انه لمن دواعي الاعتزاز والغبطة ان اتناول الكلمة ) * ( فى مفتتح هذه الندوة العالمية حول السياسات الثقافية الملتئمة بدعوة من منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم التى اثبتت مرة اخرى انها ضمير الانسانية الحي
وان لمعتز بحضوري هنا بعاصمة المكسيك المجيدة فى مستهل هذا اللقاء الذي نحضره نخبة من المثقفين والمفكرين والمضطلعين بالسياسة الثقافية فى بلدانهم للتباحث حول موضوع في مثل هذه الاهمية ، وانى لمعتز كذلك بما اتيح لم من فرصة للتوجه لهم من اعلى هذا المنبر باسمى عبارات التقدير واعمق مشاعر الاخوة التى يكنها الشعب التونسى وعلى رأسه رئيس الجمهورية المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة .
وان الغبطة لتملأ جوانبي بمشاركتى هذه الوفود الحاضرة في الشعور بالامتنان نحو الشعب المكسيكى وسلطاته على تفضلهم باحتضان ندوة عالميا هدفها دراسة موضوع مصيرى بالنسبة الى مستقبل الثقافة .
وان هذا ليدل دلالة واضحة على مدى ما يكنه مستضيفونا الكرام من تعاطف مع ما يشغل بال كافة المسؤولين الوافدين الى هذا البلد الطيب فى شأن
مقتضيات السياسة الثقافية ومناهجها كما يدل على مدى مشاركتهم لنا فيما نعلقه من آمال على اشغال هذه الندوة وما ننتظره منها من ايجابي النتائج
فقد اصبحت هذه الارض - ولا غرابة - رمزا ومثالا حيا لا يخفى على شعوبنا قاطبة ، وهي محل تقدير كل مفكرينا نظرا الى تعدد التجارب بل المحن فى درب البحث الجاد والشاق عن الهوية الثقافية وعن سبل التوفيق المضنى والاكيد بين التنمية والثقافة وعن اجدى الطرق المفضلية الى التفاعل الثقافي قطريا واقليميا ودوليا ، اى ان هذه الارض قد كتب لها ان تعرف في الماضى والحاضر جميع المفاهيم والقضايا التى سطرها منظمو هذه الندوة بكل حكمة وتبصر وجعلوها اطارا لاشغالها التى ابى السيد المدير العام الا تشريفي بالمشاركه فيها ولا اخاله الا قد قصد بذلك الى التعبير عن تقديره لما تميزت به التجربة التونسية من التوفيق بين نضال مرير من أجل استرداد السيادة السياسية والازدهار الاقتصادى وبين عزم لا ينى من اجل تشريك جميع فئات الشعب التونسى تشريكا ديمقراطيا فى كل القرارات التى ترمي الى تنبيه جميع ميادين الحياة القومية تنمية شاملة
لعلكم سيدي المدير العام اشرتم بهذا التشريك ايضا الى ما اختص به تاريخ بلادنا حضاريا من متين الارتباط بتاريخ سائر الحضارات العالمية او جلها سواء كانت اوربية قد اثرت فى ماضينا الروماني والاستعماري او اسوية ندين اليها بماضينا الفنيقى البونيقى والاسلامي او بالاحرى العربية والأفريقية بانتسابنا إلى كلتيهما انتسابا لا مراء فيه ، حقيقا بنفس الاعتزاز منذ أربعة عشر قرنا .
على انه يتراءى لى فى نفس الوقت ان لهذا الاختيار سببا ثالثا استسمحكم فى التلميح اليه وهو ان القصد من تشريك مسؤول سياسي تفرض عليه مهامه بنفيد توجيهات صادرة عن سامي قرار الرئيس الحبيب بورقية وتكليف مختلف الوزارات المختصة بانجازها يكون من قبيل الاشارة الواضحة الى ان ما يسمى بالسياسة الثقافية ليس حكرا على مصالح وزارة معينة ولا ينبغي له ذلك بل هو حق مشروع وواجب مشاع على كافة الوزارات تمارسه بينها بل بين كافة مراكز القرار .
