انعقد بتونس يوم الاثنين 14 افريل 1980 ملتقى " ابن خلدون والفكر العربى المعاصر " وقد اشرفت عليه المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالتعاون مع وزارة الاعلام والشؤون الثقافية بالجمهورية التونسية وأربع جامعات من ألمع الجامعات العربية وأنشطها
ولا تخفى أهمية هذا الموضوع من حيث مراجعة التراث العربى مراجعة جديدة وخاصة اذا تعلقت بالفكر الخلدوني الذي إن احتاج الى مزيد من التحليل والبحث والدرس فان له ارتباطا كبيرا بالفكر العربى المعاصر
إن حاجتنا متأكدة لمراجعة تراثنا العربي الثرى وتفحصه بمنظار معاصر يستفيد مما وصلت اليه اساليب البحث ومناهج الدراسة فى عالمنا الحاضر ، ويأخذ بعين الاعتبار مشاغلنا واهتماماتنا المعاصرة وما نواجهه من ظروف وتحديات .
ونحن اذ ندعو الى تسخير الجهود لتحقيق هذه المراجعة فانما نهدف لتاصيل كياننا كامة وتعميق وعينا بمنزلتنا في التاريخ ومكاننا من الحاضر كما نهدف الى توضيح رؤيتنا الى المستقبل وما ينبغى أن يكون لنا من دور في بناء الحضارة الانسانية . وربما كان من أوكد مقتضيات هذه المراجعة الجادة مجاوزة المنزع
التمجيدى الذى يقوم على الفخر وقد يفضى الى المغالطة بالرغم مما يمكن ان يتضمنه من تعبير عن الوفاء
ويكتسي فكر العلامة ابن خلدون اهمية خاصة ضمن تراثنا العربي لما انطوى عليه من عناصر الجدة وقوة الريادة واهمية الاكتشاف وما يتحقق فيه من أبعاد انسانية فى مجال تطوير العلوم على المستوى الانسانى.
ولئن تعددت اهتماماته العلمية والفكرية واتسعت ثقافته فشملت اكثر وجوه المعرفة فى عصره فقد قامت شهرته بالخصوص على ابتكاراته فى ما أسماه بعلم العمران البشرى او الاجتماع الانسانى . ولقد كان رائدا بحق فى هذا المجال من مجالات المعرفة الانسانية اذ هو أول من اهتدى الى التفكير فى خضوع الظواهر الاجتماعية او ما يسميه " واقعات العمران البشرى " الى جملة من القوانين أو الاصول العامة التى تحكمها وتوجهها ، وانتهى بذلك الى ادخال دراسة الاجتماع الانسانى فى حيز العلوم الوضعية بعد أن كانت خارجة عن نطاق هذه العلوم واستطاع بذلك أن يؤسس علما جديدا هو ما نسميه اليوم بعلم الاجتماع .
وكان العلامة ابن خلدون مدركا لاهمية هذا الكشف العلمي وجدته ، وقد عبر عن ذلك في المقدمة اذ قال : "واعلم ان الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة ، غزير الفائدة ، اعثر عليه البحث وادى اليه الغوص..." ثم يقول في تحرى العلماء وتواضعهم" وكأنه علم مستنبط النشأة ولعمري لم اقف على الكلام في منحاه لاحد من الخليقة . ما أدري ألغفلتهم عن ذلك ؟ وليس الظن بهم . او لعلهم كتبوا فى هذا الغرض واستوفوه ولم يصل الينا ، فالعلوم كثيرة والحكماء في امم النوع الانساني متعددون ، وما لم يصل الينا من العلوم اكثر مما وصل " (1) .
