الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ, المنعرج الكبير

Share

إن ما يجرى فى تونس في هذه الأيام بمناسبة الانتخابات التشريعية لا يهم التونسيين فحسب بل يدخل ، ولا شك ، فى مشاغل أهل العروبة والاسلام بصورة خاصة ومواطنى العالم الثالث بصورة عامة . ذلك أن هذه الانتخابات تندرج ضمن طريقة أخرى فى أسلوب الحكم تنتقل من اعتماد الحزب الواحد - كعمود فقرى فى ميادين العمل السياسى - الى السماح بما سمى بالتعددية المعروفة فى العالم الغربى كضمان للديمقراطية .

وفى الواقع فان مثل هذه الانتخابات التى تشارك فيها عدة تنظيمات سياسية قد عرفتها تونس فى أوائل الاستقلال . ولكن قوة الحزب الاشتراكى الدستورى المتأتية من انتصاره على الاستعمار نظرا الى قدرته على التنظيم واستقطاب الجماهير أثناء الكفاح التحريرى جعل هذه التنظيمات تتضاءل وفسح المجال للحزب الدستورى الجديد ليضم أغلب الاتجاهات والقوى الموجودة فى البلاد فكان لا حزبا واحدا بل حزبا وحيدا .

ولم يكن الحزب الاشتراكى الدستورى يعمل نظريا بمقتضى ما درج عليه نظام الحزب الواحد فى بعض البلدان فى نطاق ما يسمى بالمركزية الديمقراطية ولكن الاحداث دلت أثناء التطبيق على أن التجاوزات ممكنة والانحراف عن

المسار الديمقراطية ميسور ، ولذا قرر المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبه الرجوع الى السنة المتبعة ومواصلة السيرة التى سار عليها الحزب الجديد منذ تأسيسه سنة 1934 .

ومهما تكن نتائج الانتخابات فان هذا القرار سيكون له أثره الكبير فى الحياة السياسية فى تونس تمسكا بالديمقراطية وتشبثا بالاشتراكية واعتبارا للحريات الفردية والعامة واعتقادا بأن هذه السبيل هي أسلم السبل التى نتوخاها لنحافظ على وحدة البلاد ونخدم مصالح الجميع ونصون كرامة المواطنين ونضمن مناعة الوطن .

وليس فى نيتي أن أفيض القول فى هذه التجربة التى نخوض غمارها فى نونس لتحليل ابعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وهو ما ستتيحه لنا الفرصة فى مناسبات أخرى بل إن غرضي هو التدليل على أن ما اخترناه الآن كأسلوب من أساليب الحكم وكبلد ينتمى الى البوتقة العربية الاسلامية والعالم الثالث إنما هو السبيل الوحيدة للنجاة من كل آفات الحكم القديمة والحديثة والدخول فى منعرج جديد فيه الصعوبات والمشاكل والعراقيل لا محالة ولكنه فى إمكانه أن يؤمن الوطن من مغبة الانفراد بالرأى والاصرار على الخطأ اللذين يعدان من الاخطار الاساسية لكل انخرام فى الحكم.

ولكننى أريد أن أؤكد - ونحن دائما نرجع الى ماضينا لاننا مشدودون اليه - على الآفات التى كانت سببا فى تدهور الحكم الاسلامى بعد ازدهاره ونالت من الحضارة العربية الاسلامية بعد تفوقها .

أول هذه الآفات هو عجز المسلمين على تجسيم فكرة الشورى التى كانت من الاسس الواضحة البينة فى العقيدة الاسلامية ، فلقد انكب الفقهاء على تدقيق كل جزئية تهم مشاغل المسلم فى دينه ودنياه الا مسألة الشورى فلم يتم تجسيمها فى هياكل منظمة وبقيت فكرة هوائية تذكر فى المناسبات ولكن لم يعمل بها الا فى القليل النادر لا في عهد الخلفاء الراشدين الذين لم يتفطنوا

الى خطورتها اللهم ألا عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو فى حالة احتضار عند تعيينه لستة من الصحابة .. وأمره أن يكون أمرهم شورى بينهم ولا في عهد عمر بن عبد العزيز الذى كان حريصا على تطبيق الاسلام فى ادق مستشرياته .

وفى الحالة الاولى ، أى فى عهد عمر بن الخطاب ، لم يكن ليتصور العرب - وهم لم يطلعوا بعد على الحضارات الاخرى القديمة الممارسة للمديمقراطية مثل اليونان - طريقة فى الحكم تعتمد على الانتخاب والمجالس ، وفى عهد عمر بن عبد العزيز فانه لم يكن فى مقدور هذا الخليفة التقي أن يصل به الامر الى اخراج أهل بيته من الخلافة بعد أن جاهدوا فى الجاهلية وفى بدء الاسلام لينصبوا انفسهم ملوكا على العرب .

  لهذا فانه ، بعد أن أخذت الخلافة الصبغة الدينية من جهة والصورة الوراثية فى الملك من جهة أخرى لم يكن لأى فقيه أو أى فيلسوف القدرة على الاصداع برأيه فى هذا المجال او حتى الاستفاضة فيما كانت الامم القديمة تمارسه من أساليب الحكم بل إن الكتب ألفت فى تقنين الامر الواقع وضبط الاحكام السلطانية التى تجيز الحكم المطلق المصطبغ بالصبغة الالهية وفى كلمة أوضح فان الحكم صار ، كما قالت العرب عند انتصاب الامويين ، ملكا عضوضا .