لقد ولى بدون رجعة الزمن الغابر وحل زمن عمت فيه القناعة بان لا بد للقيم الثقافية وللنشاط الثقافي من تغذية شرايين نسيج الجهاز الاجتماعي باسره وان الاعتراف للجماهير بحق الاغتراف من الثقافة يحتم تخويلها حق
المشاركة الواسعة الحرة فى اتخاذ القرار الثقافي ، نعم حل زمن الشعوب الذى يبشر به عنوان كتاب ضمنه - ولا غرابة - السيد المدير العام للينسكو حصيلة اعماله على رأس هذه المنظمة ، ولا غرابة ايضا ان استشهد سيادته فى سياق افتتاحه لندوة بوفوتا الحكومية المخصصة للسياسات الثقافية بامريكا اللاتينية والكراييب برأي لامع جادت به قريحة المفكر خوسى مارتي عندما قال : " تثقفوا تتحرروا مضيفا بان ذلك بعد تخطيطا شاملا للمرء فى حياته وعمله ، وان فى ذلك لتنويها بما اسهم به من سخاء الى الثقافة العالمية اقليم نحن اليوم مجتمعون على اديمه وطامحون الى تشريك كافة اهل الثقافة فى العمل على ارساء السلام والامن فى ربوع عالم لم يسبق له فى تاريخه الملىء بالعنف والالم ان تاق الى الامن والسلم توقه اليهما اليوم
ان كل هذا يفرض على بصرف النظر عن تجربتى المتواضعة أو بالاحرى عن ممارستى لنضال ثقافى طبع - فى فترات قريبة أو بعيدة - حياتى السياسية ان استسمحكم فاقول : إن الخواطر التى ساعرضها على كريم مسامعكم لن تكون تعبيرا عن نظريات أساطنة الفكر الثقافي ومشاهيرهم بل ستكون فى بساطتها لسان حال العدد العديد من اولئك الذين يعملون للشعوب ومع الشعوب والذين هم ينتظرون منكم اليوم مع تلك الشعوب قرارات وتوصيات تصون هوية العديد من الشعوب ) بل قل : كافة الشعوب فى الواقع ( عن خطر المسخ الذى يهددها ، وتحميها جميعا من خطر اختناق شخصيتها وتدجينها للانماط المستوردة وتقيها من آفة القطيعة والعزلة .
ان من المبادئ ما يبهرنا وضوحها عندما نهتدى اليها وهو ما يجعلنا لا يستغرب ايماننا بها بقدر ما نستغرب تأجيلنا عن الاصداع بها والدعوة اليها
ذلك هو شعورى فى هذه الساعة التى احظى فيها بالاسهام ببعض الاراء والمقترحات امام نخبة من خيرة المسؤولين الثقافيين فى العالم وضمن حوار هو اوسع واعمق ما عرفه التاريخ فى شأن السياسات الثقافية
كيف لا والخشية تعمر نفسي من ان اردد كلاما سبق ان قلتموه وان ادعوكم الى امر كنتم قد التزمتم به بل ادخلتموه حيز التطبيق اثناء ممارستكم ببلدانكم شؤون الثقافة خدمة لشعوبكم ، بل خدمة للثقافة الانسانية جمعاء .
وهذا لا يعنى انى لا اقدر ، شأنى فى ذلك شأنكم ، جدوى المساعى الدائبة الهادفة التى توفقت اليها الينسكو عقدها لهذه الندوة العالمية المخصصة
لتدارس السياسات الثقافية على ما فى هذا المفهوم من شمول ودقة بل لا يسعى الا ان اقدم تهانى الصادقة للسيد المدير العام ولاعضاده الميامين على ما اتسمت به الدراسات التمهيدية لملتقانا من رؤية واسعة الافق ونظر دقيق ، فهم بعملهم هذا قد اقاموا الدليل على قدرة منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم على مواكبة التطورات التاريخية والاضطلاع بمسؤولياتها ازاءها بل وسبقها الاحداث استعدادا لها .
