الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ, الامة العربية الاسلامية واسباب مناعتها وقوتها

Share

قرات بجريدة لومند (1) فى ركنها القار " يوما بيوم " وتحت عنوان " قرون وسطى " ما يلى :

" اختار العالم الاسلامى أن يحيى رأس السنة عنده بصورة مشهودة : من احتجاز رهائن لا فى طهران فقط بل فى مكة أيضا ؛ ومن مظاهرات ضد أمريكا فى إيران طيلة هذه الأيام ، واليوم فى باكستان . ويتحدث الناس عن التصب الدينى عند المسلمين ولكن يجب أن لا ننسى أنهم دخلوا القرن الرابع عشر للهجرة . وهذا التاريخ كان ، حسب الرزنامة المسيحية ، علامة لانتهاء الحروب الصلبية الكبرى ، والانفصال بين الغرب والشرق [بالنسبة للكنيسة] وللحروب الدينية ... ولكل قرونه الوسطى " . ( آلان وودرو )

فى هذا الركن الذى يتداول عليه كتاب من مستوى عال ويتناولون فيه كل يوم وبايجاز بليغ أحداث العالم فى هذه الجريدة المرموقة عالميا ، وبهذه العبارات القليلة الدقيقة الموزونة يتجلى بالضبط رأى الغرب فى العالم الاسلامى عربيا أو غيره .

والفكرة السائدة هى أن العالم الاسلامى يتحرك لا محالة وبعنف وأن التعصب الدينى هو قسمته وحظه لأنه يعيش قرونه الوسطى أى فترة الظلام والجمود وضيق النظر وبطلان التسامح ولهذا فهو جدير بالرئاء إن لم نقل بالاحتقار .

وأكثر من هذا فان أخطر ما يقصده هذا المعلق ويريد ضمنيا ان يسلم به قارئه هو أن العالم الاسلامى ، وهو يعيش اليوم قرونه الوسطى ، قد مر حتما بعصور الوحشية . وبهذا يضع بين قوسين فترة الازدهار الحضارى الذى أشعت به مدنية الاسلام على العالم بأجمعه .

هذا هو الرأى السائد عن الاسلام والمسلمين فى العالم الغربى ولم يشذ عن ذلك إلا القلة القليلة من العلماء والمثقفين الذين لم يقدروا الى اليوم على

تغيير ما تراكم فى الأذهان من الحقد والبغض والتعصب نتيجة ما مرت به أوروبا من قرون وسطى حقيقية . وكان آنذاك العالم العربى الاسلامى فى أوج ازدهاره . ولست أدرى بماذا علق هذا الكاتب عندما علم بمجزرة فوييانا فى تلك الهستيريا الجماعية التى لم تعرفها القرون الوسطى ؟ وماذا يفكر فى المجازر المتكررة التى تكتسح ايطاليا يوميا ؟ أو ماذا يقول عن الحرب الدينية المستشرية فى ارلندا منذ سنوات وآخر ضحية لها اللورد منتباطن قريب ملكة انقلترا ؟ وهل يضع بين قوسين ماى 1968 بفرنسا ؟ وهل يغمض عينيه أمام أكبر مظلمة قام بها الغرب فى عصور ازدهاره وهى تشريد شعب كامل من أرضه ألا وهو الشعب الفلسطينى ؟

ولست أدرى أيضا كيف سيعلق على ما أسفرت عليه قمة الرؤساء والملوك العرب المنعقدة فى تونس من 20 إلى 22 نوفمبر 1979 ؟ إنه سيسكت لا محالة لأنه سيستشف من وراء مقررات هذه القمة عزيمة الأمة العربية الاسلامية لتجاوز هذه السلبيات لا فى القرارات السياسية فحسب بل فيما يخص رفع التحد الحضارى إذ أوضح " المؤتمر أن وحدة العمل العربى المشترك فى جميع المجالات لانشاء المؤسسات العربية والاخذ بأساليب التقنية الحديثة ضرورة لا يد منها لمحابهة التحديات والأخطار التى تتعرض لها الأقطار العربية وكذلك لبناء مستقبل أفضل بتوفر فيه المزيد من أسباب العزة والكرامة والمناعة للأمة العربية " (2) .

