الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ, فى سبيل خطة موحدة للإعلامية العربية

Share

هدايا

إن العالم المتقدم بتطور بسرعة فائقة وإن ما يحصل كل يوم فى أمريكا واليابان وعدد من بلدان أوربا لمذهل حقا . وأهم وسيلة تتجه اليها الامم المتقدمة وتعتبرها دعما لقوتها وأساسا لمنعتها هو خزن المعلومات والمعطيات المختلفة لا كما كان الشأن من قبل عن طريق الحفظ أو الكتاب فقط بل بالاستعانة بآلات لها طاقة استيعاب وحفظ ومرونة استعمال لم يكن ليتصورها بشر .

فى الاعلامية وهو علم يتجه أساسا الى معالجة الاعلام آليا بصورة عقلانية نظرا الى أن الاعلام يعتبر ركيزة المعارف والتواصل فى المجال التفنى والاقتصادى والاجتماعى .

فالمجتمع الجديد هو مجتمع الاعلام الذى يتوصل الى جمع كميات مهولة من المعلومات مهما تعدد مصدرها الجغرافى واختلفت قيمتها وهو القادر أيضا على النفاذ اليها لتكون له رؤية شاملة للمشاكل تفضى حتما الى ايجاد الحلول المؤاتية ولا يكون ذلك الا عن طريق الاعلامية المعتمدة على ناظم الآلة (Ordinateur)

وهذه الآلات الى جانب جمعها للعلوم والمعارف يمكن أن يخاطبها الانسان طالبا منها أن تمده بما يريده مما اختزنته مسبقا وفى امكانه أن يعجم صحة ما تمليه عليه . ولقد تعددت هذه الآلات الجديدة وكثرت أسماؤها وتنوع استعمالها وصغر حجمها بحيث أوشكت أن تصبح فى متناول فئات كثيرة من المجتمعات المتقدمة .

ومن هذه الآلات جهاز التل إعلامية (Telematique) وهو عبارة عن آلة تستعمل خصائص التلفزة والتلفون وناظم الآلة . فبامكان الفرد أن يقرأ وهو فى منزله على شاشة صغيرة مستعملا التلفون أوقات إقلاع وسائل السفر من قاطرات وغيرها وبإمكانه أن يحجز تذاكر المسرح وأن يعرف رقم تلفون ما وأن يطلب من المغازات ما يريده من البضائع ومن ذلك الناسخ التلفزى (Telecopieur)  الذى بامكانه أن يبلغ بسرعة وعلى الشاشة الصغيرة  رسالة أو وثيقة بمبلغ لا يفوق المكالمة التلفونية وكذلك الكم (COM) Computer out put microfilm)) وهو تمكين المستعمل لناظم الآلة من فلم   صغير أو جذاذة صغيرة . وعلاوة على كل ذلك فان هذه الآلات فى مقدورها أو تمكن الفرد فى منزله من تعلم اللغات والرياضيات والموسيقى وتلهية أطفاله بألعاب بريئة . وأكثر من ذلك فهى ستكون صالحة للخلاقين اذ ستوفر عليهم وسائل تعبيرية أوفر وأدق من دون عناء كبير اللهم الا ما تقتضيه عند الخلاق الاصيل الموهبة الحق من معاناة وصبر وسعة أفق .

فالمجتمع العصرى سيكون كما يؤكده بعض العارفين مجتمع الاعلام الذى (( يكون فيه نشاط قطاع الخدمات غالبا على قطاع التصنيع وتكون الامم المتقدمة مكتفية سنة 2000 بـ 3 % فى قطاع الفلاحة و10 % فى قطاع الصناعة والباقى يستوعبه القطاعان الثالث والرابع . والدليل على ذلك أن الامم التى يصدد اللحاق بالامم المتقدمة لها نسبة مائوية فى الخدمات تفوق نسبة الصناعات )) .