ولقد كان لهذا الاكتشاف الخلدوني اثره البين فى نظرته الى التاريخ ونقده المتفحص لما نقل عن المؤرخين من قبله اذ وجد فى هذه القوانين أو النظريات مقاييس ملائمة لتخليص البحوث التاريخية من الاخبار الكاذبة التى تتنافى مع
طبيعة الاشياء وترفضها الاصول العامة التى تتحكم فى الظواهر الاجتماعية أو ما يسميه ابن خلدون " بواقعات العمران البشرى " ولقد عقد ابن خلدون فصلا كاملا في مقدمته " لما يعرض للمؤرخين من المغالط والاوهام وذكر شئ من اسبابها" (1)
واستطاع ابن خلدون بهذا المنهج الجديد فى النظر والبحث أن يتجاوز بالتاريخ مرحلة الاسلوب الوصفي الذي يقتصر على ذكر الاحداث ووصفها بمعزل عن كل اعتبار لطبيعة الظواهر الاجتماعية وما يتحكم فيها من قوانين، كما استطاع أيضا أن يجاوز أسلوب الدعاية والوعظ فى نقل الاحداث الى ضرب من الدراسة المعمقة لهذه الاحداث على ضوء قوانين موضوعية شاملة
فقد عاش في غمرة الاحداث السياسية وتقلباتها ، واستأثرت شؤون السياسة بجانب هام من نشاطه وخاصة فى شبابه ولكنه لم ينقطع ، فى الوقت نفسه ، عن ممارسة مهامه كرجل فكر يتابع البحث ويواكب ما يجد في محال المعرفة والدرس ، ويجمع مادته الاساسية من تجربته ومشاهداته الشخصية وممارساته ومطالعاته الواسعة ليسط عليها من عوامل التأمل والنظر والاستنتاج ما يسمح باستخلاص قوانين وقواعد اجتماعية تتصف بالشمول .
ذلك إن ابن خلدون ظهر فى عصر بدأ يتلاشى فيه حلم المسلمين بوحدتهم وشعورهم بالانتساب الى أمة واحدة لما انتابهم من عجز امام احداث جسيمة تبينها ابن خلدون وكانها حتمية فرضها الواقع فرضا : فهذه الاندلس تسقط تحت ضربات حرب الاسترداد التى كان يشنها النصارى وهذا تيمورلنك يكتسح المشرق العربى ويتوغل فى الشام مطيحا بالدول أو الانظمة كما يقال اليوم دولة بعد اخرى ، وهذه دول فى المغرب والمشرق تتداعى وتتهاوى وهذا الحكم العثماني تلوح قوته فى الأفق ويبدأ صراعه مع أوربا .
وينظر ابن خلدون الى ما حوله فيصطدم بجمود الفكر الاسلامى بعد توقده بسبب جمود الكثير من رجال الدين والفلاسفة الذين اكتفوا بما بلغه كبار الفقهاء والمفكرين من شان فى الاجتهاد معتبرين ان الوفاء انما هو فى تقليدهم لا الاجتهاد مثلهم فلقد مضي على وفاة ابن طفيل وابن رشد ما يقرب من قرن وكان ابن خلدون قد أحس بأن قوة الاسلام التى كانت تتحكم فى العالم آنذاك تزعزعت وان اقواما اخرى بدأت تفرض سلطانها وتفتك زمام الامور من ايدى المسلمين.
فكيف لفكر وقاد مثل فكر ابن خلدون ان لا يتساءل عن اسباب هذا التقهقر ولا يتوخى نسقا جديدا من التحليل والبحث يخرج عما دأب عليه من سبقه من الفقهاء والفلاسفة والمؤرخين.
وكيف لهذا الفكر الناقد أن لا يشعر بهذا التفاوت الكبير بين أنساق الفكر المتعارفة وبين هياكل الواقع الماثلة أمام كل ذى عينين وخاصة ما يتعلق منها بمقومات ممارسة السلطة ؟
وكيف لهذا الفكر الممحص ان لا يحتار امام الجهود التى قام بها أمثال الماوردى وابن تيمية لاخضاع الواقع في مجال الحكم الى النظرية فانسابت من اجل ذلك الحقيقة من بين أصابعهم ولم يقدروا على التأثير فى رد احوال المسلمين الى ما قرروه وأحكموا صياغته ؟
لهذا آمن ابن خلدون بالعقل قبل أن يؤمن بأي شئ آخر ، آمن به فى اشرف معانيه وأشمل قيمه معتبرا اياه " دعامة كل الاشياء وأفضل ما رزق الله الانسان ومن به عليه " فسلط أنواره على الواقع وحلله تحليلا موضوعيا وكشف عن الاسباب ومسبباتها من دون أن يستغيث لفهم الظواهر وكشفها بالغيبيات أو الخيال وأصداء الاساطير (1) وأقام بذلك علما جديدا بعيدا عن كل جدل فلسفى عقيم وفكرة غائية مسبقة وليس من غرض له الا فهم الواقع الاجتماعي والثقافى وشرحه من دون تفكير قبلى فى المستقبل.
