الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ, من العبودية الى العبادة الحق

Share

احتفلت تونس فى مطلع السنة الهجرية الجديدة بدخول القرن الخامس عشر الهجرى . وكانت احتفالات مشهودة ابرزها الخطاب الذي القاه المجاهد الأكبر الرئيس الحبيب بورقيبة وقد نبه فيه الى ما يجب على الأمة الاسلامية أن تقوم به لتجاوز الأخطاء والوصول الى المناعة والعزة .

وإن الذى كتب ، فى هذه المناسبة وقبل ذلك ، لكثير يحتاج الى من يحوصله ويبين معالمه بالنسبة إلى تونس على الأقل . ولربما يجب الانتظار كامل هذه السنة لنتبين ملامح التفكير فى هذا الموضوع ونستشف اهم التيارات المستقبلية التى تحتمل فى اذهان المسلمين وتشغل بال المهتمين بالاسلام .

وليس من السهل الحديث عن الاسلام والمسلمين فى هذه الصفحات القليلة من هذا العدد الذى اردنا أن تكون جل مواضيعه تتعلق بالأمة العربية الاسلامية وقضاياها حاضرا ومستقبلا كما انه ليس من السهل اختيار نقطة  من هذا البحر الطامى من الأفكار والآراء لتعميقها والافاضة فيها .

على اننى لاحظت من كل ما قرأته سواء المنشور بتونس أو فى سائر البلاد العربية ان جانبا مهما من أسباب شيوع الاسلام فى الأول وضياع المسلمين

فيما بعد لم يأخذ حظه من الدرس وان اشبع تلميحا واستنفد اشارة وتلويحا وهو خروج العرب والعالم آنذاك عن طريق الاسلام من العبودية الى العبادة الحق .

والغريب في الأمر ان مصدرى العبودية والعبادة يفضيان الى فعل واحد وهو عبد اى انقاد وخضع وذل وان العبد يجمع على عباد وعبيد والعبد هو الانسان حرا كان أو رقيقا .

وفي لسان العرب أن العباد قوم من قبائل شتى من بطون العرب اجتمعوا على النصرانية فانفوا ان يتسموا بالعبيد وقالوا : "نحن العباد " ويزيد المعجم الوسيط انهم نزلوا بالحيرة ومنهم عدي ابن زيد العبادى .

وفي حديث عن أبي هريرة : لا يقل احدكم لمملوكه : عبدى وأمتى . وليقل : فتاي وفتاتي . على نفي الاستكبار عليهم وان ينسب عبوديتهم اليه فان المستحق لذلك الله تعالى هو رب العباد كلهم والعبيد وجعل بعضهم العباد لله وغيره من الجمع لله والمخلوقين .

وليس في ذهني أن اشرح هذه الاستشهادات بل المقصود هو التعليق كلها غير انه يمكن للقارئ الكريم ان يتأكد من ان الانطلاق من اللغة يكشف من خبايا ترجع الى واقع العرب قبل الاسلام ويعطى فكرة حقيقية عن المناح الذي ظهر فيه هذا الدين وعن اسباب انتشاره فيما بعد . ذلك أن ما يعمد اليه الكثيرون سواء فى الدراسات او القصص أو المسلسلات إنما يغيب على الناس حقيقة الاسلام الواضح فى جوهره والبسيط فى معدنه من دون تعقيد ولا تقعيد ومن دون التمسك بالقشور والأساطير والمظاهر الكاذبة  والشعارات الزائفة .

فالدين الإسلامي جاء في زمن كثرت فيه العبودية ، عبودية الانسان لأخيه الانسان سواء كان مملوكا يتصرف فيه سيده تصرفه فى متاعه او منقادا الى

آلهة من الأصنام تتحكم فيها فى الواقع وفي الخفاء رغبات قلة من الناس سيطرت عليهم مصالحهم وشهواتهم ورغباتهم السيطرة الكاملة وأعمتهم القبلية والعنصرية .

فانحبست بهذه الصورة وفي ذلك الوقت حرية الانسان حرا كان او مملوكا حتى ضاق ذرعا بعض عقلاء العرب وارادوا الخروج من هذه العبودية فابتعدوا عن جوها الخائق الجاثم في بلاد العرب .

ولما جاء محمد صلى الله عليه وسلم وصدع بالاسلام كان الداخلون في دين الله ، الى جانب بعض اسياد العرب ، العبيد والمستضعفون والنساء ولم يكن هذا فى أول الاسلام بل حتى عندما هاجر الرسول الى المدينة حتى قال له أحدهم : ما هذه العبدى حولك يا محمد ؟ اراد فقراء اهل الصفة (وهو مكان  مظلل فى مسجد المدينة كان يأوى اليه فقراء المهاجرين ويرعاهم الرسول وهم اصحاب الصفة ) وكانوا يقولون : اتبعه الارذلون .

