الكتابة التى أعنيها هي المضبوطة في الفصل الثاني (الفقرة الثانية) من النظام الداخل لاتحاد الكتاب التونسيين (1) وليست هى كل مكتوب كما تنص عليه مجلة الصحافة التونسية أو كل تأليف مكتوب كما يتبادر الى الذهن . هى هذا النوع من الخلق الذي يعتمد الكلام عندما ينزع الى صهر اللغة في تنازعها مع الأدب والفكر والاسلوب . وهذا فى الواقع ما يوحى به روح الفصل نظريا عندما تمت صياغته . وفي هذه الحدود تدخل فنون الادب والفكر المعروفة وكذلك بالطبع كل بحث أو اقتباس أو ترجمة .
هذه الكتابة اذن هي التي أسائل نفس مع القارئ الكريم عن مستقبلها فى بلادنا وهذا يعنى أن نضبط قبل ذلك وضعها فى الماضي والحاضر لننطلق على أسس ثابتة فلا نتشاءم بالقدر الذي به نبالغ فى حكمنا حتى تضيق بنا الدنيا وننادى بالويل والثبور ولا نتفاءل الى درجة الغفلة عن حقائق الامور وترك الحبل على الغارب .
أول ما يجب أن ننبه اليه هو أن هذه الكتابة هي عمل يتأثر لا محالة بالمناخ وبالعوامل الخارجية والشخصية ولكنه يبقى عملا فرديا غامض الماهية دفين سر النشأة فى الأنا ، مبهم الدوافع والنوازع ، يظهر حيث لا ينتظر ظهوره ويختفى في الوقت الذي ترتجى له فيه الديمومة والسيرورة . ولكنه وإن كان فرديا فمصره الى الجماعة بها يربو ويزكو وتينع ثماره أو يتقلص ويتهافت وتنضب خيراته ، كالبذرة التى تلقى فى الارض فان هي صادقت تربه خصبة زعمت واينعت وافاءت بنعمتها على الجميع وان هي أودعت ثنايا الجدب والامحال فالى السكون الى حين أو الضياع الى الأبد .
وهكذا فان كلامنا لن يدور حول البذرة وتكوينها وصفتها وتأثيرها بل سنقصر تحليلنا على الأرض وما يحف بها من جدب وخصب وسنصف الوسائل الكفيلة بخدمتها حتى تنتج وتثمر فى احسن الظروف . فالبذرة هي الكتابة والأرض هي المجمع أو بالاحرى سلسلة من العناصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتماسكة الحلقات والتي تشد صرح الكتابة إن وهنت حلقة منها او انكسرت تداعى الصرح فهو الى انهيار .
لا أريد أن أبين كيف كانت هذه السلسلة مكتملة الحلقات فى عصور ازدهار الحضارة العربية الإسلامية لان ذلك معروف مشهور اذ كان الكتاب سواء بالسماع أو النسخ موزعا بصورة منتظمة جواب آفاق مرغوبا فيه تسبقه شهرته ويرعاه اصحاب الجاه والمال رغم تفشى الامية واضطراب الامور فى كثير من الاحيان .
ولما دخل العالم العربي الاسلامي عصور الانحطاط لم تخل المجتمعات العربية من عاقرة ولكن الارض أجدبت وأمحلت حتى أن تأليفا ثوريا منبئا بالعصور الحديثة مثل تأليف ابن خلدون بقى قرونا لم يؤت أكله الى القرن التاسع عشر عندما بدا الغرب يهتم به (1) فكان منطلقا للمصلحين التونسيين من امثال قابادو وخير الدين وابن ابي الضياف وبعدهم جماعة الشباب التونسي كالبشير صفر وعلى باش حانبة وأخيه محمد .
ثم ان افصح مثال عن هذا الوضع المزري ما تم فى الثلاثينات بالنسبة الى تونس من حركة ادبية وفكرية وسياسية . فمتى عرف الجمهور التونسي شعر ابى القاسم الشابى ؟ بعد ربع قرن وبعد ان ذاع صيت شاعرنا فى المشرق العربى وتأثر به جيل الخمسينات من شعراء الشرق . ومتى عرف الشعب التونسى الطاهر الحداد وحركة محمد على النقابية ؟ بعد الاستقلال عندما امرت
حكومة الاستقلال بطبع آثاره وأشاد به الرئيس الحبيب بورفيبة في خطبه . ومتى شاعت نسبيا كتب محمود المسعدى ؟ اللهم الا في هذه السنوات القليلة ؟ فليس ادل على ذلك من فهم الرئيس الحبيب بورفيبة منذ الثلاثينات من أن الكتابة فى الصحف والمجلات بلغت ما بلغت من الجودة لا تؤتى ثمارها من حيث ايقاظها للنفوس والمشاعر فحول عمله السياسي الى ما يسميه "بالاتصال المباشر".
