انتظمت فى تونس ايام 13 - 14 - 15 فيفرى 1981 ندوة حول " مناهج تدريس الادب فى الوطن العربى ، وهى ندوة أعدتها الأمانة العامة للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب بالتعاون مع اتحاد الكتاب التونسيين تنسيقا وتنظيما وشارك فيها ثلة من الاساتذة الباحثين من فلسطين والمغرب والجزائر والعراق ولبنان والاردن والبحرين وليبيا وتونس
واشتملت هذه الندوة على المحاور الثلاثة التالية :
1 ( مادة الأدب العربى كما هى فى واقعها وكما ينبغى أن تكون 2 ( منهج من أجل التذوق والابداع أم من أجل تتبع تاريخى للادب 3 ( منهج تدريس الأدب فى ضوء غاياته الوظيفية وأهدافه
واذا كانت هذه الندوة ، على خطورتا ، لم تلق العناية الجديرة بها إعلاميا فانها يمكن أن تعد منطلقا مهما بالنسبة الى موضوع شائك يعسر الاتفاق فيه نظرا الى اختلاف البرامج وتعدد الطرق فى البلدان العربية . وليس كافيا ان تصدر توصيات مهما كانت شرعيتها وعمق تحليلها اذ ذلك فى الواقع مناط قبل كل شئ بعهدة وزراء التربية الذين هم يصطدمون فى أكثر الأحيان بتقاليد وتجارب لها مساس بواقع بلدانهم .
وإن طموح هذه الندوة فى توحيد مناهج تدريس الأدب بارز فى التوصيات السبع التى يكون من الفائدة سردها بالتفصيل ليتسنى التعليق عليها والتنبيه الى خطورتها .
فالتوصية الأولى تناولت ضرورة وضع أهداف واضحة لتدريس مادة الأدب على المستويات المختلفة في مراحل التدريس آخذة بعين الاعتبار الانسان العربى ومجتمعه وبئته وقضاياه الاجتماعية والوطنية والقومية والإنسانية وتفتح السبيل أمام الملتقى ليصل الى موقع يكون فيه متفاعلا مع تحارب الحاضر منتفعا من تراث الماضي ومتوجها نحو المستقبل
والتوصية الثانية تهم تعميق التذوق الفني والجمالى فى مناهج تدريس الادب لا تكديس المعارف وجمعها وحفظها عن ظهر قلب
أما الثالثة فتدعو الى ابراز الإطار الحضارى ، للعصور الادبية العربية ليكون إطارا شاملا لدراسة الادب لا هدفا أساسيا له وتخصيص عصر النهضة والعصر الحديث بقسط وافر من العناية بما يؤهل المتلقي لفهم حاضره وقضاياه الملحة والمصيرية وتزويده بأدوات الدراسة والمعرفة والاختيار والتمحيص الملائم لذلك .
والتوصية الرابعة تحض على تشجيع الاتجاه الآخذ بتعريف الدارسين بروائع الادب العالمي ونظيراتها العربية والافادة من المقاييس والمذاهب العالمية بما يتلاءم والخصوصية الوطنية والقومية والانسانية للمجتمع العربى المعاصر .
أما الخامسة فتشير الى وجوب تحديث اساليب تدريس اللغة العربية بما يخدم الادب العربى وبربطه بالحاجات الحضارية المتنامية للأمة العربية ، والابتعاد عن الاساليب القديمة التى تحيل النص الادبي الى مجرد مادة قابلة للاستظهار بما يعزز الدور الفاعل للغة والإدب فى الحياة القومية للحماهير وحركة المجتمع والعصر
وتحث التوصية السادسة على ضرورة أن تمثل النصوص المدرجة فى كتب تدريس الادب كافة الاقطار العربية حتى يتمكن الدارسون من الاطلاع على الواقع الادبي في الوطن العربي بصورة شاملة
وأخيرا فان التوصية السابعة تؤكد على ضرورة عقد ندوات ولقاءات دورية متخصصة تضطلع بها وزارات التربية والتعليم والجامعات فى الوطن العربي بالتنسيق والتعاون مع الامانة العامة للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم فى الجامعة العربية ومراكز البحوث والدراسات العلمية ذات العلاقة المشتركة من أجل الوصول الى وضع صيغة موحدة لمناهج وبرامج وأساليب تدريس الادب فى الوطن العربي ، آخذة بعين الاعتبار الخصائص الوطنية ضمن الشمولية القومية
هكذا يظهر إذن من هذه التوصيات أن العمل كان جادا طموحا يتناول جزئيات كثيرة كان ربما من الأفضل تحاشيها نظرا الى وجوب سلوك المرحلية فى هذا الباب .