ومهما تكن سلامة هذا الاستنتاج ودرجة قوة هذه الامم فان الخط الذى تتوخاه بلدان العالم اليوم يتجه هذا الاتجاه وينحو نحوا فيه (( تقسيم جديد للعمل وفيه استنقاص للمعارك الخاسرة التى يقوم بها دعاة الصناعات الثقيلة أو المتطلبة لعدد وافر من العمال . وهلا يتجه المجهود الى تحبيذ هذه التقنيات الجديدة المتطلبة للمادة الشخماء بقسط وافر والمكتفية بشئ قليل من الطاقة))؟

وهل يعين هذا التقدم البلدان المتقدمة أكثر مما يعين البلدان السائرة نحو النمو ؟ هذا مشكل من المشاكل الذى يجب أن تتدبر أمرها فيه الامم الفقيرة ؟ ولكن لا مهرب من تقبل هذه المقتضيات الجديدة التى فرضتها الامم المصنعة التى سبقتنا فى الحضارة المادية واجتازت مراحل من التقدم التقنى لا سبيل الى التغاضى عنها .

وإن هذه البلدان لسائرة قدما نحو تعزيز اقتصادها عن طريق تقنيات الاعلامية معتقدة أن ذلك يوفر لها فى مجال الصناعات أساليب جديدة من حيث

الدراسات وآلية متقدمة فى الانتاج وهو الى جانب ذلك يدعم المزاحمة اقتصاديا ويحدث نشاطات جديدة ومختلفة خلاقة لمواطن الشغل ومقتصدة فى الطاقة . ونتيجة لكل هذا فان جوا من الرفاه وطيبة العيش سيرفرق على المجتمع من جراء (( ما تقتضيه هذه التقنيات من لا مركزية فى المسؤوليات )) ( كذا ) .

هذا علاوة على ما ستحدثه هذه التقنيات من ثورة فى الاساليب التعليمية إذ سننتقل من المساواة فى الوسائل لتلقى العلوم والمعارف بوضع نفس الاستاذ ونفس الكتب على ذمة التلميذ الى المساواة فى الحظوظ لان الاستاذ غير قادر على مسايرة كل تلميذ على حسب موهبته بينما يقدر التلميذ الموهوب فى القسم الواحد باستعماله وسائل الاعلامية الجديدة على أن يستوعب أكثر مما يستوعبه التلميذ المتوسط الذكاء .

ولكن رغم إقبال الامم المتقدمة بكل طفرة على تركيز مجتمع الاعلام الجديد فان مشاكل كبيرة أثيرت وشغلت بال الدارسين وعلماء الاجتماع . فالكثير منهم يعتقد أن التل إعلامية هو تقدم فى التكنولوجيا ولكنه لا يتقدم بالانسان ولا يوفر له الازدهار الكامل لان التل إعلامية تقتل التواصل المباشر بين البشر ، و لأن الذى يحذق استعمال هذا الجهاز ويمعن فيه امعانا لن يقدر بعد ذلك على الاتصال المباشر مع أفراد المجتمع .

هذا إذا أمكن للاغلبية أن تستوعب هذا التقدم ولكن (( الخطر الكبير كما أكد ذلك المختار مبو المدير العام لليونسكو يكمن فى أننا لن نكون قادرين على استيعاب التغيرات العلمية والتقنية )) فيبقى جزء كبير من المجتمعات على هامش هذا التقدم يجر جرا ولا يقدر على الوقوف فى وجه هذا التحدى التكنولوجى بله التحدى الثقافى وأكثر من ذلك فانه سيصير من حيث لا يشعر عبدا للآلة وأسير لها تغير حياته وتستلب منه أعز ما لديه أى شخصيته وثقافته وحتى (( إنسانيته )) (*) .

