بهذا العدد تنهى مجلة الفكر سنتها السادسة والعشرين وقد قدمت للقراء الكرام أثناءها حصيلة من الدراسات والبحوث والشعر والقصة منها ما هو تونسى فى اغلبه ومنها ما شارك به اشقاؤنا من المغرب والمشرق العربيين مساهمة فى خدمة الادب والفكر في وطننا العربى .
وان اسرة المجلة لفخورة بما قدمته فى هذه السنة من أعمال أدبية وفكرية وثقافية بصورة عامة عاملة مثلما دابت عليه منذ تأسيس المجلة على ان تكون اعدادها مرآة للحياة الثقافية فى تونس ولبنة فى صرح الثقافة العربية والانسانية وان تبقى دائما متفتحة على العصر آخذة بيد الشباب متطلعة الى كل انتاج حي مهما كان مصدره ومأتاه بشرط أن يكون محافظا على المستوى الادبى والفنى الضرورى لكل خلق يحترم القراء ويقرأ لهم حسابا .
وان الذى تلاحظه اسرة المجلة بكل فخر واعتزاز هو انه خلافا للسنوات الاولى التى برزت فيها المجلة وهى وحدها على الساحة الادبية والفكرية فى تونس تجاهد من أجل ثقافة تونسية عربية فانها تشهد اليوم ، والحمد لله ، وجود مجلات عديدة ووفرة فى الانتاج بتنوع بحسب الميول والاتجاهات ويتباين على قدر الهمم الادبية والفكرية المتواجدة . وهذا كله يعد نجاحا لكل أهل الثقافة فى البلاد وعربونا للاستمرار والمضى فى هذه السبيل المثمرة .
واننا عندما نسجل هذا النجاح ىي الحقل الثقافى الذى يتميز بايجابياته اكثر من سلبياته فانه فى واقع الامر نجاح لكل الذين عملوا منذ الاستقلال على تركيز الدولة التونسية وتثبيت أركان المؤسسات وتدعيم كل الخلايا الحية سواء كانوا مسؤولين سياسيين او غيرهم . فالتطور والتقدم فى تونس أمر لا يمكن ان ينكره الا جاحد وهو عزيمة سياسية تضافرت جهود كل التونسيين على ان تكون تونس اليوم غير تونس الامس وعلى الا تبقى اليوم كما هي بل ستسير الى الامام فى طريق الخلق والجهد على اساس من الديمقراطية الحق والعدالة الاجتماعية المضمونة متمسكة فى ذلك باصالتها وبالقيم الروحية الاشتراكية الكامنة فى دينامية الاسلام وحضارته .
وعلى كل فان اسرة مجلة الفكر ساهمت المساهمة الفعالة فى ان تكون الثقافة العربية الاسلامية فى هذه الديار مشعة مفضية الى ما نشهده فى هذه الايام من تحرك حثيث فى الميدان الثقافى يتماشى فى واقع الامر مع ما ارادته تونس لنفسها منذ الاستقلال . فلقد رأينا المثقفين يجتمعون فى هذه الايام الاخيرة فى لجان استشارية عديدة وينكبون على قضايا الثقافة درسا وتعمقا واقتراحا ويقدمون حصيلة ضخمة لما يتصورونه من العمل المستقبلى فى هذا الحقل .
وهذا فى الواقع أمر اساسى لان الثقافة لا تزدهر بالقرارات ولا بالقوانين فقط بل انما هى حوار متواصل ولقاء بين المثقفين مستمر وتمرس على الجهد الثقافي الذى لا ينى ، وتفاؤل فى تغيير الواقع وعزيمة فولاذية لتذليل الصعاب وقهر المستحيل وارادة لا ينتابها الضعف لكسر اطواق الجمود والرجعية والانكماش حتى وان لبست لبوس الرفض فى بعض الاحيان وتوشحت بوشاح الثورة .
ولهذا فان العمل الثقافى ككل جهد بشرى يقتضى الحوار المتواصل والنقد المستمر والتشاور الممتد الاطراف لان بذلك يمكن التمييز بين الغث والسمين وتبين الصحيح من الزائف وهو ما ابرزه المثقفون فى استشارتهم الاخيرة ووضعه بكل دقة الاستاذ محمد مزالى الوزير الاول - نيابة عن المجاهد
الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة - فى كلمته التى توجه بها الى ما يقارب الالف من المثقفين فى قصر المؤتمرات بتونس ( 8 جوان 1981 ) .
ولقد تجاوب الحاضرون مع هذه الكلمة لانها تركزت على المفهوم الحقيقى للثقافة ودورها الانسانى وعالجت قضايا شائكة تتطلب النظر والحل وفى كلمة اوضح رسمت السياسة الثقافية فى انبل معانيها وحدددتها باللغة الواضحة الفصيحة وبنت ركائزها على اسس يظهر ان الجميع متفقون عليها .
