مائة سنة مضت على توقيع معاهدة باردو ( 12 ماي 1881 ) مر فيها الشعب التونسي بأحداث جسام قلقلت حياة أفراده وفئاته وغيرت وجه ارضه ووجهته وجهة لم يكن ليتصورها .
ألم تكن حالة البلاد في 12 ماي 1881 تتمثل في دولة تنهار وتسلم مقاليد امورها فى يد دولة أجنبية لتحميها من شعب قد ذاق الامرين من تصرفات اسرة مالكة دلت الوقائع على أنها لم تكن فى مستوى الاحداث ؟
ثم ألم تكن حالة البلاد في ذلك التاريخ تكشف عن مأساة شعب قاوم منذ الدهور الحكم المطلق واذاق اصحابه مرارة الثورات وصلابة العزائم الكريمة وأطاح بالدول الظالمة ورد الغزاة وكسر شوكتهم المرات تلو المرات فلم يسعفه الحظ ليبني صرحه و " يستقل بالدعوة لنفسه " كما يقول ابن خلدون ويكون مآله فى اخر الامر أن تسلمه الدولة الموكلة به مكتوف الأيدى للأجنبي فى مسرحية مأسوية فظيعة بعد أن شتتت صفوفه واستغلت كل نوازع الشر ودعاته من عروشية وقبلية ورشوة وفساد وطرقية منحرفة وخيانة وغدر وانانية وجهل مطبق ؟
كل عوامل الشر تغلبت على الشعب التونسي انذاك وهو الذي بني الحضارات بسواعد ابنائه اثناء الفترة القرطاجية البونقية منها والرومانية ثم البيزنطية ثم العربية الاسلامية وهو الذي أسكت كل النحل الدينية المتطرفة
المعتمدة على التنظيمات السرية واجبر الدولة الامامية الشيعيه على النزوح والهروب إلى أرض اخرى ليبقى الاسلام خادما للشعب عن طريق فقهاء الوا على أنفسهم ألا يكون الدين مطية لأى غرض مشبوه وان يكون عماده العقل والعقيدة السنية الطاهرة .
كل أسباب الانحلال أوهنت قوة الشعب التونسي بعد أن بدأت نخبته تتجه اتجاها عصريا وتبدا عملها الاصلاحى - قبل ان يظهر محمد عبده وجمال الدين الأفغاني في المشرق العربي - مع امثال محمود قابادو وابن ابى الضياف وبيرم الخامس وخير الدين التونسي . فكان تاسيس المدرسة الصادقية وإصلاح التعليم بالجامعة الزيتونية وتنظيم الادارة والإتجاه الى رعاية شؤون الشعب كل هذا كان من شانه ان يفتح على البلاد بابا جديدا من التقدم والرقى والنهضة الشاملة انطلاقا من اصالة هذا الشعب وانتمائه الحضاري العربي الاسلامى .
كان المسار اذن واضحا والطريق بينة وبدأت نخبة من التونسيين قبل انتصاب الحماية تتعلم بفرنسا وتحتك بالحضارة الغربية وانطلقت بعض المؤسسات في البلاد تتعصر وتتجدد ولكن اسرة البايات كانت مطوقة بعدة عوامل داخلية وخارجية لم تمكنها من السير فى طريق الاصلاح فسهلت على المستعمر احتلال البلاد وعطلت الانطلاقة المرجوة
وخلافا لما اشاعته سلط الحماية آنذاك وما تعارف عليه الكثير من ان الشعب التونسي لم يقاوم جيوش المستعمر فان الواقع يكذب هذا الادعاء ويفنده
إذ قال فيكتور سير : لما تم امضاء المعاهدة ظننا أن كل الصعوبات انتهت
لكن ذلك الظن لم يكن الا نتيجة عدم معرفتنا باخلاق السكان فقد رجع الجنرال فورجمول إلى قسنطينة تاركا لتمهيد الراحة والأمن 15.000 جندي موزعين على ثمانية مراكز ولم يكن بالعاصمة ولو جندى فرنسي واحد لأننا لم نحتلها بعد وما ان غادر الجنرال فورجمول الحدود حتى ثار السكان فى كامل البلاد
وهذا بالضبط ما رددته الاشعار الشعبية عند ذكر المعارك التى كانت متعددة فى المدن والقرى وخاصة فى الجنوب التونسي لكن المقاومة اصطدمت من جهة بقوة الجيش الفرنسي ومن جهة اخرى لم تجد من الدولة المنتمية اليها السند والمعين وظلت تمنى النفس بنصرة الخلافة العثمانية التى لم تكن فى مستوى الاحداث فى ذلك الوقت .