وفى الحقيقة فان الاسلام قصد أولا وبالذات رفع العبودية عن كل العرب فهم ضعفاء مستضعفون مكبلون فى حريتهم مطعون فى انسانيتهم مخدشون فى انتسابهم الى البشرية فى جوهرها الصافى ومعدنها الأصلي طلاقة وعفوية . نعم قصد الاسلام رفع العبودية عن كل العرب أسيادا ومماليك ، علية وسوقة وبذلك سوى بينهم جميعا بتحريرهم بعضهم من بعض وتخليصهم من اوهام الأوثان اوهام أنفسهم وشهواتها المضلة وكبريائها المدمرة لهم ولمن حولهم وطغيانها عليهم وعلى غيرهم .

لقد حررهم إذن ولم يتركهم كالابل السائبة بل دلهم الى العبادة الحق نشدنا لكمال إنسانيتهم بسموهم الى الذات العليا وتقييدا لنوازع النفس الأمارة بالسوء بانصهارهم فى الجماعة وتخلصا من الملك العضوض الذي كان يعده لهم أبو سفيان (بنو أمية) باحلال الشورى بينهم .

هذه هي الأرضية التى انطلق منها الاسلام قبل أن تحدد الفرائض وهى التى جمعت حول الرسول الاعظم الصحابة الأولين الذين لولاهم ولولا تشبعهم

بروح الاسلام الحقيقية ولولا إجلال النبي الكريم لهم بسماحة خلقه وطيبة نفسه وابتعاده عن كل عتو وكبرياء لما كان للاسلام ذاك الشأن ولما انتشر ذاك الانتشار ولما قدر له أن يبقى فى النفوس بعد الانهيار والضعف والانحطاط  ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك )  .

فاستمرار الاسلام وانتشاره فى الاول فى بلدان لا تعرف اللغة العربية إنما سببه شعور كل فرد من الأمم الداخلة فى الاسلام بأنه تحول من العبودية الى العبادة الحق وسببه ايضا هو ظاهرة الصحبة التى تؤازر وتدعم وتناقش وتنافح وتصدع بالحق لا التى ينتابها الخنوع والخضوع والذلة والتبعية والولاء الرخيص .

ولكن تدهور حال المسلمين فيما بعد إنما منشؤه إحلال العبودية محل العبادة الحق رغم التمسك بالفرائض والتشبت بالعبادات وماتاه عزهم عن ايجاد الهياكل المطبقة للشورى إذ بقى هذا المبدأ العظيم حبرا على ورق لا يعرف المسلمون نعمته إلا فى الفينة بعد الأخرى على حسب تقوى الحاكم وورعه . وبما أن الحكم مركب زلوق كثيرا ما يزين لصاحبه ما لم ترضه النفس العادلة الكريمة فان الحكام المسلمين الذين طبقوا الشورى فى الماضي يعدون على الأصابع أما الآخرون فانهم غرقوا طيلة فترات سلطانهم فى محاولة تصويب  ما اقترفوه من أخطاء ناشئة عن الحكم المطلق والنزوع الى إحلال العبودية محل العبادة فأهلكوا أنفسهم ومعهم شعوبهم وأفضى الأمر فيما بعد الى جثوم  الاستعمار عليهم عهدا طويلا.

وإن المعجزة الكبرى التى أظهرت الدين الاسلامي في بلاد العرب هى التى ضمنت بقاء المسلمين فى البلدان الداخلة فى الاسلام وإلا كيف كان فى إمكان هذه الشعوب أن تصمد أمام جحافل الاسبان والبرتغاليين ، لولا اكتشاف أمريكا وانصراف هؤلاء بعنجهيتهم وقوتهم الجبارة الى محق الهنود الحمر ولولا بروز المسلمين الاتراك الذين تصدوا بكل حماس لوقف التيار الماحق ؟

وتكررت المعجزة الكبرى مرة اخرى فى قوة العرب المالية المتأتية من الطاقة .. ولكن أما حان الوقت للاتكال على النفس والرجوع إلى أرضية الاسلام الاولى تطبيقا ووفاء لا وهما وإيهاما والتخلص نهائيا من كابوس العبودية فى جميع المستويات ؟

وإن ما يهدد البشرية اليوم فى هذه الفترة الصعبة انما هي العبودية المتسلطة على الانسان فى كل المجتمعات المتقدمة منها والمتخلفة . إذ أن الإنسان فى المجتمعات المتقدمة يرزح تحت كابوس الحياة المادية التى أضلت روحه وتركته عبدا لجهنمى التنظيمات والتصرفات التى تقيد حركاته وتكيفه كما تشاء وما نسمعه يوميا من أصوات الفلاسفة والمفكرين المنددين بهذه العبودية الجديدة من شأنه أن يكشف لنا عن حقيقة ما يتهدد البلدان النامية من عبودية مركبه . وكذلك الانسان فى كثير من المجتمعات التى تجهد للخروج مما ران عليها فى عصور الانحطاط فانه ينوء تحت  عبودية الفقر والجوع والمرض والحكم المطلق .

أما آن للعالم إذن أن يطلق العبودية إلى العبادة الحق ؟

اشترك في نشرتنا البريدية