فى هذه الايام تستعد وزارة الشؤون الثقافية لفتح ملف الثقافة بقطاعاتها المتعددة وقد تكونت لجان مختلفة لتنظر الى ما يجب القيام به فى هذا الحقل من النشاط الهام الذى أصبح بمثابة الخبز اليومى فى شعب سار شوطا كبيرا في مجال التعليم والتثقف .
ولا يخفى ما لهذا الظرف من أهمية بالنسبة الى بلادنا وهى تتحفز لضبط مخططها السادس وتدخل بكل جد منعرجا جديدا فى التنمية الشاملة وفى الحياة السياسية بصورة عامة وهذا يقتضى ان تكون الثقافة عنصرا أكيدا من عناصر هذه التنمية يندرج في تناسق تام مع مختلف قطاعات الحياة فى البلاد بل انه يمكن القول بأن الثقافة يجب ان تهيئ العقول والنفوس لخوض غمار المستقبل بكل ثقة وحماس أى ان يكون لها السبق لتدفع الاجيال والطاقات لتنتج وتبدع كأحسن ما يكون الانتاج والابداع .
وان كان هذا كله يقتضى بلورة السياسية الثقافية من جديد في العاجل والآجل حسب استراتيجية مضبوطة وخطة متفق عليها فان الامر يدعو الى حشد الطاقات ودفعها الى الاتكال على النفس فى حقل لا يقبل التسيطر ولا التوظيف الا بالقدر الضرورى
لذا فان أية سياسة ثقافية لا يمكن لها أن تنجح الا اذا تهيأت العقول والنفوس الى الانتاج والتقبل وتكونت حركية بين كل عناصر العمل الثقافى وتمت بين القائمين على هذا النشاط اخلاقية من شأنها ان تحفظ المجتمع من آفات الانحلال والتدهور والفوضى والديماغوجية والدغماتية والكلاتية Totalitarisme
وبالا حبذا لو أننا نوصلنا الى اقرار ميثاق شرف بين كل من المنتجين والمنشطين بموجبه يعرف كل طرف حقوقه وواجباته ويمكن المواطنين من أن يستفيدوا من المادة الثقافية ويكونوا على وعي تام بأبعادها لأن فى ذلك نحاتهم فرديا ونجاح المجتمع الذى ينتسبون اليه .
وليس معنى هذا اننا نريد من هؤلاء الذين يصنعون المادة الثقافية ويشيعونها بين الناس ويجعلونها مستساغة بين الجماهير ان يبقوا ما كان على ما كان وان يركنوا الى الرضا بالذى تم بل نريد منهم ان يكونوا بناة للحاضر والمستقبل ولو أدى ذلك الى النقد والرفض أحيانا ولكن يجب ان يكون ذلك فى نطاق الحوار واحترام رأى الآخرين وتجنب الارهاب الفكرى وكل ما من شأنه أن يعرض المجتمع الى الآفات التى ذكرتها آنفا .
وان المستقرىء لتاريخ الشعوب الحديثة ليتيقن أن كل المجتمعات التى بنت أنظمتها على الحروب وفكرة التوسع والدكتاتورية والكلاتية والارهاب لا يستقر لها حال ويؤول امرها الى الانخرام والفوضى وتكون دائما نهبة للغازين والطامعين ، بينما نرى المجتمعات التى آثرت الديمقراطية على الدكتاتورية والحرية على الارهاب والحوار على الكلاتية تتقدم شيئا فشيئا وتزيل من طريقها بكل حكمة وتبصر الديماغوجيين والعابثين وكل الذين يرومون الانفراد بالمجد والتفرد به .
ان العمل الثقافى اذا هو لم يحم المجتمع - كما كان يبينه الرئيس الحبيب بورقيبة المرات والمرات - من آفات الانحلال والفوضى والتحجر والارهاب لا يكون قد ادى دوره المراد منه خاصة وان كثيرا من الثقافات القوية العاتية
الزاحفة من الخارج تهدد المجتمعات الهشة بالاستلاب والانغيار والتقرد لا لشئ الا لمصالح معينة وغايات مبيتة اتخذت الثقافة مطية وسلاحا عندما عجزت القوة المادية عن تحقيق الغرض
وان اخطر ما يهدد مجتمعاتنا العربية الاسلامية هي النحل بكسر النون وفتح الحاء ( التى كانت سببا فى انهيار الامبراطورية الاسلامية واضمحلالها تحت ضربات الاستعمار .
ذلك ان النحل المتسببة فى تكوين الطوائف والتنظيمات السرية والمشتتة للصفوف نخرت دولة الاسلام والعروبة وجعلتها نهبة للامم الاخرى والسبب فى ذلك هو انعدام التنظيمات الديمقراطية وانتفاء الحوار واحلال الانفراد بالمجد محل الشورى .