وان ظاهرة أساسية لا بد من اثارتها وإعطائها الاهمية التى تستحقها فى خصوص اسباب فشل المقاومة بسرعة إذ ما أن انتهت سنة 1881 حتى تم الاحتلال وتمركز الجيش الفرنسي فى جميع البقاع اللهم الا بعض المناطق فى الجنوب التى لم تخضع لنظام الحماية الا سنة 1882 . وهذه الظاهرة تتمثل فى تشتت القيادة أثناء المقاومة ذلك أن كل منطقة لها قيادتها ولقد شعر المقاومون فى الاول بذلك وحاولوا بين 15 و 20 جوان 1881 النظر في توحيد الجبهة لكنهم اكتفوا ببعث مرسول الى طرابلس حيث الوالي التركى طلبا للنجدة . وهم فى ذلك لم يتمكنوا من تغيير نظرتهم الى الحكم معتقدين دائما ان القيادة لا يمكن أن تكون الا في يد السلطة الدينية المعترف بها الا وهي الخلافة العثمانية . ولهذا فهم لم يفكروا جديا فى توحيد الصفوف وتواكلوا على فكرة اللجوء الى القوة التركية . حتى عاجلهم جيش الاحتلال بالضربات القاضية فاستكانوا الى حين .
وهكذا نرى ان الاحداث التى عرفها الشعب التونسي فى محنته لها شبه كبير بما لاقاه أهل هذه الارض طيلة القرون من العنت من جراء الغزاة الذين تعاقبوا على البلاد وفي كل مرة نجد نفس الاسباب والمسببات تتلون بحسب الظروف ولكنها باقية ماثلة فى المقاومة الشديدة التى لم ينفك يواجه بها الشعب التونسي كل غاصب دخيل
وهذا كله دليل على أن الشعب التونسي لم يكن ذلك الشعب الخنوع المستكين الراضى بالذل والهوان بل إن المتولين امره هم الذين جروه مكرها الى ذاك الوضع . والدليل على ذلك هو أن نظام الحماية لم يجد فراغا فملأه بل وجد بلادا لها حضارتها وتقاليدها ونخبتها وحيويتها ودينها ولغتها . فلم يكن من الهين
تبديل وجتها الحضارية رغم الطرق الجهنمية بل جابهت نظام الحماية حركات قوية تعتمد الحوار والمنطق والكفاءة وأذكر من بين هذه الحركات حركة الشباب التونسي والحزب الحر الدستورى القديم والحزب الحر الدستورى الجديد فيما بعد .
كل هذه الحركات لم تزغ عن المسار الاصلى للبلاد وكانت جميعها لا تتنكر للحركة الاصلاحية الاولى بل بقيت متمسكة بالمقومات الاساسية للشخصية التونسية العربية الاسلامية وظهرت فى تركيبة جديدة للمجتمع التونسي خاضعة لعناصر ثلاثة نشيطة متكاملة : سياسية ونقابية وثقافية .
وليس من العجيب أن تتضافر هذه العناصر وتتكامل لتكون القوة الضاربة المطيحة بالاستعمار اخر الامر . فلقد تكونت نخبة مثقفة ما فتئت تناضل من أجل إثبات الذات في الصحافة وفي النوادى الثقافية وتعمل جاهدة على فتح أعين الشباب لما يتهدد الشخصية التونسية من ذوبان وتذكر بما كان عليه الأجداد من حضارة وعزة . وظهرت ايضا حركة نقابية نشيطة لم تنبهر بما تدفع اليه من ارتباط بالنزعات النقابية العالمية بل كان المحرك لها هو مصلحة الوطن . واستقطبت في تلك الاثناء هذه الاتجاهات حركة الحزب الحر الدستورى الجديد التى عرفت كيف تتلافي كل أسباب الضعف المعروفة أثناء مقاومة الاستعمار سواء ابان انتصاب الحماية أو بعد ذلك بخمسين سنة فتوفر للكفاح أمران لا بد منهما وهي : ارادة الشعب وقوته من جهة ، ووحدة القيادة وحكمتها من جهة اخرى .
ولقد جسم أبو القاسم الشابي - وهو الشاعر الحساس الوطني - هذين المقومين فى بيتين اثنين الأول شائع معروف وهو
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر
والثانى لم ينتبه إليه الكثيرون وهو :
انت في الكون قوة لم تسسها فكرة عبقرية ذات بأس
وكان ان وجد الشعب التونسي طيلة الفترة الحاسمة من الكفاح التحريرى فى شخص الحبيب بورقيبة القيادة الحكيمة التى عرفت كيف تجمع حولها الطاقات وتجعل منها قوة ضاربة هدمت صرح الاستعمار . وكان أن تواصلت هذه القيادة الى اليوم تبنى صرح الدولة التونسية الجديدة وتحقق ما لم يتيسر للمصلحين الاولين من امثال خير الدين التونسي أن يقوموا به قبل الاحتلال وهو المحافظة على الذات والمقومات الاساسية لشخصيتنا العربية الاسلامية من جهة ودفع البلاد في بوتقة التقدم والمعاصرة من جهة اخرى .
وإن الملاحظ النزيه لا يمكن له إلا أن يسجل المكاسب العظيمة التى امكن للشعب التونسي أن يظفر بها طيلة هذه الحقبة بفضل هذه القدرة العظيمة على المحافظة على التركيبة الاساسية للمجتمع التونسي والحرص على تكاملها ولا إخال السنوات القادمة إلا مبرزة لهذه الحقيقة بفضل وعي كل فئات الشعب التونسي بأنه لا نجاة الا في انصهار القوى الحية وتكاملها وتلاؤمها والافلات نهائيا مما ران على الشعب التونسي من دركات طيلة فترات الانحطاط حتى لا نبقى مرددين بيت أبي القاسم :
انت في الكون قوة كبلتها ظلمات العصور من أمس امس