ذلك أن أول ملاحظة يمكن ابرازها فى مادة تدريس الادب في البلاد العربية هو خلو البرامج من نظرة شاملة ومستوفاة الى اهم التيارات الادبية الموجودة فى كل قطر عربي مع أسماء اعلامها وأروع آثارها ، فهل نحن نجد مثلا فى الكتب المبرمجة بالمشرق العربى نصوصا كثيرة تعرف الناشئ العربى باهتمامات الكتاب المغارية قديما وحديثا ؟ وهل نجد أكثر من ذكر أبي القاسم الشابي وفي بعض الاحيان محمود المسعدى ؟ بينما الادب التونسي الحديث يزخر بالكتاب والشعراء الذين لا يقلون قيمة واثرا عن أشقائهم المشارقة
وإن الخطوة الاولى التى من الواجب علينا أن نخطوها هي أن نخصص ندوة من الندوات القادمة الى فض هذا المشكل ببرناهج مضبوط يقدمه كل اتحاد ويضع فيه الحد الأدنى مما يجب أن يعرفه المتلقي الناشئ عن ادب الأقطار العربية الاخرى . ذلك أن العقبة الاولى تكمن فى الاتفاق على انه من الواجب
التعريف بأدب كل قطر ثم نقف عند هذا الحد بينما المجهود الذى يفرض نفسه علينا هو ان نقوم بعمل ملموس مجسم وانى فى هذا الباب اقترح ان يعمد كل اتحاد :
(1 إلى إعداد كتاب مختصر يتضمن أهم التيارات الادبية والفكرية مع الأعلام والنصوص ويقتصر فى ذلك على الادب الحديث في قطره .
(2 إلى إعداد مختارات على حدة تهم الشعر والقصة والدراسة والبحث والنقد ، وإن هذا العمل من شأنه أن يسهل العمل على امانة اتحاد الادباء العرب فتصدر هى بدورها كتابا يتضمن كل التيارات الادبية والفكرية فى الوطن العربي مع الأعلام والنصوص لتكون مرجعا فى إعداد المناهج والبرامج . وبذلك نسهل على وزارات التربية فى كل بلد عربي هذه الأمنية .
وبديهى أن هذا العمل يقتضى التمويلات الضخمة والمجهودات الجبارة التى يجب أن تتضافر للخروج من هذا التعثر الذي ينسب الى اتحاد الادباء العرب وهو فى الواقع ليس بتعثر وإنما هو تحسس للعمل المثمر المجدى الذى لا يأتي إلا باللقاءات المتكررة والحوار المستمر
فحبذا ، إذن ، لو خطونا هذه الخطوة فنكون قد اسدينا الى الأجيال العربية خدمة جليلة فى مزيد التعريف بالأقطار العربية وبرجالاتها وظروف حياتها وهو الضمان الوحيد الذى به نتقارب ثم نتعاون ثم نتحد
ثم إن هناك مسألة أخرى لها اهميتها ايضا وهي التعادلية التى يجب ان نوجدها بين تدريس مادة الأدب واللغة العربية . فكثيرا ما يعسر علينا التوفيق بين امرين :
أ - تذوق التراث الادبي القديم الذي يمثل في غالب الأحيان فترة من الفترات الماضية هو أمر لا مفر من إقراره حتى لا نقطع الصلة بماضينا .
ب - اعطاء اللغة العربية شحنة عصرية تحمل بين طياتها مفاهيم العصر وحضارته .
فالناشئة العربية هي بين امرين فاما انها تقبل على اللغة كأداة حضارية عصرية تتجاوب مع العصر وهذا يقتضى الاكثار من النصوص الحديثة والبعد عن التركيز على التراث مما يفقد الناشئة الصلة بالادب القديم بما فيه القرآن الكريم ويجعلها لا تتذوق جماليا وبسهولة هذا الادب ، وإما أنها تتجه اساسا الى القديم وتفقد اللغة حيويتا والتصاقها بالعصر .
ولا يظنن أحد ان هذا ينطبق على المختصين او الولوعين بالادب العربى بل اني اعنى الكثرة الكثيرة من الذين اصبحت اهتماماتهم بعيدة عن الاختصاص فى الادب واللغة
ولهذا فانه لا يمكن بصورة من الصور ان تغيب عنا هذه الظاهرة وهي تفرض علينا ان نحبب الى هؤلاء التراث ولكن بلغة العصر وبانتقاء ما يمكن أن يقترب منها . الم يحاول مثلا طه حسين كتابة ابيات من لزوميات المعرى كتابة جديدة ؟ واذا كنا نوافقه او لا نوافقه فان المسألة تبقى مطروحة وتقتضى منا الحل المناسب والأقرب الى المعقول
وهكذا فانى اعتبر ان هذين المسالتين هما الجديرتان بالانكباب عليهما فى الوقت الحاضر لأنهما ربما تفضيان إلى التطبيق العاجل ، أما ما يتعلق بالنظريات التى تخضع فى الواقع الى الايديلوجيات فانه يمكن انتظار مرحلة اخرى لاحقة .
وخلاصة القول : إن هذه الندوة الغزيرة المادة والجليلة الموضوع يجب ان تتبعها - من قبل الأمانة العامة للأدباء والكتاب العرب - خطوة اخرى عملية فى الاتجاه الذي ذكرته وان تتحمس لها الاتحادات وتشرع فى هذا العمل الذى لا يمكن لأى عربي إلا ان يهتز له ويباركه