على ان الجدير بلفت النظر هو ان سعى اليونسكو وسعينا ايضا الى تبادل الخبرات والتجارب حول مفهوم السياسة الثقافية ذاتها ثم عزم اليونسكو - وعزمنا على توزيع العمل بيننا حسب محاور ثلاثة أولها تحليل مقولة الهوية الثقافية وثانيها التأمل فى البعد الثقافي للتنمية الشاملة وثالها تطبيق مبدأ الحرية والمساواة سواء بين الافراد او بين الفئات في ميدان الخلق الثقافي وكذلك ميدان الاتصال الثقافي انما هما سعى وعزم يعتبران صدى امينا وتعبيرا وفيا هادفا لما قصد اليه مؤسسو نظام الامم المتحدة ذاته .
الم تروا كيف ان يوما مثل يوم 10 ديسمبر 1948 الذى تم فيه الاعلان العالمى لحقوق الانسان كان تذكيرا بحرية المعتقد والدين وكذلك بحرية الرأى وحرية التعبير ؟ ثم الم يعلن فى نفس الوقت الى جانب الحق فى الشغل الحق فى التربية والثقافة ؟ وبالتالى افلم يناد بحق آخر هو تتويج لسائر الحقوق الاخرى مثلما هو شرط لوجودها الا وهو : " الحق في نظام اجتماعى ودولي يضمن الممارسة الفعلية لسائر ما اعلن عنه من حقوق وحريات "
انه يصح القول بان لهذه الكلمات وقعا جديدا فى آذاننا وكانها وليدة اليوم ولكنها فى الواقع لها اكثر من ثلاثين سنة ، فهى نابعة من دفق تلك الروح التى بها تأسس نظام الامم المتحدة ذاك النظام الذي هو اليوم فى اوكد الحاجة الى التزامنا المتجدد بالتعزيز وشد الازر صيانة له من تجاهل المتجاهلين بل واستكبار المستكبرين ممن نسوا او تناسوا ما هم به اليه مدينون
الم يقتض ذلك عمر انسان من التحليل والتأليف ليتسنى للامم المتحدة في سنه 1974 الاقتناع بواجب الالتزام بالنضال من اجل اقرار نظام دولي اقتصادى جديد والتعجيل ببعثه للوجود نشدانا لاعادة النظر فى توازن القوى ومواطن النفوذ سواء كانت اقتصادية او سياسية وسعيا الى ايجاد حوار الند للند اساسه احترام كرامة كل الاطراف واعتبار خصوصياتهم الثقافية ولكن اليس
نصفي ما في العالم اليوم من علماء هو مسخر للبحوث العسكرية اى ان اكثر من 600 ألف من خيرة ادمغة الانسانية مجندة لتهيئة الدمار ؟
او تالف آذان البشر قعقعة الجيوش الزاحفة حتى باتت لا تابه لها ولا تستنكرها ؟
ثم اليست افريقيا الجنوبية لا تزال تعتمد التمييز العنصرى العرقي قانونا وشريعة بعد مرور ثلاثين سنة على الاعلان العالمي لحقوق الانسان ؟
ثم اليس في الشرق الاوسط بشر ينكرون على بشر مثلهم حقهم في وطن بل ان بلدا هو مدين للامم المتحدة ببعثه للوجود يتفوه بمثل ما تفوه به ضده طغاة الماضى القريب من تهديد " بالحل النهائى غايته القضاء على الشعب الفلسطيني وكبت صوته ومنعه من المطالبة بحقه فى الوجود استنادا الى ميثاق الامم المتحدة ؟
السنا نرى جيش اسرائيل - المدينة للامم المتحدة بضبط حدودها - يغير من جهود بلد مجاور وينشر الدمار والموت عبر ارض معروفه بالتسامح والكرم ، ارض بلد عضو في منظمة الامم المتحدة لم يقترف من ذنب سوى انه فتح ذراعيه لمن لجا اليه ومارس حقا مارسته شعوب اخرى قبله عندما ابت انسابيتها الا قبول اناس عذبتهم النازية الفاشية وطاردتهم لا لشئ الا لانهم ينتسبون الى عرق ويدينون بدين ؟
أليسنا نرى وسائل الاعلام - وهي سلسلة ملكة الكلام التى حبا الله بها بني آدم وحملهم من المسؤولية ما حملهم بمقتضى ذلك التشريف - تستخدم فى دغدغة الغرائز الدنيئة سعيا وراء ارضاء الحرفاء اكثر مما تستخدم فى فصح الجرائم والتنديد بها متخلية عن واجب تحقيق ما تعلقه عليها الشعوب من عريض الآمال باعتبارها اداة تنوير وتقدم ؟
تلك لعمري ضروب من تحدى المنطق السليم بل وتنكر لكل صواب يشهدها الانسان فى سنتنا هذه سنة 1982 فيتساءل هل من مستمع واع لاعلان 1948 الداعي الي ارساء نظام يتيح للافراد والدول الاضطلاع بحرياتهم وحقوقهم اضطلاعا فعليا بل وهل كان من الفائدة التذكير بروحه وفحواه فى عام 1974 بالدعوة الى اقامة نظام اقتصادى عالمى جديد ؟
قد يميل الانسان الى التشاؤم وقد تحدثه نفسه بالاستسلام لولا ما يراه فى منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم من جرأة واعتدال فى حرصها على تركيز النظام العالمي الجديد على المفهوم الوحيد المشروع الا وهو الحوار والشورى فى كنف الاعتراف بتعددية الثقافات وتساويها ، بهذا وبهذا وحده تنمحى الفوارق فلا فضل لقوى على ضعيف بالقوة ولا فضل لغني على فقير بالثروة .
