الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ دعم الروح العلمية

Share

لا نزال نناضل فى هذه المجلة - منذ تأسيسها سنة 1955 - فى سبيل استقلال الوطن اقتصاديا وفكريا ، بعد الفوز بنعمة الحرية ونخوة السيادة الكاملة ، ونساهم فى توجيه الاجيال الصاعدة حتى تثق فى نفسها وتستهدف سلم قيم سامية فى حياتها وتلتحم بحركة الابتكار العلمي والخلق الثقافي والفتوحات الفكرية ، فتتخلص من منزلة المستهلك المستجدى الى مستوى المنتج المبدع .

ولئن ركزنا جميعا معركة المصير على ضرورة الخروج من التخلف الاجتماعي والتقهقر الاقتصادى وحققنا إنجازات باهرة فى نشر المعرفة وتوفير اسباب الصحة وبناء المسكن اللائق وإيجاد التجهيز الأساسي فانه علينا اليوم - كما  نبه الى ذلك السيد رئيس الجمهورية فى الشهر المنصرم - مع مواصلة  المجهودات المبذولة في نطاق التنمية ، أن نعنى اكثر من ذى قبل بواجب تركيز الروح العلمية وتدريس العلوم والفنون والتكنولوجيا ، والتشجيع  الاقصى على البحث العلمى ، وتوخي كل السبل الموصلة الى هذا الهدف ، لان الشعوب لن توفق فى اجتياز منعرج عام 2000 بسلام ، ولن تضمن لنفسها المناعة والكرامة الا اذا هي أخذت بأسباب العلوم الصحيحة وساهمت فى الانتاج وتقدم المعرفة الانسانية .

وفضلا عن أن البلاد تسير فى هذه السبيل خطوات مباركة إذ يوجد اليوم عندنا ما يقرب من 400 عالم وباحث يعملون كامل الوقت أو نصفه فى اكثر من كلية ومعهد عال ومركز بحث . . منتسبة اما للجامعة أو تابعة لوزارتي الفلاحة والصحة أو لغيرهما . . . وان الدولة التونسية تنفق فى هذا الصدد حوالي مليونين من الدنانير سنويا ، فانه لا بد من مزيد الاحكام لتنسيق هذه الجهود على الصعيد القومى وتشجيع الباحثين والعلماء باصدار قانون أساسى للبحث وإيجاد هيئة قومية لتوجيه نشاطهم ، ولا بد كذلك من برامج لتكوين عدد كبير من الفنيين السامين والاختصاصيين المهرة لا يتيسر للباحث مواصلة  عمله إلا بالاعتماد عليهم والتعاون معهم .

وهذا يعنى أن برامج التعليم يجب أن تراجع على أساس تشجيع مواد الرياضيات والفيزيا والكيميا والشعب التقنية ويعني أن يوجه أكبر عدد ممكن  من التلامذة الى هذه الاختصاصات ، حتى يبرز من بينهم أفذاذ العلماء ، ونخلق مناخا ايجابيا موضوعيا مناسبا يطهر بعض العقليات مما لا يزال عالقا بها من  اشباح الخيال المريض والاوهام الضالة ويروض الشباب على مجابهة الواقع  والتعرف الى نواميسه ، للسيطرة عليه وتغييره .  

ذلك ان نشر العلم وتشجيع اهل الاختصاص التكنولوجي  يقتضيان ايضا اشاعة الروح العلمية التى لا تتناسب دائما تناسبا تاما مع حجم المعارف ذات الصبغه العلمية البحتة بل هى عقلية يحتاج اليها الى جانب العلماء كل المواطنين وخاصة الأدباء والفلاسفة والشعراء حتى لا يهيموا في كل واد . .

ومن جهة اخرى كم عالم بحاثة وطبيب مبرز ومهندس عبقرى ورجل سياسة المعى حنوا الى الشعر وولعوا بالأدب وكان لهم خيال مجنح وحدس  مرهف وومضات نورانية ونفحات قدسية ، ربما أعانت البعض منهم على رؤية ما رأى واكتشاف ما اكتشف ؟ . . ألم يكتب افلاطون الحكيم على باب هيكله " من لم يكن مهندسا فلا يدخل علينا " أو لم يكن فاليرى الشاعر الكبير  من اكبر المختصين فى الرياضات والأديب دوهاميل والشاعر ابراهيم  ناجى من كبار الأطباء ؟ على أن لهؤلاء جميعا تكوينا عاما متينا وروحا علمية حقة اكتسبوهما منذ دراساتهم الثانوية . لذلك وجب مراحعة برامج التعليم وتطوير مناهجه حتى يتكون الشباب الطالع هذا التكون الاساسي الصحيح  المتكامل الذي يراعي كل ملكات الانسان ، ويهيئه فى نفس الوقت الى الإنسجام  مع روح العصر والتزوج به والقدرة على مسايرته وتسييره .  

ثم إنه لا بد إذا ما رمنا - صادقين - إيجاد مناخ ملائم للعلم مشجع على  البحث ، من أن نغرس الثقة فى النفس ونؤمن بقدرتنا الفردية والجماعية  وتحيط كل المحاولات - مهما كان مآلها - بالعطف والمساعدة ، لأننا ورثنا الشك فى انفسنا والتحقير من شأننا ، علاوة على ما يثيره العالم كلما اكتشف جديدا وصدم معاصريه وحتى زملاءه من لامبالاة ومعارضة فى البلدان المتقدمة ذاتها .