لذا فان المثقفين الواعين برسالتهم المدركين لخطورة الرهان لهم دور كبير ، بما اتاحته وسائل الثقافة اليوم من امكانات ، فى ترجيح كفة المصلحة العليا على المصلحة الفردية والنظرة المستقبلية البعيدة على النظرة القصيرة الشخصية وعلو الهمة والاريحية على الجنوح الى تصفية الحساب والاخذ بالثار والشعار الشمشونى القائل بــ " على وعلى وعلى اعدائى " وقولة القائلين بعدنا الطوفان "
واذا نحن وعينا العمل الثقافى هذا الوعى تصورنا ابعاده العملية الثلاثة المتمثلة فى الانتاج والتنشيط والاشعاع .
اما البعد الاول فيقتضى ان نرعى المنتجين بايجاد الظروف لهم واتاحة الفرصة لكل المواهب لتخلق وتبدع وتبتكر وهذا لا يتسنى الا اذا ازحنا العراقيل المادية ورضينا ان تنصهر الصناعات الثقافية فى الدورة الاقتصادية وحللنا المشاكل القانونية والروتينية الواقفة دون تحقيق المراد .
اما البعد الثانى المتعلق بالتنشيط الثقافى فهو أساسى قد تفطن الى خطورته القائمون على حظوظ الثقافة منذ اول يوم تأسست فيه وزارة الشؤون الثقافية فى بلادنا وأولوه العناية الكبرى واقتضى ذلك ايجاد الهياكل الأساسية بقدر الامكان والبحث عن اطاراتها واذا كان النزر القليل مما اتاحته ميزانية الدولة من هياكل اساسية واطارات قد كفى المؤونة فى ذلك الوقت فان هذه الجموع الحاشدة من الشباب المستفيدة من تعميم التعليم وهذه النخبة التى تتسع رقعتها يوما بعد يوم تفرض علينا ان نقوم بمجهود اكبر فى مجال التنشيط بايجاد هياكله الاساسية وتجهيزاته واطاراته .
ولكن ذلك لن يستقيم امره وياتى أكله الا اذا ضمنا الاشعاع لثقافتنا وهذا لن يتأتى الا بالتفاعل مع ثقافات اشقائنا فى المغرب العربى والمشرق العربى .
وان دراسة هذا التفاعل بين بلداننا ليس هينا من الناحية الثقافية العملية . اذ انه بينما كانت شعوبنا ، قبل ان تبلى بالاستعمار ، منصهرة فى بوتقة واحدة ثقافية دينا ولغة وفكرا وادبا وفنونا وتقاليد اذا بها تنكمش من ناحية التعامل وتتقوقع فى حدودها وتنقطع تلك الخيوط اليومية التى كانت تصل بين الاخ واخيه ، وساعد الاستعمار على ذلك وضاعت المسالك الاقتصادية والثقافية الباقية واتجهت وجهة اخرى .
واذا كانت شعوب المغرب العربى قد حافظت على الارضية الثقافية العربية الاسلامية وناضلت من اجل الابقاء عليها وتنميتها وربحت الرهان وهي ماضية في تأكيد هذه الرابطة مع الجناح الآخر للعروبة فان ما أفسدته عهود الاستعمار ، باندثار المسالك الاقتصادية والثقافية يحتم علينا ان نرجعها الى نصابها وان نمتن الصلة من جديد على اسس ثابتة .
فهل من الطبيعى مثلا ان يبقى الكتاب التونسى او الجزائرى او المغربى معدل سحبه بين الثلاثة او الاربعة آلاف نسخة بينما قراء المغرب العربى يعدون بمات الآلاف ؟ .
وهل من الطبيعى ان تبقى معارض الكتاب والرسوم موسمية تخضع للاتفاقات والمفاوضات بينما كان من الواجب ان تكون من طبيعة الاشياء ولا يصحبها مجهود استثنائى ؟ .
وهل من الطبيعى ان تبقى الفرق المسرحية والموسيقية سواء فى تونس أو الجزائر او المغرب متقوقعة فى قطرها بينما طبيعة الاشياء تفرض ان تجوب هذه الفرق المغرب العربى بسهولة تامة ؟
يمكن ان تطول هذه القائمة المخلة بالتفاعل الثقافى بين أقطار المغرب العربى ثم المشرق العربى ويمكن ان نعدد العراقيل الى ما لا نهاية له .
والحال ان مصلحتنا جميعا تقتضى ان نتجاوز كل هذا و ألا نكتفى بالقول بأننا امة واحدة وثقافتنا واحدة بل نسعى الى ازالة هذه العراقيل بكل جدية . فمتى يكون ذلك ؟ .