تلك هى ، سيداتى سادتى ، النظرة التى ينبغى ان نعتمدها اساسا ومرجعا ومنها نستخلص مقومات السياسات الثقافية قطريا او اقليميا او دوليا
ولعل أول ما يبغى ان نقره هو الايمان بان قضية حقوق الانسان قضية واحدة لا تتجزأ ، فعلى من ينادى بحقوق الانسان الا ينسى ان الامر يتعلق بذوات بشرية لها خاصياتها ومميزاتها ومن الحتمى احترامها وان أول حق من حقوق الانسان هو حق الاضطلاع بانسانيته طبقا لما يختاره من مفهوم خاص بآدميته .
اليس فى سلب الغير حق تقمص ذاتيته وفى حرمان مجموعات بشرية لجموعات بشرية اخرى حقها فى تقمص ذاتها الا وجه من وجوه الغرور والميل الى بعث الانخرام فى نظام التعامل بين البشر ولو كان ذلك ذريعة لفرض النظام ، ذلك ان الانسان الذى لا يحترم الانسان الكامن فى سائر عباد الله انما يفسد الانسانية من حوله وهو بدوره يفسد على نفسه انسانيته .
وهل من مآل غير ذلك الذى تؤول اليه كل النيات مهما حسنت عندما تنزع الى قولبة البشرية فى قالب واحد مستوحى من ذات النفس ومفروضا علي الآخرين فرضا . انما ذلك كله مآله الضلال وهو مفض بالغتر الى ارادة التخلص من ارادة غيره ومنها الى السعى الى تصفية من غايره
ذلك ما تردى فيه المستعمرون على اختلاف انواعهم كما تردى فيه دعاة الاستعمار الجديد ودعاة العنصرية السافرة منها او المقنعة بل وذلك هو ما . تردى فيه البيروقراطيون المتعصبون لاشتراكية ضيقة او لقومية متزمتة كذلك التقنقراطيون أو العلمانيون الادعياء الموجودون فى مجتمع استهلاك يدجن الاذواق والعبقريات ويخضعها الى نواميس سوق الاشهار
فما من هؤلاء الا وتعلل بتعلة ما نسميه بالواقعية تلك الواقعية الزائفة كالتى نقص الواقع المزعوم على ما يقف عنده كل عقل متحجر لا يقرأ لارادة غيره اى حساب .