فان خطأ نظرية إقليدس حول الخطوط المتوازية قد برهن عليه قاوس سنة 1805 ولوباتشفسكى سنة 1825 ولكنهما - خوفا من عدم تسامح الناس وإدراكهم لما وفقا إليه - لم يتجرءا فيصدعا به جهارا إلى أن فعل ذلك ريمان بعد ما يقرب من خمسين سنة ناسبا فضل السبق إليه . وهذه نظرية المجال المغناطيسي ل فاراداى اعتبرت كنزوة شيخ عالم نالت منه الشيخوخة لم تؤيد وتتأكد على يد أنشتاين إلا بعد ان كان مضى عليها عشرون سنة . أما قانون اوم Chm الذى كان قانونا أساسيا للكهرباء وتم اكتشافه على يد هذا  الاستاذ الالمانى الخامل الذكر فانه لم يعترف به مواطنوه الالمان إلا عندما اكده علماء الانقليز بعد عشرين سنة . وإن الاكتشاف الجوهري للكيمياء من طرف لافوازيي سنة 1770 قد قوبل من لدن اكادمية العلوم والاوساط العلمية بعداوة ضارية وتطلب إقراره ما لا يقل عن عشر سنوات ، وبالرغم عن ان هارفى الطبيب الانقليزى الشهير اكتشف الدورة الدموية سنة 1622 فان كلية الطب بباريس رفضت الاعتراف بذلك ولم يكتب لهذا الاكتشاف ان يعترف به إلا سنة 1657 . وهل نحن فى حاجة الى التذكير بأن نظرية كوبرنيك ) 1540 ( لم يتقرر تدريسها بالسربون إلا عند قيام الثورة الفرنسية ) 1789 ( ، وان مذهب النشوء والارتقاء لداروين لا يدرس الى اليوم فى بعض الجامعات الامريكية ؟ ! . . .

وعلى هذا الاساس فان شباب علمائنا لا يمكن ان يكون حاجزا دون مساهمتهم الايجابية فى إنماء العلوم وعليهم ان يؤمنوا - هم قبل غيرهم بذلك فهذا كبلير Kepler يكتشف المدار الاهليلجى لمارس ellipticide  I' orbite de Mrs    وهو فى الرابعة والثلاثين من عمره ، وهذا إ . قالوا E . Galois يبتكر نظرية المجموعات la theorie des groupes a Michelsan فى العشرين من عمره ، وكان ميكلسون Michelson فى الخامسة والثلاثين عندما برهن على ثبوت سرعة الضوء ولم يتجاوز انشتاين السادسة والعشرين لما وضع نظرية النسبية ، وأقر ل . دى برولى  ouis deBro قواعد الميكانيكا التموجية la mecanique dotore وهو فى الثانية والثلاثين وهذا الشيخ الرئيس ابن سينا يقول : " فلما بلغت ثمانى عشرة سنة من عمرى فرغت من هذه العلوم كلها ، وكنت إذاك للعلم أحفظ ولكنه اليوم معى  انضج ، وإلا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شئ " وهذا محمد بن جابر  البتاني ) 850-929 ( بطليموس العرب ) انظر الفهرست لابن النديم  بدأ يسجل نتائج أرصاده وله من العمر 27 سنة فأصلح نتائج بطليموس وحرر الميل الكلى ( inclinnoison del' ecptive ) وضبطه بقدر ، 2351 ويقول الفلكى الفرنسي الشهير لالند في ذلك : " إذا أضفنا إلى هذه القيمة ، ، 4 التى هى  مقدار انكسار الأشعة النورية على طبقات الجوrefruction mosphee وطرحنا ، ، 3 لاختلاف المنظر erreur de poxe كانت القيمة التى ضبطها البتاني ، 235،41 بينما كانت عند بطليموس ، 2351،19 وبينما هي في الحساب المعاصر ، 2327 " وتم ذلك للبتاني سنة 879 م . اي حين كان عمره 29 سنة والواقع ان هذه الأمثلة تدل على أن السن ليست حائلا دون الاكتشافات الرائعة مع العلم أن عددا كبيرا من الاختراعات ابتكرها اصحابها فى سن الكهولة وحتى الشيخوخة .

ولكن المهم هو أن نكون مقتنعين بأن البحث العلمي لا يزدهر الا اذا وجد - الى جانب التجهيزات الضرورية والتشجيعات الادبية والمادية للباحثين والتنظيمات الملائمة . . . المناخ المعنوى الضرورى ، وأمن الشعب بنفسه وبقدراته وكان له هدف فى الحياة ونشأ أبناؤه معتزين بوطنهم محبين له . غيورين عليه ، اعتزازهم بأنفسهم وبالانسانية ومحبتهم للحقيقة وغيرتهم  على العلم .

فلنلائم برامج التعليم والثقافة - اذن - حتى تعم الروح العلمية كافة اصناف الشعب وتستأصل الشعوذة وتزول العقلية الخرافية وتتركز إرادة الحياة والبقاء في أجيالنا الصاعدة وحتى نقلع عن الاستهلاك والاستجداء ونخلق ونبدع كما تفعل الدول المتقدمة . . . اذا اردنا ان نخرج من التخلف حقا ونساهم في بناء الحضارة .

اشترك في نشرتنا البريدية