إن كل الذى ذكرته آنفا مسرحه العالم الغربى بعالميه القديم والحديد أما نحن فى العالم العربى فكيف واجهنا وكيف سنواجه هذه المآتى الجديدة التى ستغير المجتمعات فى المستقبل ؟

فهلا يكون هذا التحدى مؤامرة أخرى من مؤامرات الغرب ضد العالم الثالث لتبقى مجتمعاته مشدودة أو مستعمرة استعمارا جديدا الى الابد ؟ أفلا تعنى سيطرة هذه التقنيات الاستغناء عن الطاقة المتأتية جلها من البلدان العربية والاسلامية والتفصى من اليد العاملة الكثيرة النازحة من العالم الثالث وأكثر من هذا بيع هذه الآلات المعقدة اليها بمبالغ مالية باهضة تحول حصيلة مجهودها الى البلدان المتقدمة ؟

ماذا فعلت المجموعة العربية لرفع هذا التحدى المزدوج التكنولوجى والثقافى ؟

نعم نجد أن كثيرا من الدول العربية تجهزت بآلات الاعلامية وكونت اطارات لا تقل خبرة عن الاطارات الاوربية والامريكية وأصبحت تعتمد فى عدة ميادين على ناظم الآلة وغيره .

نعم أحدثت الدول العربية المؤسسة العربية للاتصالات الفضائية وسيعلن قريبا عن المناقصة الدولية لاختيار المؤسسة العالمية التى ستقوم بصنع القمر الصناعى العربى للمواصلات عن طريق الفضاء وسيوضع فى مداره آخر سنة 1982 ويبدأ الاشتغال به سنة 1983 وسيكون له تأثير كبير فى تقريب المسافات وتسهيل الاتصالات والبث التلفزيونى (**) .

نعم كونت كثير من البلدان العربية لجانا للاعلامية ولكننا لا ندرى ماذا وصلت اليه من أبحاث وماذا أصدرته من قرارات وكان الأنظمة العربية ضنينة على جماهيرها بالاعلام فى هذا الباب بينما الامر يتعلق بها لانها هى التى ستدعي الى الانتفاع بهذه التقنيات أن عاجلا أو آجلا .

وعلى كل فان الاقطار العربية واجهت هذا التحدى التكنولوجيا مشتتة الصفوف غير عابئة بما تقوم به الشركات العالمية من مؤامرات لاستغلال الطاقات العربية وتعميق الفوارق بينها .

لهذا فانه لا مفر للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم من تكوين لجنة من الخبراء تعد خطة لرفع هذا التحدى التكنولوجيا والثقافى وتكون هذه الخطة مرحلية ترمى أساسا الى :

- ضبط حاجيات البلدان العربية فى هذا الميدان وتخطيط المراحل التى يجب أن تمر بها فى استيعابها لهذه التقنيات وهضمها لهذا التقدم مع التحكم فى المعطيات والمعلومات بحيث تبقى الجماهير محافظة على قيمها غير مهددة بالانغيار والاستلاب .

- تكوين الاطار الملائم لهذه الخطة .

- التخطيط لبعث شركات عربية لصنع هذه الآلات .

وهكذا نكون قد وفرنا لنخبتنا وليدنا العاملة مواطن شغل فى البلاد العربية وتحكمنا فى مواردنا وسخرنا المعطيات والمعلومات ذات الطابع العلمى الشامل الى مقتضيات حضارتنا ومستوى الثقافة عند جماهيرنا وجنبناها الكسل الحضارى المتمثل خاصة فى كرع نخبتنا مباشرة من معين الحضارة الغربية عن طريق اللغات الحية من دون مرورها باللغة القومية التى هى الدرع الحصين الواقى من كل تفسخ واستلاب .

وإن أملنا الكبير فى أن يتحقق هذا الرجاء ويكون له من الشيوع والذيوع لدى الحماهير العربية ما يجعلها تتبنى ذلك وتتبع خطوات تنفيذه بكل حماس واعتزاز وتجعله الرهان الحضارى الذى به تتنزه مسيرتنا الحضارية عن الوقوع فيما من شأنه أن يضيع علينا وقتنا الثمين فى التلهى بالهوامش التى لا توفر على الفرد العربى الحرية والكرامة والعدل .

اشترك في نشرتنا البريدية