وهذا بالضبط ما عناه السيد رئيس الجمهورية التونسية بعبارة " كسب الرهان الحضارى " وأشار بصرريح العبارة الى " أنه من أوكد واجبات الدول العربية أن تتجه عنايتها الى تكوين الأجيال الصاعدة تكوينا يجعلها تنهل من العلوم الحديثة وتسيطر على التكنولوجيا بما يكسبها القدرة على متابعة حركة التطور والمساهمة فيها بنصيب متزايد . فقضية تحويل التكنولوجيا لا تحل عن طريق الخبراء الأجانب وإنما حلها الوحيد بتكوين الأدمغة العربية التى تستطيع أن تضطلع بمسؤوليات التنمية فى مستوى التخطيط وفى مختلف مراحل التنفيذ " .

ويظهر أن عزيمة العرب متجهة إلى كسب هذا الرهان الحضارى ومقتنعة أشد الاقتناع بضرورته وهى مدعوة الى توفير الاسباب المفضية اليه من تعليم وتكوين وغيرهما . غير أنه لا يمكن كسب هذا الرهان إلا باجتياز عقبتين تظهران لا رابط يربطهما بما نحن فيه ولكن هما صلب موضوعنا وجوهره .

فالعقبة الأولى هى أن جل المجتمعات العربية الاسلامية بحكم ما ران عليها اثناء عصور الانحطاط من تخلف وجهل وجمود لا تحتضن بسهولة علماءها ومثقفيها ولا توفر لهم المناخ الملائم للخلق والابتكار ولا تبوئهم المكانة اللائقة لهم . ولهذا فان الكثير من العلماء والمثقفين العرب أطباء كانوا أو مهندسين أو كتابا أو رسامين أو غيرهم استطابوا العيش فى المجتمعات الغربية ووجدوا الظروف الملائمة لتفتيق مواهبهم العلمية أو الابداعية ربما هروبا من نضال لا يقدر عليه الا الواحد فى الألف فى الأوطان . ولهذا فانه قل أن يجد مبتغاه طالب مجد عن طريق العلم والمعرفة إذ المجد في المجتمعات العربية الاسلامية لا يأتى غالبا إلا عن طريق السياسة أو المال .

ولهذا فان اجتياز هذه العقبة لا يكون إلا بتهيئة المناخ لهؤلاء الذين آثروا الهجرة الحسية وحتى المعنوية فى كثير من الاحيان . وهذا لا تقدر عليه الا السلطة السياسية بتوفير الامكانيات المادية والمعنوية وخاصة منها ما يتعلق بممارسة حرية التعبير والاصداع بالرأى وما يتصل بتمكين هؤلاء من معرفة الجمهور لهم حتى يعتز بهم ويفاخر ويضعهم فى المرتبة اللائقة بهم مثلما هو الشأن فى المجتمعات الغربية المتقدمة .

والعقبة الثانية تتمثل فى شعور الجماهير والنخبة العربية والاسلامية بعظمة الاسلام وحضارته وبنائه رؤية خاصة للكون شاملة لكل مقتضيات الحياة من جهة ، ويتغلب الغرب واغتصابه لدخائل الانسان العربى والمسلم الى حد الاستلاب من جهة أخرى . وهذا التمزق بين هذين الشعورين أحدث ثنائية لم يقدر العالم العربي والاسلامى على تجاوزها والخروج منها . وهى تمثل وجها مأسويا من أزمة الفكر العربى الاسلامي ما يزال ينتاب الأفكار والعقول منذ النهضة الاولى ولم يجد من الفلاسفة والمفكرين والمصلحين من أقدم على حل هذه المعضلة وواجهها بكل شجاعة وأعمل فيها الاجتهاد وجعل منها نسقا فكريا وفلسفيا يعتمد لحل الجزئيات والتفاصيل اللهم إلا ما قام به بعض المصلحين السياسيين فى قلة من البلدان العربية والاسلامية ( تونس مثلا فى شخص الحبيب بورقيبة ) .

