الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ, في رحاب الاسلام

Share

فى غضون شهر جانفى 1981 وفي بداية القرن الخامس عشر هجرى انعقدت الندوة الإسلامية بمدينة القيروان ( 13 - 16 جانفى 1981 ) ثم احتفلت الأمة التونسية بالمولد النبوى الشريف وصادف ان كان يوم المولد هو الذكرى التاسعة والعشرون للمعركة الحاسمة من الثورة التونسية التى كانت آخر حلقة من كفاح شعب مسلم آلى على نفسه أن يتخلص من الاستعمار ويخلص وطن من هيمنة الاجنبي الذي مد جذوره متشعبة فى كل مجال على امتداد ثلاث ارباع القرن ثم لما كانت مشيئة الله وارادة هذا الشعب المسلم بقيادة رجال " صدقوا ما عاهدوا الله عليه " استطاعوا ان يجتثوا جذور ذلك الاستعمار وكانوا مصداقا لقوله تعالى " ان تنصروا الله ينصركم ويثبتت اقدامكم "

ولم تكن الثورة التحريرية التونسية التى انطلقت يوم 18 جانفي 1952 تشعر بالتقوقع الذاتي أو الشعور القومى المحدود بل كانت تتجه فى أهدافها من القريب الى البعيد ، وفي غاياتها من الجزء الى الكل إيمانا منها بأن الأمة العربية كلها والعالم الاسلامي باجمعه - ذلك الجسد الواحد ككل الأجساد - لا تكون حية الا بحياة خلاياها ، وتونس كخلية من ذلك الجسد ما كان كفاحها ونضال أهلها - سواء في فترة التحرير القومى أو قبلها أو بعدها والى اليوم - مقصور الغرض على حدودها الجغرافية محدود المغزي على هذه الرقعة الترابية الضيقة من موطن الاسلام الأكبر ، فما غاب عن نفوسنا - طيلة

الكفاح - الشعور الأصيل بأن معركة القومية بالأمس واليوم إنما هى جزء من معركة الاسلام فى أشمل ابعاده الجغرافية وأعرق جذوره التاريخية ، وان ما يمتحن به الله صفوفنا فى هذه أو تلك من معاركنا ليمتحن به دار الاسلام قاطبة ، وانه ما كلل الله سبحانه وتعالى مساعى هذه الأمة بنصر من لدنه الا كان فيه للمسلمين جميعا بمشارق الأرض ومغاربها نصيب من المناعة والاعتزاز والفخر " ( 1 ) .

وليس من نافلة القول أن نجزم أن ثورة الشعب التونسي إنما كانت جهادا بالمعنى الإسلامي الخالص وكان المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة يعطي للكفاح التحريرى التونسي هذا النفس ويغذيه بهذه الروح خاصة فى خطبه التى كانت تزخر بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية .

وليس غريبا ان نجده - في نهاية الكلمة التى خطها في السجل الذهبى لمركز الاتحاد الجهوى للشغل بسوسة أثناء زيارته لها قبل الثورة بعشرة ايام فقط . يدعو للوطنيين : " بأن يأخذ الله بأيديهم ويوفقهم الى ما فيه إنقاذ الوطن من ذل الاستعمار واعلاء كلمة الدين " ( 2 ) . ولئن كان دعاؤه فى هذه الكلمات متجها به إلى الوطنيين التونسيين وهم مقبلون على خوض معركه التحرير التي لم تكن محدودة المغزي على هذه الرقعة الترابية الضيقة من موطن الاسلام الأكبر - كما اسلفنا - فاننا نسمعه يتجه فى نهاية احدى خطبه بالدعاء الى

الله : " أن يطهر البلاد العربية والاسلامية من كل ما ينال من عزتها ويحدد من سيادتها وان يجعلها دوما متساندة مجتمعة الكلمة " ( 3 ) .

ولا غرابة أن نجد دولة الاستقلال تحي الدين فى اصفى مجاليه وتربطه بروح العصر وتقيم المساجد وتنظم الندوات وتقحم التربية الدينية فى المدارس وتطور التعليم الديني لتكون الروح الدينية درعا يقي شخصيتنا من الاستلاب والتذبذب والتفسخ والمسخ .

