لقد اهتمت " الفكر " منذ تأسيسها سنة 1955 بالنقد والنقاد وأصدرت اعدادا وملفات خاصة بهذا الموضوع ولم تفوت أية فرصة للحديث عنه وإثارته بكل حدة فى بعض الأحيان إن هى لم تشر له فى كل عدد . وأكثر من هذا فانه ليس من التجوز إن قلنا : إن كل عدد من هذه المجلة يحمل فى طياته بأبوابه القارة وغير القارة وبمقالاته وبحوثه ودراساته جوانب متعددة من النقد الأدبي .
وفي هذه الأيام رجع الحديث والنقاش والحوار حول النقد الأدبي في تونس وكانت فرصة لتطارح الأفكار والآراء بصورة عميقة وعلمية ومثمرة فى اكثر الأحيان مما جعل الموضوع تتضح جوانبه اكثر من ذى قبل وتفضى الى مناخ ادبي وفكرى أسلم وانقى وادعي الى التفكير فى البناء والخلق منه الى التخريب والفوضى . ونذكر بالخصوص ندوة النقد الأدبي التى التأمت أخيرا بالحمامات .
على انه اذا احسسنا اليوم بأن هناك تقدما فى تصور الموضوع وتوضيحه فاننا نبقى دون ما نرتحبه فى هذا المجال نظرا الى بقاء بعض الآراء عالقة بالأذهان تعطل المسيرة وتثقل الخطى نحو النقد الأدبي المفيد الدافع الى الخلق والابتكار .
ذلك انه اذا كان من المفيد التعرف الى مدارس النقد والتيارات الفكرية والأدبية التى دعمتها وأخذت بيدها ودفعتها الى الوجود واذا كان من الأكيد الالحاح على ما لدور وسائل الاعلام من اثر قوى فى إذكاء روح النقد وارساء قواعده واذا كان من اللازم الحديث عن الأدب لأنه بدون ادب فلا نقد ادبى فانه من الأصوب والأجدى الحديث عن خلاق بدونه لا يكون نقد ولا نقد ادبي
لقد كتبنا علم صفحات هذه المجلة منذ سنوات عن غياب النقد فى تونس ويجدر اليوم أن نكتب عن غياب الناقد وتواريه لأنه اذا سلمنا اليوم بأن هناك نقدا أدبيا فى تونس فانني اعتقد انه لا يجادلني أحد فى غياب الناقد بأتم معنى الكلمة ، الناقد الذي يشار اليه بالبنان وينتظر رأيه فى انتاج ما .
وانني قيل ان احاول تحديد هذا الناقد اريد ان أعرج على الأسباب التى جعلته لا يظهر في الساحة الأدبية ويتوارى عن الأنظار . ولعل ما اقوله ينطبق كل وضع النقد الأدبي في العالم العربى ولكنني ساقصر تحليل على تونس
أول ما يضعف النقد الأدبي هو ما اسميه ب " النكرولوجيا " وهو مشتق من مادة نكر . وانكر ومنه النكرة ضد المعرفة والمنكر ضد المعروف والتناكر التحاهل . ولا يذهبن بك الرأى الى ترجمته الى الفرنسية لأنه عند ذلك يعنى الاعلام بالوفاة وقد اهتم العرب بهذه المادة فتجد كتاب وفيات الاعيان ، الوافي بالوفيات والانكار هو ضرب من تمنى الوفاة والزوال بل هو اشد عند اعتبار الحي ميتا . وكم هو مريح الحديث عن أديب متوقى لأنه يخرج من عالم النكرات الى عالم المعارف .
فالنكرولوحيا درجات ومراتب . أول مرتبة فيها وأقواها وأشدها نبوغا هي تعمد الصمت . لبحثن ما يحدث فى ميدان النشر بصدور كتاب أو ظهور دراسة قيمة او انتظام ندوة هامة فان " النكرولوجى " يجهد نفسه ويستنجد يعبقريته لئلا يضطر تحت تاثير ضغط من الضغوط الى تخطى جدار الصمت لا الصوت بالطبع اذ هو بروم أن يكون صوته خافتا فى هذا المجال الى ابعد الحدود أو بالأحرى ادناها . وهو بهذا يسلم من تبعة النقد أى اظهار العيوب ، المحاسين ويصبح تسميته بالنقد الانكارى ولا أخفى أن عندنا من النقاد التكرول لوحسين من يزوا غيرهم وتجدهم منبثين فى مختلف وسائل النقد وهو بالطبع يصلون لملء الفراغ ، فراغ عقولهم ربما ، الى الافراط فى نقد ما ينتجه الاجنب ولو كان من اتفه الانتاج . وهنا لا يمكن ألا نعزو هذا الى مركب النقص الذي استولى على كثير من التونسيين وبقوا منبهرين بالغير ولا يريدون ان يصدقوا بأن لديهم من الخلاقين ما يماثل أو يفوق ما عند الغير . آفة لم تبرح الكثير من العقول وانها لم تقتصر على انها عششت بل فرخت بما هو انكى وانكر " .
