الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ, نحو مستقبل افضل ، أساسة " حوار الحضارات "

Share

لطالما دعونا الى تعاون ثقافى نزيه بين مختلف شعوب المعمورة ، مقام على التقدير المتبادل ، مبر! من عقد الاستعلاء والغرور وإرادة الهيمنة والاستغلال محاط بأكثر ما يمكن من الانتباه والتحرى ، للحفاظ على خصوصية كل ثقافة ، وإبراز طرافتها وصيانة عبقريتها ، وذلك إيمانا منا بأن حظوظ الشعوب - كالأفراد - متساوية في الابداع والعطاء ، وأن شرف المساهمة في إثراء الحضارة البشرية حق وواجب في آن معا ، يمارسهما ويتحمل تبعاتهما كل البشر ، مهما تعددت أجناسهم، واختلف لون بشرتهم ، ومهما تفاوتت ثرواتهم الطبيعية ، وتعاظم حجمهم الديمغرافي ، وترامى حيزهم الجغرافي وثقل ما يسمى « بوزنهم » السياسي.

ذلك هو الموقف السليم الذى يمليه العقل المتبصر ، وتقتضيه الأخلاق السامية وتفرضه متطلبات السلم العادلة الدائمة ، والذى دل التاريخ ، في متعاقب أحقابه ومتقلب أطواره ، على أن الشحناء والأحقاد والحروب والاستعمار والدمار التي قاست من ويلاتها البشرية - ولا تزال - إنما هي نتيجة حتمية للتنكر له أو السهو عنه .

وكثيرا ما لفتنا نظر فئة من إخواننا فى الوطن ، واصدقائنا في الغرب - من دون تعصب ولا تحامل، بل رغبة صادقة فى الحوار والتكامل ، ووفاء للقيم

العليا التي تنتسب اليها وتغذيها في نفس الوقت كل ثقافة حق - لفتنا نظرهم الى محو آثار الالتباس التاريخي الكبير الذي أفسد علاقات الشرق والغرب منذ قرون، ومهد الى الحروب الصليبية وبرر الاستعمار والاعتداء على حرمات الشعوب وإجهاض نهضتها والقضاء على شخصيتها أو مسخها بدعوى إخراجها من ظلمات البدائية وبؤرة التخلف الى نور العصر وجنة التقدم والرفاهية الموعودة

فأما الفئة المقصودة من إخواننا فى اللغة والدين والوطن، فاننا لم نزل نوقظ همم المستلبين منهم والمنشطرين والمغفلين، الجاهلين أو المتجاهلين الخصائص تراثهم العربي الاسلامي ، أو ضحايا الاستعمار ، المتقين إشفاقا من العودة الى ما وراء الوراء : ، بمظلة الثقافة الغربية ، غير المهضومة من بعضهم ولم نزل كذلك نحاول إنارة الطريق أمامهم كى يكتشفوا ذاتهم ويتذكروا أن الوطنية والكرامة والاستقلال ... قد تبقى كلها مظاهر خلابة وأشكالا جوفاء اذا هي لم تستند الى رؤية حضارية أصيلة ، ووعى حاد بمقومات الكيان الفردى والجماعي الروحية والفلسفية والاخلاقية ، ولم نزل أيضا نحفزهم على الثقة في النفس وندعوهم ، مع الارتواء من كل مناهل الفكر والاخذ بكل أسباب العصر الى الاقدام على الابتكار والخلق والمعاناة للظفر بالحلول الجذرية والطريفة للمشاكل المستعصية التي يطرحها علينا محيطنا الثقافي والاجتماعي والاقتصادي

وأما أصدقاؤنا فى الغرب فنحن بقدر ما نكن لهم من الاحترام والتقدير لكل ما ساهموا به ولا يزالون فى تقدم البشرية منذ أربعة قرون ، والاعتراف لهم بالفضل في تكويننا العصرى والعلمى ، نسألهم اليوم - وقد مات ما فات ! - بذل مجهود كبير من التواضع الفكرى ، والتسليم بأن مستقبل البشرية تساهم كل الأمم في نحته وتحمل تبعاته ، لا فضل لأمة على أخرى إلا بعطائها وطرافة مساهمتها ، ونسألهم بكل لطف التخلى عن الاعتقاد بأنهم هم كل شيء وأنهم مصدر المعرفة والقوة والسعادة وأن من سواهم من البشر مضطرون الى الاخذ عنهم والاقتداء بهم واستهلاك بضاعتهم ، ونسألهم باسم الموضوعية العلمية التى يحملون لواءها .. أن يعيدوا قراءة التاريخ من دون غفلة عن بعض جوانبه وأن يقدموا على بعث مستقبل زاهر الانسانية عماده مشاركة كل القارات وأساسه تعاون الثقافات والحوار بين الحضارات من دون استثناء