وهذا الوجه المأسوى من الأزمة بحر طام بدأت ملامحه تظهر لا محالة عند اصطدام البلدان العربية والاسلامية بحضارة الغرب ولكن منطلقه برز مع ظهور الاسلام نفسه عندما عجز المسلمون عن تطبيق مبادئ الاسلام فيما يخص نظام الحكم بإيجاد المؤسسات والهياكل التى تضمن استمرار الحكم على قواعد الشورى واخيتار الأتقى والأفضل والأنقى والأقدر .

فبينما أوجد الخلفاء الراشدون وبعدهم الفقهاء باستنادهم الى مبادئ الاسلام كل الأجوبة عن متطلبات الحياة الجديدة للمسلمين فيما يخص العبادات

والمعاملات ( ضبط عمر القانون الجزائى والوراثة والقصاص وأوجد تنظيما ماليا وحكما للدولة الإسلامية مثلا ) فانهم لم يقدروا على اختيار نظام للحكم فى أعلى مستوى يتجاوب مع قيم الاسلام فى نظرته للفرد والجماعة ووصل بهم انطاف الى إيجاد مفهوم للحكم تمثله الخلافة التى لم تكن الا ملكا عضوضا مرا مغلفا بقشرة مستساغة مطعمة بالدين .

ودامت حيرة المسلمين طويلا فى هذا الشأن وكانت سببا فى الثورات والفتن ثم الانحطاط وهى الآن مشكل المشاكل بالنسبة الى الثورة الإيرانية مثلا التى ترفض أساسا كل مفاهيم الحكم المتأتية عن الغرب الذى أجاب فى الواقع بكل التفاصيل والدقة ، بعد ثورات وفتن وحروب أيضا ، عما يتطلبه الحكم من ضمانات للفرد والجماعة من أجل الحرية والكرامة والازدهار .

وإنى أسوق هذه الحكاية التى جرت زمن الخليفة العباسى المأمون لأدلل على أن هذه القضية من مجموع الأزمة المذكورة هى باقية الى اليوم بالنسبة الى الأقطار العربية والإسلامية فى جلها إن لم أقل كلها : " روى أن المأمون كان يوما فى مجلس مذاكرته إذ دخل عليه على بن صالح الحاجب فقال : يا أمير المؤمنين رجل وقف بالباب وعليه ثياب غلاظ مشمرة يطلب الدخول ، فعلمت انه بعض الصوفية . فقال : إئذن له . فدخل رجل عليه ثياب قد شمرها ، ونعله فى يده ، فوقف على طرف البساط ، ثم قال : السلام عليكم ورحمة الله ! فقال المأمون : وعليك السلام ! قال : أتأذن لى فى الدنو اليك ؟ قال : أدن ، فدنا ، ثم قال : اجلس ، فجلس ، ثم قال : أتأذن لى فى كلامك ؟ قال له المأمون : تكلم بما تعلم إن كان لله فيه رضى . قال : أخبرنى عن هذا المجلس الذى أنت فيه ، جلسته باحتماع من المسلمين عليك ورضاء بك ، أم بالمغالبة لهم والقوة عليهم بسلطانك ؟ قال : لم أجلسه باجتماع منهم ولا مغالبة لهم بل كان يتولى أمر المسلمين سلطان قبلى احتمله المسلمون ، إما على رضي وإما على كره فعقد إلى ولآخر معى ولاية هذا الامر بعده باتفاق من حضره من المسلمين وأخذ على من حضر بيت الله الحرام - من الحاج - البيعة ولآخر معى ، فأعطوه ذلك إما طائعين وإما كارهين ، فمضى الذى عقد له معى على السبيل التى مضى عليها . فلما صار الامر الى علمت أنى احتاج الى اجتماع كلمة المسلمين فى مشارق الارض ومغاربها ، بل على الرضى بى . ثم نظرت فرأيت أنى متى خليت على المسلمين أمورهم اضطرب حبل الاسلام ومرج عهدهم ، وانتقضت أطرافهم وغلب على الناس الهرج والفتنة ووقع التنازع ، فبطلت أحكام الله ولم يحج أحد بيته الحرام ، ولم يجاهد الناس فى سبيله ، ولم يكن لهم سلطان يسوسهم ويجمعهم ، وانتقضت السبل ولم يؤخذ لمظلوم من ظالم فقمت بهذا الامر ، حياطة للمسلمين ، ومجاهدا لعدوهم وضابطا لسبلهم ، وآخذا على