واهتم ابن خلدون بالخصوص بتحليل مفهوم السلطة كما عاينه بنفسه فى خضم الاحداث التى عاشها وبالنظر الى ما استقراه من احوال الدول الماضية وما اقامه من أسس لتصور جديد للتاريخ فتيقن ان سلطة الدولة لم تقم على الشريعة والدين الا فى الظاهر وانما هى تضافرت عليها عوامل عديدة يمكن ان تجمع فى مفهومين جديدين هما العصبية والعمران وما الدين فى نظره الا عامل من جملة عوامل متشابكة يتكيف سياسيا بحسب كل فترة من التطور البشرى .
وأمام سلبيات الحكم التى تردى اليها امر المسلمين حينذاك ومحاولة ابن خلدون تمحيص واقعه على محك العقل والتجربة يبدو كأن ما قرره فيما يخص السلطة ، قانون ثابت لا يتغير ومصير حتمى على حسبه تنشأ الدول ثم تضعف ثم تنهار .
والواقع هو ان الفكر السياسي العربي الاسلامى لم يقدر فى مجال التطبيق على اقامة الهياكل والمؤسسات المتماشية مع ما اتى به الاسلام فى جوهره من فكرة الشورى والعدالة والمساواة . فبقدر ما دقق الفكر الدينى فى خضم المذاهب العديدة الجزئيات التى يقوم عليها سلوك الفرد في عباداته ومعاملاته فى دنياه وآخرته ، ترك الحبل على الغارب لأصحاب السلطة يكيفون مواقفهم وأساليب حكمهم على حسب مستوياتهم الدينية والفكرية وغاياتهم سواء فى اقامة العدل والشورى او الافراط فى القوة والاستبداد والانفراد بالمجد كما يقول ابن خلدون .
وهذا ما اهتدى اليه الفكر الغربى بعد حروب وصراع مرير وتورات مزلزلة عندما اقام أسس الديمقراطية فى مجال الحكم وضبط القوانين وأخضع الماسكين بالسلطة الى هياكل ومؤسسات تقيد اعمالهم وتراقب عن كثب تصرفاتهم .
ولهذا امكن لكثير من الأنظمة التى تنبأ لها الفلاسفة والايديولوجيون بقرب نهايتها وتلاشيها ان تعدل أساليب حكمها وتقضى على الآفات التى تنخرها
وتحد من ويلات الفساد الضارب فيها وذلك بارساء الهياكل والمؤسسات الديمقراطية وتجنب الصراعات المفضية الى التناحر وسفك الدماء والحروب واختبار الرجال الإكفاء القادرين على مواجهة الواقع بكل شجاعة وحنكة وجأش .
و هكذا فانه يحق لنا أن نجزم أن ابن خلدون كانت له القدرة والجرأة على فهم ما تردى اليه العالم العربي الاسلامي آنذاك وهو عمل علمي جليل كان نواة لعلم جديد بلوره الغرب فيما بعد وقننه . ونحن محتاجون الى فكر قوى مثل فكر ابن خلدون لفهم واقع العالم العربي الاسلامى وتمحيصه بعيدا عن الايديولوجيات المستوردة ومقتضيات الساعة لغاية واحدة هى معالجة الأوضاع واقامة مجتمعاتنا على أسس من العدل والحرية واستقامة الحكام ونظافة أيديهم وتعففهم عن الغرور والأنانية وتجنبهم الديماغوجية والأحقاد مما يضمن لها الاستقرار والمناعة .