وهذا بالضبط ما هدف إليه المفكر الفرنسى، الماركسى المسيحى، روجي قارودي في كتابه الجديد (*) الصادر منذ حوالى شهرين، والذي نعتبره وثيقة هامة ومساهمة ثرية فى ملف مستقبل الانسان وتطور الحضارة ، خاصة وأن المؤلف لا ينطق عن الهوى وليس من الخياليين والكتاب « العفويين » الذين يلقون الكلام على عواهنه ويكتفون من الحجج بالارتسامات العابرة أو ردود الفعل العاطفية ، فهو أستاذ مبرز فى الفلسفة ، عرفناه في أيام دراستنا العالية بالسربون في أواخر الاربعينات ، أحد أيمة التفكير الماركسی وزعيما مرموقا للحزب الشيوعى الفرنسي ، وعضوا بديوانه السياسي ، قد صدر له 28 كتابا على الاقل ، ثم انفتحت عيناه على واقع الشيوعية وحقيقة الماركسية وحدودها وجهلها ببعد الانسان الروحاني وصمتها إزاء معنى الوجود والمآل ولغز الموت وقصة الانسان فى صراعه بين الارض والسماء ، فرجع الى الله من دون أن يتنكر الى ما تهدف اليه الاشتراكية من عدالة اجتماعية ورفاهية وفرحة حياة. ولكنه أطرد من الحزب الشيوعى وظل يناضل بمفرده مفتح العينين دائما ، مصغيا الى ما حوله بدون انقطاع .

عندما يعيد الكاتب وضع التاريخ في آفاق القرون (30000 قرنا) وفي مستوى الكون ويقيس المكان الذى يحتله الغرب منذ أربعة قرون لتقرير مصير بقية العالم باستغلاله لمصلحته دون سواها ، يستخلص أن هيمنة الغرب أخطر حدث في تاريخ الكون ، لم ينتج عنه سوى الخوف من الموت وخشية الانسان أخاه الانسان والذعر من المستقبل : ويعلن « ان الغرب مجرد حادث ! » Occident est un accident ثم هو يحلل الحضارة الغربية ويصدر الأحكام القاسية التالية فيقول : « منذ القرن السادس عشر الى نهاية القرن العشرين تحكمت في تطور حضارتنا الغربية فرضيات ثلاث (1) أسبقية الفعل والعمل. (2) أسبقية العقل . (3) أسبقية «اللامتناهى الردى» أى اللامتناهى الكمى وإن مثل هذه الحضارة القائمة على هذه الفرضيات الثلاث مجهزة بدواعي الانتحار ۰۰۰ انتحار لانعدام الغاية ، كما يشهد بذلك اللجوء الى المخدرات وانتحارات المراهقين التي هي أكثر حدوثا في البلدان الأوفر ثراء ، وانتحار لكثرة الوسائل كما تثبت ذلك مثلا آفاق نفاد الموارد الطبيعية والتلوث ، وهى

نتيجة ضرورية لتصور لا يرى فى الطبيعة إلا خزانا ومزبلة إن مجتمعاتنا التي تدعى ( متقدمة ) تشتغل - باسم فرضية اللامتناهي الكمى - بمقتضى المبدإ الذي كان فيما مضى مبدأ السفسطائيين وهو خلق الحاجات والشهوات  حتى التى هى أشد اصطناعا وضررا قصد إنتاج الوسائل التي تشبعها » (1).

ويلاحظ قارودی » أن النهضة La Renaissance التي لم تكن مجرد حركة ثقافية ، بل كانت مولدا مزدوجا للراسمالية والاستعمار ، والتي هي ابعد من أن تكون أوج النزعة الانسانية ، قد أتلفت حضارات أعلى شانا من حضارة الغرب في علاقات الانسان بالطبيعة والمجتمع والامور الالاهية

ويذكر المؤلف المذابح المقترفة ضد الهنود الحمر فى أمريكا الشمالية والجنوبية وإبادة حضارات » المايا » و « الأزتيك » ، في القرن السابع عشر من أجل الحصول على مناهج المعادن الثمينة فى أمريكا اللاطينية ، ويتحدث عن التجارة المثلثة التى تعاطاها الغرب والمتمثلة فى خروج البواخر من الموانى الاوربية محملة بأتفه البضائع نحو افريقيا حيث تباع مقابل شحنات من العبيد يباعون بدورهم في أمريكا ومنها تعود البواخر الى أوربا محملة بالسكر والقطن والتوابل ويلاحظ : « يقول بعضهم أحيانا إن الاتجار بالرق الأسود » اكتفى » بنقل بضعة ملايين من الرجال الى أمريكا وينسون أنه مقابل اسير واحد يموت في الطريق عشرة . واذا قدرنا العبيد المنقولين بعشرة ملايين ، وهذا حد أدني ، فمعنى ذلك أن مائة مليون نسمة قد هلكوا إن العالم لم يعرف ابدا مثل هذه الابادة الجماعية !... »