ان مثل هذه المواقف من شانها ان تحط من قدر من يقفها بقدر ما تحط من قيمته فتكون ضحية لها ، لذا فان الواجب يدعونا خدمة لمصلحة حتى من ينساقون إلى ذلك انسياقا الى التشهير بهذا الزيغ ومقاومته كلما ظهر فى امه او بين مجموعة ممن البشر - حتى ولو كان ذلك عن حسن نية إذ اثمه الذى لا يغتفر كامن في السهو عن ان الايمان بشيوع القيم البشرية انما هو شرط الايمان بالتساوى الكامل بين صيغ التعبير عنها مهما اختلفت وتعددت
وسواء تعلق الامر بالمعاملات الثقافية بين الافراد او بين المجموعات البشرية فانه ينبغي ان نراعي مبدأين لا ثالث لهما - المساواة والحرية - يتعامل على اساسهما كل المتعاملين الثقافيين بما فى ذلك المبدعون والجمهور وكذلك المسؤولون عن التجهيز او النشر او التعاون الثقافي
بيد اننا لبسنا بحال من الاحوال ممن يدعون الى التسيب واللامبالاة او الى المبوعة الثقافية كما لسنا من دعاة التأثر بكل جديد دون تمييز او الانفتاح الى كل مستورد دون انتقاء اذ نرى فى كل ذلك عوامل لانتفاء الذاتية وانماطا جديدة من استلاب الشخصية لا تمت بصلة الى العالمية الحق ، ان الحرية والمساواة اللتين نعني تشكلان ضمانا للحوار الرشيد المسؤول بين الثقافات الكفيل وحده باحياء اروع فترات التاريخ الانسانى التى تلاقحت فيها الحضارات وتفاعلت فاثمرت ما اعتزت به البشرية وافتخرت وهو احياء يقتضى تجنب ما وقعت فيه هذه البشرية من الاخطاء والاوهام
ان المثل اللاتيني القديم يقول :ARS UNA , SPECIES MILLF اى ان الفن واحد ، واشكاله شتى " ، واحرى بعصرنا هذا بل من واجبه ان يعمم هذا المثل على كل ما يجعل من الانسان انسانا اى على كل ما يتسع اليه مفهوم الثقافة .
من منا يجهل ان النمو الثقافي لشعوب أمريكا اللاتينية والكراييب ناتج وسيبقي ناتجا عن الشعور المتزايد بأن أنماط التراث الثقافي التى كانت على اديمها عبر التاريخ تتساوى شرفا وفاعلية ؟
من منا يجهل ان ما اطلق عليه الاوربيون تسمية المعجزة الاغريقية انما كان مبعثه اهتداء المفكرين والمبدعين الى وحدة الكيان البشرى بين عقل وجسم يتكاملان متانة وجمالا ؟ وهو لعمرى درس ما زلنا فى حاجة الى الاتعاظ به وادخاله حيز التطبيق كما تسعى الى ذلك منظمة اليونسكو نفسها سعيا موفقا بتمتين صلتها بالحركة الرياضية والاولمبية
ان الحضارة الاسكندرانية ما كان لها ان تكتسب ابعادا جديدة لو لم تتصل - وان عن طريق التحارب - بمجموعات بشرية جديدة ومتعددة عرفتها بها الفتوحات الرومانية .
ثم الم تكن النهضة الاوربية مقترنة بتفتح الغرب الاوربى على ما في العالم الاغريقي الرومانى من انسانيات دلت على تواتر القيم البشرية عبر التاريخ ؟
وهل من شاك فى ان الاسلام قد وسع مفهوم الحضارة بعد ان استوعب الفلسفة الاغريقية والسياسة الرومانية والميتافيزيقا الهندية ورهافة الذوق الفارسي والروحانية التورانية ؟
وانى لا اتكلم عن ذلك العطاء الاسلامي للثقافة العالمية متعصبا او منحازا بل ان واجب الموضوعية التاريخية يفرض ذكره في هذا المقام كما ان واجب التطلع الى ما يحتاجه مستقبل الحضارة الانسانية من تجميع كل طاقاتها وتعزيزها بعضها ببعض يملى علينا الاشارة إلى ما تضمنته الحضارة الاسلامية من سوابق التلاقح السليم بين مختلف المجموعات المتعايشة تحت ظلها بل والمجاورة لها ولا يفوتني بهذا الصدد ان أنوه بالمجهود الذى تبذله اليونسكو مشكورة في ازاحة الحواجز الفاصلة بين الثقافات وفي نطاق هذا السعى نذكر المجموعة التى تعدها المنظمة فى اربعة او خمسة مجلدات للتعريف المنصف الوفي بالحضارة الاسلامية .