ولعل اهم ما نرثه عن ابن خلدون هو منهجه العلمي فى التحليل والاستنتاج . وليس من شك فى انه لو لم يغمر غبار التاريخ مقدمة ابن خلدون خلال عصور الانحطاط لأمكن للعالم العربى أن يستعيد وعيه قبل قوات الآوان . ولقد قاسى ابن خلدون فى سبيل أفكاره من عنت الانتهازيين ومن جهل الظلاميين الذين ساعدوا على الزج بأمتنا فى ضباب القرون ، فضرب بذلك لنا مثالا للمثقف الواعي الذي صدقت رؤيته فناضل وجاهد .
وانه لمن دواعي الاعتزاز أن نلاحظ ان العلامة ابن خلدون قد أسس علم الاجتماع الانساني وانتهى الى ما انتهى اليه من نظريات فى هذا المجال بناء على تحليله المعمق لتاريخنا العربى الاسلامى
الا ان وفاءنا لابن خلدون لا ينبغي ان يقتصر على اعطائه ما يستحقه من درس واحلاله المكانة المرموقة فى تراثنا المجيد ، بل يحق لنا أن نناقشه بعض نظرياته ، من ذلك مثلا قوله بالحتمية التاريخية التى سبق ان اشرنا اليها والتي تقدر ان الحضارات تنمو وتبلغ اوجها ثم تأخذ فى التدل والسقوط ذلك انه يتعين علينا كمثقفين مسؤولين ان نتدارك الاسباب فننفي تأثيراتها السلبية ، وان نتخذ بازاء الاحداث الموقف البرومثيوسى الارادى المناضل
فمصيرنا ينبغى ان يبقى بأيدينا ايمانا منا باننا أقوى من العراقيل مهما كانت . ان القوانين الاجتماعية التى سطرها ابن خلدون ونحا نحوها بعض مفكرى الغرب فيما بعد ، لا يمكن أن تبقى ثابتة لا مناص منها . وان معارضتنا للحتمية التاريخية كما رآها ابن خلدون لتتصدى ايضا لكل الحتميات الاجتماعية الاخرى كالحتمية الماركسية التى تؤكد حرب الطبقات وتعلن عن قرب انتصار ديكتاتورية البروليتارية . ان وعي رجال السلطة والمثقفين عموما بمسؤولياتهم وتمسكهم بمكارم الاخلاق وقدرتهم على ان يكونوا قدوة فى اقوالهم وخاصة فى أعمالهم هي وحدها الكفيلة فى نظرنا باستئصال اسباب الانحطاط الذي يصيب الانظمة السياسية والمجتمعات عامة .
وهكذا فنحن اذ نحتفل بابن خلدون ونعتز به انما نعبر عن وفائنا الاصيل لخير ما جاءت به مدرسته ، أى الاجتهاد الجرئ وتسليط العقل على واقعنا والتمسك بايجابية الفعل لتغيير ما بنا استيحاء من قوله تعالى : "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
وإننا إذ نجدد الشكر للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والجامعات الشقيقة التى ساهمت في مزيد التعريف بتفكير ابن خلدون ، نؤكد أن تونس العربية المسلمة لا تزال وفية لروح ابن خلدون آخذة بأسباب العصر عامة نصرة الانسان منذ أن مسكت بزمام امورها بعد كفاح مرير ضد الاستعمار خاضه الشعب التونسي بكل بسالة وتصميم بقيادة المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة الذى استلهم فيما استلهم عبقرية ابن خلدون عندما جعل النهوض بالانسان اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا عماد سياسة التنمية التونسية متخذا من الايمان منبعا للسلوك المثالي ومن العقل اماما ومن العلم نبراسا ومن النقد النزيه الجرئ محكا للعمل ومن الاجتهاد سبيلا نحو التحكم فى المصير.