ويؤكد المؤلف أن كتابة تاريخ حقيقي ، أى تاريخ لا يرتكز على الغرب ، قد يكون « تاريخ الفرص الضائعة » على البشرية بسبب تفوق غربي لا يرجع الى تفوق ثقافي بل الى استخدام عسكرى وعدواني لتقنيات الاسلحة والبحر

ويضيف : « إن بعث المستقبل الحق يشترط العثور ثانية على الابعاد الانسانية التي تفتحت في الحضارات والثقافات غير الغربية ، أي أن « الحوار بين الحضارات » يمكن وحده من بعث مشروع كونى لابداع المستقبل

ويستشهد المفكر الفرنسي بتجربته الحياتية التى ساقته الى اليقين بأنه يجب في ميدان العلاقات الاجتماعية والسياسية في الغرب - إعادة كل شيء على قواعد جديدة ، وبأن تحقيق هذا المشروع يتطلب من الغربيين استنطاق حكمة القارات الثلاث الأخرى وثوراتها ، فيقول : « إن تجربة حياتي كلها ساقتني الى هذا اليقين ، وتفرض على أداء هذه الشهادة ، شهادة عن تجربة كونية ، عما قدمته لى من إثراء إنساني الثقافات غير الغربية ورجال آسيا والاسلام وافريقيا وأمريكا اللاطينية . شهادة عما بحثت عنه وما أكتشفته في كل من هذه الثقافات وفي كل الرجال الذين عرفتهم ، من طابع إلاهي

وفيما يتعلق باتصالاته « الاسلامية » يقول : « الاسلام كان بالنسبة الى تلك الزيارة الأولى التي أديتها في الجزائر سنة 1945 الى رئيس جمعية العلماء الشيخ الابراهيمي بمكتبه الذي تنتصب فيه لوحة كبيرة للامير عبد القادر ... كان الاسلام بالنسبة الى عميد الكلية الزيتونية الشيخ الفاضل بن عاشور وهو يترجم أمام العموم الى العربية الفصحى محاضرتي عن إسهام الحضارة الاسلامية ، وهي المحاضرة التي أوجبت طردى من تونس من قبل المقيم العام الجنرال ماسط »

ولعله من الطريف أن نعلم أن الذي تسبب في طرده من تونس سنة 1945 بتهمة الدعاية المناهضة لفرنسا إيراده للحوار التالى الذى وضعه الكاتب أناتول فرانس في كتابه : « الحياة المزهرة » La Vie en Fleur : «سال السيد دوبوا Dubois السيدة نوزيير Noziere عن أشأم يوم في تاريخ فرنسا . وكانت تجهل ذلك ، فقال لها دوبوا : إنه يوم معركة بواتيي ، عندما تراجع العلم والفن والحضارة العربية سنة 732 أمام الهمجية الفرنكية » .

وهكذا كان ممنوعا في عهد الحماية الفرنسية على تونس التأكيد بأن الحضارة العربية سادت حتى القرن الرابع عشر الحضارة الاوروبية ! وكان ممنوعا ايضا التعريف بكلمة أناتول فرانس التي تنطوي على حقيقة - قد يعتبرها بعض المتعصبين فى الغرب أسطورة ويراها نفر من « المتفتحين » عندنا مبالغة أو تغنيا بالماضى لا يسمن ولا يغني من جوع ۰۰۰، د هي ، كما يؤكد قارودي ، أن فرنسا إبان بواتیی قد ضیعت فرصتها التاريخية للاسهام في الحضارة العربية الطالعة واختصار مدة الفوضى الاقطاعية ، ولبناء وحدتها القومية والاستفادة بما غنمته آسبانيا . ذلك أن الكاتب بلاسكو إيباريز

Blasco Ibarrez (1) يقيم الدليل في كتابه « تحت ظلال الكتدرائية » على أن إحياء اسبانيا لم يأت من الشمال مع الطغمة الهمجية بل من الوسط مع العرب الفاتحين

وهكذا يدعو الكاتب الفرنسي الى إعادة كتابة صفحات كثيرة من تاريخ فرنسا والغرب عامة ، « أملتها الروح الاستعمارية الاكثر تحيزا وسخافة إن أسطورة بواتيى مثل أسطورة ماراطون وغيرها من الأساطير حان الوقت لأن تنقشع » كما حان الوقت لان تزول خرافة أخرى : « تلك التي أراد فرضها الاستعمار الفرنسى بتقديم التوسع الغربي منذ القرن الثامن عشر بمثابة اكتساح « الهمجية الآسيوية » للغرب ! » .