كل ذلك يزيدنا اقتناعا بان مدلول الثقافة قد اتسع نطاقه وازداد ثراؤه كلما سنحت له فرصة الاحتكاك بالغير وبأن خطأ أصحاب هذه التجارب المتوالية يتمثل حسب اعتقادهم فى ان ما وصلوا اليه نهائى وفريد من نوعه
على ضوء هذا يجدر بنا ان نحلل بنفس العناية والتثبت ونعالج كل ما يمكن ان يطرأ على الثقافة من توسع او تطور يفرضه اندثار حدود الزمان والمكان الذي يشهده عصرنا الحاضر ذلك ان مدى اتصالاتنا المتبادلة وسرعتها قد اثرى ولاشك رصيدنا من المعلومات لكنه لم يزل يدعم - وانى له ان يدعم ؟- بنفس القدر طاقة الاستيعاب التى بفضلها تؤول المعرفة الى تجاوب والاتصال الى تعاطف تعاطف .
ان توفر هذا التجاوب وذلك التعاطف يتوقف على ارادة الشخص وحريته ولعل في ذلك معنى للتضامن الانسانى الرشيد الواعي عبر الحدود رغم الاحترازات .
وهل يوجد بين المرء واخيه الانسان على تباين النزعات رغم هذا التباين بل ، وبفضله فى ارادة الاضطلاع بالمسؤوليات الملقاة على كاهل الانسانية وهى طليعتها مسؤولية تعامل الانسان مع الانسان
اني لا أرى فائدة فى الجدال حول تحديد مسؤولياتنا فى الفشل الذى منيت به بالامس اتصالات بعضنا ببعض بل ارى ان تتجه مناقشاتنا حول تعامل الذاتيات الثقافية وحول التعاون الثقافي وجهة مستقبلية فى حزم المتواضع الذي يقصر طموحه كل طموحه على الانجاز الذي - وان كان ضئيلا محدودا - يدخل المبادىء حيز الواقع
من هذا المنطلق ساحاول تقديم بعض المقترحات التى سينقحها ولا شك اهل الذكر واصحاب الاختصاص او يرفضونها ان شاؤوا .
فبالنسبة إلى ميدان التراث مثلا نرى من الضرورة الاكيدة تسخير الوسائل والطاقات ليتم في نطاقه البحث والتوثيق وتبادل المعلومات حول الذاتية الثقافية
وسوف لن نصل الى نتيجة فى هذا المضمار ما لم ينبن التعامل على المساواة بين القائمين بتلك المجهودات التى قد تحول تراث الطرفين الى فلكلور أو فى احسن الاحوال الى موضوع دراسة اثنولوجية فى حين ان المقصود من التعامل ضمان اللقاء والتلاقح .
ولذا فاننا نرجو ان تكون كل التوصيات الخاصة لاعادة التوازن الكمي والنوعى للدفق الاعلامي هادفة ناجعة خاصة واننا نعيش زمنا صرنا فيه نتوهم ان لنا عن غيرنا من البشر صورة حية فى حين اننا لا نحمل عنه الا جملة من التصورات الجامدة .
بنفس اليقظة ينبغي ان نحرص على ألا نتغافل عن اهمية الذاتية الثقافية وعن الاخطار التى تترصدها والحجب التى يمكن أن تغشيها وان نعمل على التذكير بها فى كل توصية من التوصيات القطاعية حتى تلك التى تبدو اكثر تقنية من سواها وانى اذ ادعو الى ذلك لا اقصد رفع الشعارات ولا ترديد الحقائق البديهية بل اريد التحذير من اللجوء الى بعض " التقنيات " الثقافية ) كالحفريات الاثرية والصيانة والترميم والتوزيع والتكوين ( التى قد تؤول إلى تشويه هذا المقوم او ذلك من مقومات الذاتية الثقافية
ومما يتراءى لى فى هذا السياق مع الاعتذار عن الاستشهاد بما هو واقع فى بلدى - ما قد تؤول اليه الحفريات الموجهة " التى قد تفسد او تضيع اثناء بحث المسبؤولين عن معالم يرونها وحدها جديرة بالاهتمام معالم أخرى خارجة عن نطاق اهتمامهم ، كذلك كان الشأن فى بعض حفريات السلط الاستعمارية فى البلدان المتعددة التراث فهى لم تكن تهتم مثلا الا بالمعلم اليونانى الرومانى على حساب المعلم البونيقى أو التركى أو العربى أو الهندى
ونحن نشهد الى يوم الناس هذا احوالا مثل هذه تهدد معالم من تراث الانسانية بمخاطر الافساد بل الاتلاف النهائى ما لم تحل اليونسكو دون ذلك أو ما لم تجد اليونسكو نفسها ، مثلما هو حالها مع القدس ، قصيرة اليد ، بل عاجزة حتى عن القيام بالبحث عن درء ذلك .