واذا كانت هذه الكلمة لم تدخل فى تفاصيل كل قطاع من قطاعات الثقافة فانها رسمت الطريق وكشفت عن نية الحكومة فى اعطاء الميدان الثقافى اهمية كبرى واكثر من ذلك عزيمتها على تذليل الصعاب باتخاذ الاجراءات الكفيلة بالنهوض بهذا الحقل .
وفعلا فان هذه العزيمة ظهرت فى القوانين الخاصة بقطاع السنما الذي اصبح الخاص والعام يعرف قيمتها وكيف انها ستنهض بهذا الفن انتاجا واستهلاكا وظهرت ايضا فيما قررته الدولة من دعم للكتاب سواء بالتعويض الجزئى أو المساهمة فى تكاليف الشحن وهى اجراءات أولية ستتبعها أخرى واكثر من هذا فان الحكومة رصدت ما يزيد عن نصف مليار من المليمات لاستكمال الهياكل الاساسية الثقافية من دور للثقافة والشعب ومن مكتبات ومتاحف وغيرها وهو اجراء سيكون له ابعد الاثر فى نفوس المواطنين ويمكن الآلاف من الشباب والكهول من الانتفاع بالمادة الثقافية خاصة وان هذه الاعتمادات ادرجت في الميزانية الملحقة لسنة 1981 .
وعلاوة على كل هذا فان الحكومة عازمة قبل نهاية 1981 على ان تعالج كل قطاعات الثقافة اما بالإجراءات السريعة الفورية او بالمخططات المرحلية الآجلة وعازمة ايضا كما صرح بذلك السيد الوزير الاول ان تمضى قدما فى ادماج الثقافة فى الدورة الاقتصادية واستنباط كل الطرق والوسائل التى
تدفع الخلاقين على الانتاج فى أحسن الظروف وتحث المواطن على الاقبال على المادة الثقافية اقبالا طيبا .
وليس غرضي ان ادخل فى التفاصيل لان ذلك لا يمكن ان يكون مادة مقال اذ ان حصيلة الملف الذي خرجت به اللجان الاستشارية يعد عشرات الصفحات وانما اريد ان اركز على مسألتين الح عليهما السيد الوزير الاول ويتطلبان التطبيق العاجل .
فالمسألة الاولى تتمثل فى التأكيد على ما اسميه بتربية الحس الثقافي فى الانسان التونسي تربية جديدة سليمة بناءة . والحس الثقافي يقتضى ان تكون للمواطن رغبة فى الاقبال على المادة الثقافية أولا والتمييز بين الغث والسمين ثانيا حتى لا يبقى سجينا للثقافة الزائفة المخربة للنفس وللمجتمع ومستهلكا لما يتنافى مع حضارته وشخصيته منساقا الى مظاهر باطلة من التقدم وهذا هو الذي يحفز الخلاقين على ان يبحثوا دائما عن الجديد من الانتاج والرفيع منه غير مدفوعين الى السهولة او حلول اليأس وحلول اليأس في الخلق وما يتبعها من علامات التشفي في النفس والمجتمع مفسدة للابداع والابتكار فهي السوسة التى تنخر الفرد لتنتقل الى المجموعة وتفسد كل عمل انساني.
لهذا فانه يتعين تعهد هذا الحس الثقافي في المواطن وارهافه بطرق سليمة صحيحة والانكباب على برامج التعليم حتى تولى عناية بهذا الحس وتخلق فى الطفل والتلميذ والطالب الحاجة لتذوق المادة الثقافية والابداع فيها ان كان صاحب موهبة
اما المسألة الثانية فهى تتعلق بهذه المؤسسية الجديدة التى اشار اليها السيد الوزير الاول وهى المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والتأليف وبين انها ستكون تونسية اساسا مغربية عربية مشربا عالمية تركيبا . وستتولى هذه المؤسسات تعزيز ما بداته الدولة التونسية من عمل فى هذا الباب ولكنه يحتاج الى مزيد من الاحكام والضبط والتخطيط ويقتضى جمع عدد عديد
من النخبة التونسية المنتجة مع اقطاب من المغرب والمشرق العربيين ومن العالم لخدمة الثقافة الانسانية خدمة مشرفة .
هذا ما ارادت ان تساهم به اسرة الفكر فى انطلاق المسيرة الثقافية فى هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ البلاد وهى عازمة كعهد القراء الكرام بها ان تبقى متسمعة الى احدث ما يجد فى المجتمع التونسى والعالم رحبة الصدر متفتحة الابصار لا تدعى الحكمة ولا العصمة فى اى موضوع من المواضيع مؤمنة ان الانسان لا تكتمل انسانيته الا فى الخلق المستمر الىي وانه لا قرار ولا استقرار الا في الجمود وتوقف عجلة الزمن فى مرحلة من المراحل مهما كانت مزدهرة .