الام

أيديهم قصدا ، الى أن يجتمع المسلمون على رجل تتفق كلمتهم على الرضى به ، فأسلم الامر اليه ، وأكون كرجل من المسلمين ، فمتى اجتمعوا على رجل من المسلمين ورضوا به خرجت اليه عن هذا الامر . فقال : السلام عليكم ورحمة الله ! وقام . فأمر المأمون على بن صالح الحاجب أن يوجه من يتبعه حتى يعلم أين يقصد ، فعمل على ذلك ثم رجع اليه فقال : يا أمير المؤمنين وجهت من اتبع الرجل فمض الى مسجد فيه خمسة عشر رجلا فى مثل هيئته وزيه ، فقالوا : لقيت الرجل ؟ قال : نعم ، قالوا : فما قاله ؟ قال : ما قال إلا خيرا. ذكر أنه ضبط أمر المسلمين حتى تأمن سبلهم ويقوم الحج ويجاهد فى سبيل الله ويأخذ للمظلوم من الظالم ولا تعطل الاحكام فاذا رضى المسلمون بامام واجتمعوا عليه ، سلم الامر اليه وخرج اليه منه . قالوا : لسنا نرى بهذا الامر بابا وافترقوا : قال يحيى ابن أكثم [ كان قاضيا وفقيها ] : فأقبل المأمون وقال لى : يا محمد كفينا مؤنة هؤلاء بأيسر خطب ، فقلت : الحمد لله علم ما ألهمك من السداد والصواب فى القول والفعل " (3) .

هذه هى إذن مأساة العرب والمسلمين منذ أول أمرهم ، غير أن المسلمين لقرب عهدهم بالرسول والخلفاء الراشدين وجدوا فى الدين وازعا مكنهم من تنظيم حياتهم وبناء حضارتهم ولكن لما اختلطت السبل وضعف وازع الدين كان الانحطاط والتدهور .

والآن ، وأهل الحل والعقد من المسلمين لم يوجدوا قديما ما يسد هذه الثغرة مثلما فعله الغرب يسن الدساتير والقوانين الضامنة للديمقراطية وحرية الافراد فانه ليس لنا إلا أحد أمرين : إما أن يسن أهل الحل والعقد من المسلمين دستورا منبثقا من الاسلام تطبقه الأقطار العربية والاسلامية عن رضا منها واقعنا وإما أن نأخذ عن الغرب فى هذا المجال ما به الحاجة لنضمن الديمقراطية والحرية فى بلداننا ونبعد عن مجتمعاتنا الظلم والمحسوبية والحكم المطلة والدكتاتورية وهى آفات لا يطفو بسببها على سطح الحكم الا الانتهازى والمغامر والمستهتر بالقيم .

وهكذا فان العالم العربى والاسلامي ، لا يمكن له أن يكسب الرهان الحضارى ، إلا إذا عمل على الأقل على اجتياز هاتين العقبتين ولا إخال الامة العربية الاسلامية إلا قادرة على ذلك .

اشترك في نشرتنا البريدية