أما الآفة الثانية فاسميها الغفلولوجيا ) بضم الغين ( وهو فن اغفال تسمية الاشخاص ونقد الأثر او التلميح اليه باتقان فن تنسية القارئ فى صاحب
الاثر لأن ذكر الاسم ربما فيه غرم مثلما كان يترك العرب الناقة غفلا لا توسم لئلا تجب عليها الصدقة او من قبيل ما عرفه العرب فى الجاهلية بالنسبة الى القداح الغفل التى ليست فيها فروض ولا لها غنم ولا عليها غرم . ثم إن الاسم ليس م مشتقات من وسم بل من سما وفى ذلك رفعة وسمو ونحن فى عالم الغفلولوجيا وليس من عادة أهله ولا من دابهم الدعاية للاشخاص فهم أسمى وأرفع من التدلي في دركاتها .
والفة الثالثة عافانا الله وإياكم هى مادة همل فى قول العرب : وما ترك الله الناس هملا ) بفتح الهاء والميم ( أى سدى بلا ثواب ولا عقاب وفي معنى الابل الهوامل التى لا راعي لها مسببة . وهذا الفن يبيح لصاحبه أن يتسبب بدون قيد وياتي بعلم الأولين والآخرين ويحاول تطبيق نظرية ما او مدرسة من المدارس أو ايدلوجيا من الايدلوجيات ولا يرتجى فى ذلك لا الثواب ولا العقاب . وتراه يخبط خبط عشواء سارحا فى ملك الغير هذا اذا هو لم ينعت صاحب الأثر بكل النعوت الدالة على العقلية الاستغالية او الإقطاعية او غيرها من النعوت التى يستنكف منها الناس اليوم أو إذا هو لم للصق بالأثر كل الحسنات ولم يضف عليه من صفات الاطراء والمدح المبتذل ما يجعلك توقن انه ممن لا يخاف لا الثواب ولا العقاب . وإن فن الهملولوجيا ، يقتصر على الكتابة لأن هناك فريقا لا يكتبون بل هم " ينقدون " وهم قيام وقعود فى كراسبهم في قاعات المحاضرات والندوات والمسارح ويغطون يهملو لوحبتهم صوت الشاعر والمحاضر والممثل . هم من القعدة ولكن وراءهم حبشا من الفعلة . لا يجدون من يصلحهم ولا من يهديهم ، وهم مبوبون الى الهملوقراطية التى تطل بقرونها فى بعض الأحيان وفي بعض المواطن
هذه اهم الافات التى لاحظتها فى الساحة الأدبية ويتفرع عنها من جنسها ما هو اهون وأخف وهي لا تترعرع وتتفاقم إلا بخلو هذه الساحة من الناقد وأعني النقاد طبعا .
والناقد الذي أعنيه هو ذاك الذي قد استوعب المدارس النقدية الأدبية العربية القديمة والحديثة وسيطر بقدرة فائقة على التيارات الأدبية والفكرية فى العالم بحيث خرج من الببغائية والفرددة والتفرد وتخلص من مركب النقص إزاء الاجنبى وشفى من نزعة إضفاء القدسية والاجلال على كل ما يأتي من الغرب أو إن شئت قل الشمال والشرق . ولا يكفي أن يكون عارفا بكل هذا المعرفة
النظرية بل يجب ان يكون مطلعا على فنون الأدب شرقا وغربا لا تغيب عنه شاردة ولا واردة ولا يتعلل بعدم إطلاع ولا قلة وقت .
والناقد الذي اعنيه هو ذاك أيضا الذى جرد قلمه من أجل النقد لا يترك كتابا يصدر ولا فرصة تمر حتى يهتبلها ليقيم فينوه بالمحاسن ويندد بالعيوب حضوره يومي في الجرائد والمجلات والنوادى وقلمه سيال خلاق يشعر بأن ما مكتبه ليس من قبيل البحث والدراسة الباردة الفجة بل هو يصدر من أعماقه ويخرج عن موهبة خلافة مبدعة لا شك فيها . وعند ذلك يهابه النكرولوجيون والغفلوحيون والهملوجيون ويبتعدون من ساحته ويتضاءون أمامه ويتهافتون ويشتفى منهم المجتمع بأكمله
والناقد الذى أعنيه هو ذاك الذي يشعر بالحرية الكاملة من كل الضغوط المادية والمعنوية والأيديولوجية لا يخاف فى الحق لومة لائم ولا يتأخر عن قول كلمة الصدق مهما كلفه ذلك من ازورار المزورين وملاحقة الطماعين الأفاكين
والناقد الذى أعنيه هو ذاك الذي تفرغ لهذا العمل وكرس ايامه ولياليه له وضرب صفحا عن كل المغربات الأخرى وآلي على نفسه ألا يبدل به عملا آخر وعند ذلك يستقيم العمل الأدبي ويبرز الذى صدق فى المحك ويتهافت كل دعي على الأدب وطفيلي على موائد الخلق الأدبي
ولقائل ان يقول هذا لوصف للناقد من قبيل المستحيل وانه يعسر أو نجده فى مجتمعاتنا اذ هو يمكن أن تعثر عليه فى الامم المتقدمة التى سارت شوطا فى الدييمقراطية والثقافة أما مجتمعاتنا فهي ما زالت في طور غلبت عليه الآفات التى ذكرتها
نعم إن الواجب يقتضى ان نمهد لهذا النوع من النقاد لا فى المجال الأدبي فقط بل الثقافي بصورة عامة والسياسي ايضا لأن المجتمع الذي تغلب عليه الاصناف السلبية المذكورة آنفا ولا يعمد الى مقاومتها ثم لا يعمل على ايجاد الظروف لابراز هذا الصنف من النقاد الخلاقين الأصيلين النابغين فانه غير جدير بالحياة .