هذا هو الوضع الذي حاول الجميع اصلاحه بعد الاستقلال بانشاء دور النشر والتوزيع واقامة الحوار فى صلب المؤسسات للوصول الى العلاج ولكن يظهر أن بعض الحلقات من السلسلة لم يتم شد بعضها الى بعض باحكام ولهذا ، فانه وإن تحسن الوضع تحسنا كبيرا عما كان عليه من قبل فان الازدهار المرجو لتونس فى هذا الحقل لم يتحقق وهى التى كانت مركزا من مراكز اشعاع الكتاب على العالم سواء فى الفترة القرطاجية أو الإسلامية .
ولهذا فانى ساحاول أن أطرق نقطتين اثنيتين تتعلقان بهذا الموضوع ويكون ذلك مساهمة منى فى حل هذه المعضلة وهما : وضع الكتاب ، ووضع الكاتب وبطبيعة الحال فان وضع الكتابة يحل نفسه بنفسه عند ذلك .
1) وضع الكتاب : إن الكتاب فى تونس يواجه صعوبات تتمثل خاصة في غلاء تكاليف صنعه وهي متأتية أولا وبالذات من سعر الورق الباهض الذي يفوق ما هو موجود في الخارج بـ20 بالمائة تقريبا (فرنسا) زد على ذلك أن الورق المحلى زاد ابتداء من نوفمبر بما قدره 52 بالمائة وهو ما سيرفع من سعر الكتاب التونسي بـ 25 بالمائة وهذا سينعكس تماما على قدرة انتاج الكتاب فينخفض عدد العناوين فى السنة وتصعب منافسة الكتاب التونسي في السوق العربية وحتى في السوق التونسية أمام سعر سائر الكتب العربية الاخرى حتى ان أحدهم قال :
(لا يعرف النشر إلا من يكابده ولا الطباعة إلا من يعانيها !) ثم إن الأداءات الفمرفية لقطع الغيار وآلات تجهيز المطابع ثقيلة جدا زد على ذلك ما يدفع من أداء على الارباح بمقدار 46 % من سعر الكتاب وما في قطاع المطابع من قلة تنظيم واحتكار للمؤسسات الكبرى مما يجعل صناعة الكتاب في تونس مهددة بالتضاؤل ناهيك أن دور النشر تحبذ طبع كتبها خارج تونس خاصة وان الكتاب المستورد معفي من كل اداء وتكاليفه زهيدة الى حد بعيد.
ولهذا عوضا عن تدعيم هذه الصناعة بتجهيزها تجهيزا حديثا واحداث مواطن شغل جديدة وترغيب دور النشر الاجنبية للطبع في تونس سنشهد تقلص هذا القطاع فى السنوات الآتية . هذا علاوة على ما تشكوه المطابع من عدم خلاص كثير من المؤسسات لما بذمتها مما يجر المسؤولين عن المطابع الى عدم التعامل معها فيشيع هؤلاء أن في تونس مشكل طبع بينما الحقيقة غير ذلك .
وبطبيعة الحال فان غلاء سعر الكتاب يجعل الناشرين يستنكفون من القيام بالاشهار ومن صرف النسبة الكافية للتوزيع خوفا من تثقيل ثمن الكتاب
هذا علاوة علم ما في قطاع المكتبات (الوراقات) من خوف من التعامل مع الكتاب نظرا الى قلة نفاقه .
ولهذا فانه يتعين الانكباب على هذا القطاع لايجاد الحل للنهضة به ولا يكون ذلك الا بإصلاح جميع الحلقات بتدخل الدولة لانه علاوة على امكانية احداث مواطن شغل جديدة والزيادة فى الانتاج ، فانه يكون مجلبة لاشعاع تونس فى ميدان هي قادرة على البروز فيه .
وأول ما يجب القيام به هو أن يتمتع الكتاب الثقافي بمثل ما يتمتع به الكتاب المدرسى من حيث تخفيض سعر الورق بنسبة كبيره اذ ليس من المعقول ان نتمادى في هذه السياسية التى تشجع على تعلم القراءة ولكنها لا تشجع على المطالعة ناهيك ان روبر إسكاربيت ( Robert Escarpit ) المختص في ميدان الكتاب قال : "يجب أن تكون العناية بالكتاب الادبى متساويه مع العناية بالكتاب المدرسي . ولكن الواقع هو غير هذا . ففي البلدان النامية تجد نسبة الكتب الادبية من مجموع الانتاج تقدر بـ20 أو 24 مرة اما فى البلدان المتنامية التى تعطى الاولوية للعلوم الاجتماعية والعلوم التطبيقية فان نسبة الكتاب الإدبم تتراوح بين 10 و 14 . إن هذا لقليل لارضاء نهم اربعة أخماس الانسانية فى المطالعة"
أما فيما يخص التخفيض في الاداءات الفمرفية بالنسبة للتجهيزات وقطع الغيار فان ذلك لن يكلف الدولة تضحية باهضة وكذلك الاداء على الارباح عندما يخفض منه . بل بالعكس فان هذا القطاع عندما ينال التشجيع الكافي ويعظم انتاجه ويكثر عماله سيوفر للدولة المنافع الجبائية الكثيرة وحتى العملة الصعبة .