ولا اخال ما اقوله فى الاثار الا منطبقا على المكتبات والمتاحف وحتى على الموسيقى .
اما فيما يخص البعد الثقافي للتنمية فعلينا قبل كل شئ ان نقتنع بان عهد الشعارات العامة - مهما كانت سخية - قد ولى .
ان ما يجب ان تترجمه - بكل تأكيد - القرارات واللوائح هو الحقيقة التى نجلت للذهن البشرى بعد تجارب باهضة الكلفة وتتمثل هذه الحقيقة فى ان ليس من تطور بشرى مجد دائم ما لم يكن التطور نتيجة عمل " صناع شارك فى تصميمه الجميع وامنوا بالمبادئ التى اوحته ، فلا يمكن لشعب من الشعوب أن يتمادى في السماح بتوريد نمط تنميته أو قبول تمادى فرضه عليه لذا وجب أن يكون نقل التكنولوجيا اذا اريدت له الجدوى ، أكثر وأفضل من مجرد عملية نقل لان التكنولوجيا تتفاعل مع المحيط الثقافي الذي تنشأ فيه تفاعلا كما هى الى اكثر كثافة اذا ما خفي عن العيان فاذا ما نقلت هذه التكنولوجيا كما هي الى محيط غير محيطها فانها تفقد ذلك التبادل المنعش الضامن لفاعليتها وتطويرها
ثم اننا حسب تراجح القوة بينها وبين المحيط سرعان ما نرى المحيط الذي فرضت عليه يرفضها او نراها تشوه هذا المحيط وتخل به بل غالبا ما تتوالى الكارثتان اذ نرى بيئة الاستقبال بعد ما تم تشويهها وبترها ، ترفض التكنولوجيا المستعارة في نهاية المطاف على ان القطيعة لا تتم الا وقد تفاقم تخلف المجموعة بعد تحملها تكاليف هذه التجربة الفاشلة ومثل هذه الكوارث كثيرة ويا للاسف وهذا ما جعل ندوة بوقوطا تشير بخصوص هذه الحالات الى ان حصول هذا الانحطاط الثقافي من شانه ان يهدد الانسانية وينخر كيانها ويعود عليها بالشر والوبال فيشل سبعيها الى التنمية .
وهنا ايضا لا فائدة ترجى من الجدل ، بل المهم هو التحليل الواضح الموضوعي لاسباب هذا التنافر ونتائجه ولعل جملة من القرارات ، المتواضعة فى مظهرها ، ستجنب اصحاب القرار في المستقبل ، الخيبات التى منينا بها وما نزال
فما من شك انه من المفيد التذكير بالتوصيات السابقة التى تنص على ان مخططات التنمية يجب ان تخصص للتنمية الثقافية بابا على حدة ، الا انه من المفيد ان نستخلص اليوم بوضوح العبرة من ممارساتنا الاخيرة الم نلمس ان المشاريع الوطنية - مثل اتفاقات التعاون الثنائى او الدولى من اجل التنمية محكوم عليها بالاخفاق كليا او جزئيا ، ما لم تسبقها او ترافقها او تتبعها انشطة ثقافية ، ذات اتصال وثيق بها ؟ وبالتالى افلا يمكننا بل افلا يجب ان نوصى بالتنصيص على المكونات والمقتضيات الثقافية واثباتها فى الميزانيات على صعيد المشاريع ذاتها لا فقط بالباب المخصص لخطة التنمية الثقافية سواء تعلق الامر بالدراسات او بالتجهيزات او بالانشطة ؟ نعم وكيف لمسؤول وطني مخلص بل وكيف لمناقش نزيه ان يستكثر التكاليف التى من شأنها ان تزيح خطرا يكون من عدم الجدوى بل ومن الاجرام السكوت عنه ؟ ومع ذلك ، فما اقوم الطريق الذى ستفتحه هذه المنهجية فى وجه الدراسات الاجتماعية الاجتماعية الهادفة الى التنمية والبحث العلمى والتقني في خدمة التنمية والتعاون الثنائى والدولى وفي خدمة التنمية والسلم ، نعم السلم سلم بين المجموعات داخل الامم بسبب ما تفرضه مثل هذه الطريقة من مساهمات سلم بين الامم بسبب ما تستدعيه من تعارف .
