيرها من الإسباب )) (10) .
وقال الأصرم فى المؤتمر الاستعمارى المنعقد بمرسيليا من 5 الى 9 سبتمبر 1906 : (( فالصناعات القليلة التى لا يزال يتعاطاها الاهالى فى المدن أصبحت فى حالة احتضار والمهن التى كان يعيش منها العدد العديد من اصحاب الحرف أخذت تنقرض شيئا فشيئا والمنتوجات الرديئة المستوردة من مصانع فيوم تنال كذلك بصورة تبعث على الخطر من صناعة الشاشية التى كان يرتزق منها 7.000 عامل أو صانع ويؤثر غلاء أسعار الجلد على البلاغى المختلفة الالوان وتقضى مناسفة المغازات الكبيرة على رواج أقمشة الحرير المنسوجة بطريقة قديمة )) (11) .
(( والحالة فى الارياف أشد تعاسة إذ استولى الاوربيون على أخصب الاراضى واستعملوا أكثر فأكثر الآلات الفلاحية بحيث عجز العربى عن أن يستخرج من الارض بصفة مباشرة أو غير مباشرة قوت عياله ويبنى الأصرم على كل ذلك حكمه العام إذ أنه يمكن القول من دون مبالغة بأن الاستعمار هو المسؤول فى البلاد التونسية عن تفقير الاهالى وهو أمر يتجلى فى تكاثر عدد المتسولين )) (12) .
هذا هو الازدهار الذى تتحدث عنه يا (( مسيو قانياج )) ولا أريد أن أمضى أكثر فى وصف حالة التونسيين بعد الحرب العالمية الثانية فقد كفانى ذلك أستاذك شارل أندرى جوليان فى كتابه إفريقيا الشمالية تسير (13) ولكنى أردت بهذه الاستشهادات المطولة تذكير أمثالك ممن ران على ذاكرتهم شئ من الصدأ وأخلدوا الى الاحكام الاعتباطية إرضاء لما يسكن فى نفوسهم من بقايا الحنين الى فترة الاستعمار التى كانوا فيها محظوظين على حساب شعب كان يئن من وطأة نظام هو شبيه حقيقة بنظام رومة الامبراطورية .
ولولا هذا المد الوطنى الذى كاد (( المسيو قانياج )) أن يشبهه بالسوس الذى ينخر الهيكل السليم لقضى على هذا الشعب بل إن نظام الحماية هو
السوس الذى سكن هيكل هذه البلاد وعمل على تقويضه فتصدى الرجال الرجال بقيادة الحبيب بورقيبة (14) لهذا السوس واقتلعوه وأراحوا منه البلاد والعباد .
وإن فى كلمات (( المسيو قانياج )) شيئا من الحسرة والاسف إذ هو يعتقد أنه لولا انهيار فرنسا عسكريا لبقى نظام الحماية قائما . يا لسخف الرجال ألا يعرف هذا ، أن الانهيار هو نتيجة لتلك السياسة الاستعمارية التى امتدت طويلا . وإذا كان صحيحا أن فرنسا ضحت بمحميتيها للابقاء على مدينة امتدت طويلا . وإذ كان صحيحا أن فرنسا ضحت بمحميتيها للابقاء على مدينة الجزائر فهل قدرت الابقاء عليها ( لاحظ أن (( المسيو قانياج )) لم يقل البلاد الجزائرية بل استعمل لفظة مدينة الجزائر على غرار ما كان يقال فى القرن التاسع عشر حطا من قيمة الشعب الجزائرى وتجاهلا له ) .
ثم إنى اقترح على الجامعة التونسية أن تدعو (( المسيو قانياج )) وتنظم له رحلة فى مناطق الجمهورية حتى يعرف أن البؤس والتخلف اللذين خلفهما الاستعمار ولم ينتجا فقط عن التضخم السكانى قد زال منهما الكثير والكثير وان ابناء تونس عازمون على القضاء عليهما . أتمنى أن تتاح الفرصة (( للمسيو قانياج )) لينصفنا إنصاف العلماء العلماء .
وبعد هذا فلست أدرى هل أن (( المسيو قانياج )) سيسمع كلامى هذا ويهتم به ولست أدرى هل أن المشرفين على هذه الموسوعة سيقرؤون ما كتبت فيتداركوا ذلك فى الطبعة الآتية . ولكنى رغم هذا فانى أدعو وزارات الثقافة والاعلام بالبلاد العربية الى التصدى بجد الى مثل هذه الامور إذ أن ما لاحظته بالنسبة الى تونس يصح فيما كتب عن أقطار عربية أخرى .
فالى متى نبقى مكتوفى الايدى ؟ بينما لدينا طريق عديدة للتصدى الى مثل هذا بكل ذكاء وحكمة .
والى متى ستبقى الدوائر المسؤولة فى الاقطار العربية غير قادرة وهى مجتمعة على إعداد موسوعة تترجم الى اللغات الاجنبية الهامة ويشارك فيها علماء الدنيا ؟ ولنا الإمكانيات المادية لتحقيق ذلك .
والى متى سنبقى غارقين فى الاعلام التهريجى والتثقيف السطحى ولا نقدم على جوهرى الامور وهذا من جوهرى الامور الذى يجعل أبناءنا ينهلون من العلم الصحيح ويحمل أعداءنا على احترامنا والتعامل معنا تعامل الند للند .
فحتى متى حتى متى والى متى ... تدوم هذه الغفلة فينا وتجعل القوم لا يرعون .