وان الوعى باذكاء الروح الدينية على الوجه الصحيح الصافى النبع لهو شغل المسلمين الشاغل اليوم في كل أقطار الدنيا . وإن الندوة الاسلامية المنعقدة بالطائف لدليل آخر على هذا الوعى بخطورة الرهان فى خضم عالم اليوم المتمزق بين شتى المتناقضات وتضارب المصالح

وإنه ليس من قبيل البديهيات ان نؤكد على انه لا يمكن للمسلمين أن يستقيم امرهم الا بوحدة صفوفهم المتمثلة فى وحدة الكلمة بين دولهم . ولن يتأتي ذلك إلا إذا قرأنا الحساب لعدة اعتبارات كنا شرحناها مرات عديدة على صفحات هذه المجلة .

وان اكبر آفة اضعفت المسلمين فى العصور الخالية وتركتهم جميعا نهبة للاستعمار والتبعية إنما هى انقسام المسلمين الى فرق وشيع . وليس الانقسام فى حد ذاته هو الذي أضر بالمسلمين لأن ذلك من طبيعة الامور اذ هو يرجع الى تصور للدين يتماشى مع المكان والزمان بالنظر الى المذاهب المعترف بها من قيل جميع المسلمين وغير المعترف بها بل إن الذى أضر أفدح الضرر بهم هو ذلك التعصب ، فكل فرقة تنتصر لرؤيتها فى الدين وتكفر غيرها وتحاربه من أجل ذلك .

واذا كان الإسلام اقر التسامح مبدأ من مبادئه تجاه الأديان الأخرى وتجاه البشرية بأجناسها المختلفة فهل يعقل أن يجرد - بين ابناء الدين الواحد - سيف التعصب ويذبح التسامح قربانا للمطامع السياسية والمصالح العشوانية الآنية ؟

وان ذلك سببه فى الواقع ما قلناه على صفحات هذه المجلة من ان فقهاء المسلمين لم يقدروا في الفترة الاولى من انتشار الاسلام على الخوض بكل حرية في نظام الحكم الاسلامي وإقرار الهياكل الاساسية المبدئية على معنى الشورى كمبدأ من مبادئ الحكم .

ولقد كان ذلك سببا من أسباب انزلاق الخلافة الاسلامية الى الملك العضوض وتسترها بالدين فى الظاهر بينما كانت الهياكل منقولة عن الامبراطوريات المعروفة فى ذلك العصر

وانجر عن هذا ان انساق المسلمون الى العبودية فى معناها الواسع وانصرفوا عن العبادة الحق ( 4 ) والحال ان اهم دعامة من دعائم الاسلام هي الخروج من العبودية والتحرر منها إذ سوى الاسلام بين جميع الاجناس ولم يفرق بين العبيد والاحرار إلا بالتقوى كما فى الحديث النبوى الشريف " كلكم سواسية كاسنان المشط لا فضل لعرب على أعجمي ، ولا لأبيض على اسود إلا بالتقوى " . وهكذا نرى الاسلام قد فتح الباب الى ثورة تحررية إنسانية لم تعرفها البشرية فى ذلك الوقت وهى الحض على عتق الرقيق تعبدا وزلفى .

وان روح هذا التحرر هى التى جعلت الشعوب تدخل فى الاسلام عن طواعية فى سرعة التاريخ بالنسبة الى الاديان الاخرى . وهو دليل واضح على ان الاسلام كان دافعا الى إذكاء روح الوطنية إذ اقر شعورا له ابعاده

الكبيرة وهو الوطن من الايمان " وذلك ما دعا شعوبا كثيرة الى التحكم فى مصرها كما نقول اليوم والى زحزحة نير الاستعمار والعبودية وإجلاء الأجنبي الغاصب عن الأوطان

وهذه النظرة لا تتعارض في الواقع مع شمول الاسلام وشيوعه فى الانسانية قاطبة بل هو يمكن الشعوب من أن تثرى خصوصيتها بالنظر الى الدين الذي يجمعها بغيرها من المسلمين وان تكون رافدا لنهر الاسلام الكبير . ولا يمكن لأى كان أن ينكر ما صنعته إسبانيا المسلمة من حضارة نوعية والمغرب العربى وبلدان آسيا ( فى هذا الباب يمكن الرجوع الى الفلاسفة المسلمين ونوعية فلسفتهم بحسب أوطانهم وآخرهم محمد إقبال ) .

ولهذا فانه لا يمكن ان يستقيم امر المسلمين إلا إذا رجعنا إلى هذه المبادئ واقمنا خاصة - الشورى كمبدأ ديمقراطى ، وطورناها على حسب ما وصلت اليه أقطار اخرى تقدمتنا فى ذلك ، هذا اذا نحن أعوزنا الاستنباط فى عصر سارت فيه البلدان الغربية أشواطا بعيدة فى هذا الباب .

اشترك في نشرتنا البريدية