  وبطبيعة الحال فان هذا كان مدعاة الى الانفراد بالمجد ، كما كان يقول ابن خلدون ، والميل إلى الحكم المطلق والى الدكتورية والكتلاتية (Totalitarisme) التى أصبحت شكلا جديدا وعصريا لهذا التسلط الذى تجيزه الوسائل التقنية المتطورة .

  وإن الدكتاتورية فى شكل الانفراد بالحكم كانت ، ولا تزال ، تؤدى دائما الى الحرب مع الدول المجاورة تعبئة للطاقات فى الداخل وخوفا من الحرب الاهلية وتاتى فى القديم فى صورة التوسع وأخذ خيرات الغير وتتخذ بالنسبة الى عصرنا ذريعة بتصديرها للثورة ونشر الدعوة مهما كانت دينية أو ايديلوجية .

  وأمام هذا الصنف من الحكم لم يكن من خيار للمسلمين بعد انتهاء مدة الخلفاء الراشدين الا الالتجاء الى النحل - ولا أقول : المذاهب الاربعة ، لانها كانت نعمة على المسلمين توضيحا للاصول وتدقيقا لاحوالهم - وتسببت هذه النحل المفضية أساسا الى العمل السياسى فى تفريق المسلمين باتخاذ الدين مطية وبالحنين الى ملل قديمة كمثل القول بالمهدى المنتظر والامام المعصوم والميل الى المانوية المفضية الى تكفير المسلم وإباحة قتله طلبا للشهادة لدخول الجنة .

  وإن العقلية النحلية هى الآفة التى قوضت الحكم الاسلامى وأضعفته وجرته الى الخضوع للاستعمار وهى هى نفسها التى تهدد المجتمعات المعاصرة حتى المتقدمة منها . فالعالم الغربي مثلا ، الذى عانى طيلة قرون من الحروب الاهلية والجهوية والعالمية وصل الى درجة من النضج اتخذ فيها الديمقراطية أساسا للحكم والتعددية شكلا من أشكال الحياة السياسية وأقر الانتخاب والحوار والرضى بكلمة الاغلبية مهما كانت قوة نسبتها ولكنه للاسف ما يزال يرزح تحت سيطرة العقلية النحلية : (Mentalite sectaire) المتلونة تلونا يتخذ فى بعض الاحيان صيغا براقة من الثورية والتقدمية ولكنه يحمل بين طياته الكفر بالآخر والحقد عليه والسعى الى اذايته والاخطر من هذا هو القول بالتقية والجنوح الى العمل السرى الخفي والتمسك بالباطن تنكبا عن كل وضوح .

  وهذا أدى ، بالنسبة للمسلمين ، الى الخلط بين السياسة والدين والقول بالسلطة الدينية ولست أريد هنا أن أتطرق الى الحجج التى أدلى بها محمد عبده فى دحضه للقائلين بأن هناك سلطة دينية فى الاسلام ولكننى أبسط حجة واحدة تجعلنى أستبعد بها هذه الصيغة من الحكم وهو أن العالم الذى أصبح اليوم يخضع الى سنن اقتصادية مضبوطة ترتكز على الاحصائيات وعلى القوانين العلمية الحسابية الراسخة فى الدقة الرياضية وغيرها من العلوم يقتضى سياسة تعتمد على مثل هذه الميادين الاقتصادية والاجتماعية وعلى المخططات المضبوطة التى يرسمها الراسخون فى هذا العلم من اقتصاديين واعلاميين ومهندسين واجتماعيين ، فالسياسة التى تمارسها الاحزاب اليوم تعتمد برامج

  حجتها هى هذه العلوم وهى علوم صحيحة لا يمكن لاى انسان مسلم أو غير مسلم أن يشك فى جدواها وصلاحيتها ، فكيف يمكن مناقشة برنامج حزب من الاحزاب على أسس غير هذه الاسس والادلاء بحجة ترتكز على نص ديني مسلم به لا يمكن مناقشته ولا تأويله ؟ فأرضية النقاش متغايرة وليست واحدة . بل ان الامر فيه إبكات ومنع من الحوار والمناقشة . نعم يصح القول بأنه من الواجب الاستناد ، فى فلسفة السياسة وماهيتها وما ينجر عنها من قرارات ، على الشريعة الاسلامية وأصولها ولكن فى خطوطها العامة التى لا تبعد عن الاسلام الصحيح المتطور الصالح لكل زمان ومكان والمنتفع بعلوم العصر .

  هذه إذن بعض الآفات التى كانت سببا فى انهيار حكم الاسلام وما تزال تودي بالانظمة فى العالم وخاصة العالم الثالث وهى التى يجب تجنبها وتجاوز أعراضها .

  وإن التجربة التى نمر بها فى تونس اليوم ، كما سبق القول ، لكفيلة فى ظني أن تصل بنا الى ما نصبو اليه من قوة ومناعة .

اشترك في نشرتنا البريدية