ولكن يجب ايضا تكوين اليد العاملة التكوين الصحيح حتى تكبر انتاجيتها وتفيد القطاع بدرايتها وتجربتها ويجب ايضا تنظيم قطاع المكتبات وتشجيعها لاقتناء الكتاب التونسي باغرائها وتخصيص نسبة قارة من سعر الكتاب للاشهار (5 بالمائة من كل كتاب عالميا) إذ لا يعقل أن يصدر الكتاب تلو الكتاب ولا يعلن عنه بالصورة التى تجلب الانتباه لا فى تونس فحسب بل فى الأقطار العربية أيضا . وهذا يفرض أيضا إيجاد الحل الجذرى لمسألة التوزيع اى تسويق الكتاب التونسي ومسألة اعفاء الكتاب من ثمن النقل .
وتبقى حلقة اخرى من السلسلة وهى المطالعة . لقد قلت إننا نعلم القراءة ولا نعلم المطالعة ولهذا فانه يحسن ان ننكب فيما يخص البرامج التعليمية على تعويد التلميذ والطالب على حب المطالعة حتى ينشأ على ذلك ويستمر الى آخر حياته شغوفا بها من دون إغفال حل مشاكل ترقية اللغة العربية وهي كثيرة وكثيرة جدا .
2) وضع الكاتب : ولكن حل قضابا صناعة الكتاب لا يمكن أن تفرض نفسها إذا لم ننظر فى صانع محتوى الكتاب أى المنتج أى الكاتب . فلست أعرف في التشريع التونسي ما ينص على وضع الكاتب قانونيا ففى
فرنسا مثلا يحدد امر 30 مارس 1957 الكتاب كما يلى : "الكتاب هم الذين ينتفعون من نشر مؤلفاتهم وتوزيعها اكثر من 50 بالمائة من مواردهم " وبطبيعة الحال فان ذلك يخول لهم من الناحية الاجتماعية منافع كثيرة ويفرض عليها واجبات . وعلاوة على المنافع الاجتماعية فان هناك تشجيعات من الدولة منها ان منحة تعطى للكاتب الشاب الذي ينشر أول كتاب له ويتمتع الكاتب المعروف بما يسمى بالسنة السبتية أى بسنة يتفرغ فيها الكاتب من مهنته الاصلية للكتابة .
ولست أعرف فى تونس كاتبا واحدا يعيش من قلمه أى من ايراد كتبه وهو أمر يدعو الى التدبر والتفكير بل جل من يكتبون يعيشون من قطاعات اخرى ويسرقون اوقاتهم للكتابة بينما يجب ان تكون الكتابة وظيفة اجتماعية يوفر المجتمع الى اصحابها الظروف ليشقوا طريقهم ويعتمدوا على انفسهم من دون توظيف للكتابة لان توظيف الكتابة معناه الحد من الحرية والتواكل على الغير .
ذلك ان الكاتب الحق الذى لا يخلو منه أى مجتمع متحضر له دور هام في بناء الحضارة وبعث الحيرة فى النفوس لا للتخريب بل للبناء ولتغيير المجتمع فى السبيل الأقوم الذى يضمن بقاء الأمة وحركيتها . وإن الكتاب التونسيين الذين يضمهم اتحادهم يعملون فى هذا الاتجاه ويرومون انطلاقا من تنظيمهم أن يحققوا هذا الذي تحدثت عنه لأن البذرة بل البذور موجودة ولكن الأرض تحتاج الى الخدمة والتعهد والسماد وتخليصها من الأحجار والأشواك .
ولهذا فان اتحاد الكتاب فى رأيى وجد من أجل هذا ومن أجل تحقيق هذه الاهداف بالتعاون مع السلط التى ابدت في مناسبات عديدة استعدادها لحل هذه المشاكل العويصة ، مشاكل التقدم في الواقع ، وهي تتطلب تضافر الجهود وقيام كل طرف بواجبه . على ان الذى لا يجب أن ينزلق اليه اتحاد الكتاب التونسيين هو تعويض الكتاب فى دورهم الخلاق الا وهو الانتاج وأخذ المواقف فيما تفرضه عليهم وظيفتهم الاجتماعية وانتماؤهم الى امتهم والى الانسانية وأكثر من ذلك الاصداع بالرأى والتحرك البناء فى واضحة النهار لأنه ليس هناك فى بلادنا ما يمنع ذلك خاصة أن ما يحيى الادب والفكر ويخدم مستقبل الكتابة فى تونس إنما هو النقد باتم معنى الكلمة الذي لا يخاف في الحق لومة لائم ولا يخافه أى مخلص نزيه .
وهكذا يمكن القول : إن مستقبل الكتابة فى تونس رهين بصلابة هذه الحلقات وتماسكها وتلاحمها وهذا يحمل لا محالة اتحاد الكتاب كهيئة تنظيمية قسطا من المسؤولية وكذلك الدوائر المسؤولة ولكن القسط الإكبر من المسؤولية يتحمله الكتاب أنفسهم فردا فردا في وجوب تماسكهم وشعورهم بالتضامن ووعيهم برسالتهم العظمي في المساهمة فى النهضة بأمتهم والانسانية.