هذا ما يعود بي الى بعض الملاحظات التى افتتحت بها حديثي عندما اشرت الى أن السياسة الثقافية التى ترمي الى مثل هذه الاهداف وتتسع الى هذه الآفاق لم تعد من صلاحيات وزارات الثقافة وحدها ، بل يتحتم على كافة مراجع القرار بالبلاد ان تشاركها فيها اما المسؤولون الثقافيون فحسبهم - وليس هذا بالهين - الدعوة للحوار والتعاقد واعداد تراتيبها وشروطها أو تطويرها .
ولتسمحوا لي ختاما أن اتطرق سعيا الى الواقعية والجدوى ، الى نقطتين اخريين من جدول الاعمال ، وهما النقطة المخصصة للبحث عن الابداع والنقطة المخصصة للإدارة الثقافية ، انه بامكاننا ان نصدع بان الوقت قد حان لتجاوز المناظرة التقليدية بين مقتضيات حرية الابداع وضرورة " الكفالة التى يريدها الفنانون او المتكلمون باسم الفنانين
انه لم يعد من الغرور او من السابق لاوانه ان توصى الندوة بتوفير الوسائل للقيام بدراسة ضافية لسيغ تمويل الابداع الفنى وانماطه ثم اعتمادها ) مع ما تقتضيه الحالات من واجب التعديل ( حتى تضمن للفنان انعتاقا من التبعية المقيتة او من النجومية التى هي محض وجه من الوجوه الخلابة لتلك التبعية فلقد دعت كل الندوات الاقليمية وكل لجان الخبراء ، الى التفاعل بين الفن والنشاط الانتاجى للمجموعة بما يكون حافزا على التفكير فى نصوص قانونية لا تقتصر على التشجيع بل تتعداه ) مع المرونة اللازمة ( الى فرض تواجد الفن من موسيقى ورسم ونحت ومسرح وسنما ( فى العمارة وفي قاعة الدرس في الورشة وفي الادارات ؟ فضلا عن استديو الاذاعة والتلفزة وقاعة الرياضة أو الملعب .
وفى هذا الخصوص كما فى سابقه ليس لوزير الثقافة فى السنوات الاخيرة من القرن العشرين ان يحلم بان يجدد امجاد ميسيناس ويجعل من الفنانين طفيليين من حوله ينظرون ما يجود به من العطايا والصلات بل يكفيه فخرا واعتزازا ان يقترح في الابان على المشرع وعلى غيره من اصحاب القرار ضبط قواعد الحوار بين فنانين هم فى مستوى جمهورهم وجمهور فى مستوى فنانيه .
وانه ليس من الهين ايها السادة والسيدات وزراء الثقافة ان تمكنوا الجمال من ان يصبح النمط الطبيعى لاطار حياة الشعوب ونشاطهم وانى على يقين من ان الشعوب والمبدعين الذين انجبتهم هذه الشعوب قادرون اذا ما تحققوا من انهم سوف لا يحرمون اصالتهم على تنزيل الجمال منزلته التى حرمه اياها مجتمع يسوده الضجر والرتابة ، اليس هذا الدور - على تواضعه الظاهر - جديرا بكم ايها السادة والسيدات وزراء الثقافة وبالآمال التى تضعها فيكم منظمة الامم المتحدة عبر اليونسكو إذ تنتظر منكم مساهمة كبرى ( ابرزت الظروف التى تجتازها الانسانية حاجتنا الماسة اليها ( فى اقامة نظام يكون الجمال فيه والعدالة صنوين متلازمين ؟