وعن جور التاريخ عندما يكتبه بعضهم بالمقلوب يذكرنا قارودى « بأنه من المصائب الكبرى للتاريخ المكتوب أنه كتب من قبل المنتصرين الذين يريدون دائما أن يثبتوا أن هيمنتهم كانت حتمية تاريخية ، أى أنها ناتجة بالضرورة عن تفوق ثقافتهم وحضارتهم .. وهذا ما يعيننا - نحن - على فهم عقلية ومواقف بعض المثقفين في العالم الثالث من ثقافاتهم وهم الذين قرأوا تاريخهم كما كتبه أعداؤهم ، أى » بالمكذوب » !

وفى هذا الصدد يلاحظ قارودى أن ما يسمى « بفتح اسبانيا » لم يكن فتحا عسكريا . لقد كانت اسبانيا آنذاك حوالى عشرة ملايين ساكن ولم يطأ أرضها أكثر من سبعين ألف فارس عربي لقد لعب النفوذ الحضاری دورا حاسما ... إن ما أنجزه العرب بأسبانيا يشبه حرب « ماوتسی تونغ » الثورية !.. لقد جاؤوا بنظام اجتماعي أرقى بكثير من النظام القائم وسرعان ما ظهروا في مظهر المحررين ، وذلك بتخليص عبيد الارض من وصاية الملوك الويزيڤوت » المتدهورين أولا، ثم بعدم الاستيلاء على الاراضي - فالقرءان يحرم ذلك ـ مكتفين بالخراج

وبهذه المناسبة نورد لقوم يخشون تهمة التعصب وداء الانغلاق اذا استدرجوا للحديث عن فضل العرب فى تقدم العلوم ، ما شهد به هذا المفكر الحر الذي لم يعرف بشطحاته الصوفية قط ، بل كان دائما مثال الباحث الرصين ... لعلهم

«يتجاسرون» على معرفة تاريخهم كما هو لا كما كتبته شرذمة الاستعماريين الحقودين... قال قارودى مما قاله فى هذا السياق : « عندما ذهب القس الفرنسي جربير Gerber ليتعلم بجامعة قرطبة ، عاد منها مكتسبا من العلوم ما آتهم من أجله بأنه تعامل مع الشيطان : ولقد صار فيما بعد « بابا » تحت آسم || Sylvestre.....وقال : « كما أننا ندين للعلم العربي بأهم كلياتنا الطبية وفى مقدمتها كلية منبليى . ولقد نشرت و درست بفرنسا حتى القرن السادس عشر وبانقلترا حتى القرن التاسع عشر مؤلفات الطب العربية وخاصة مؤلفات الرازي الشهيرة .. لقد كان العرب يطبقون منذ القرن الثامن عملية تكثف العين بواسطة الامتصاص بابر مجوفة (1) إن الشاعر عمر الخيام الذى عاش فى القرن الحادي عشر استطاع حل معادلات الدرجة الثالثة مستعملا نفس الطريقة التي استعملها ديكارت بعد خمسة قرون، واضعا بذلك قواعد الهندسة التحليلية . لقد ظل مؤلف عمر الخيام فى الجبر المنقول الى الفرنسية حجة في تلك المادة بفرنسا الى سنة 1857 ويتحدث قارودي عن تكوين المراصد العربية وعن الخرائط واكتشاف الارقام العربية والصفر وعن المواد الكيميائية والصيدلية العربية وعن ابن خلدون يقول : إنه يظل شخصية شمولية فى ميدان العلوم الانسانية وتبين أنه مخترع مفهوم علمى للتاريخ وعلم الاجتماع إن رجلا في مستوى ابن خلدون لا يمكن أن يولد فى الفضاء ، وبقراءته، يمكن تصور ما كان عليه ازدهار الفكر العربي في زمانه في ميدان العلوم الانسانية . ويختم قارودی هذه الملاحظات باعلان » أن الغرب مدين بالنهضة الى حد كبير للفتح العربي الذي استطاع أن يخلق الظروف الفكرية الضرورية لتفتحه »

ولكن المفكر الفرنسي لا يقتصر على التنويه بفضل الثقافة العربية الاسلامية على الحضارة الانسانية بل هو يخصص أبوابا كاملة للحديث عن مساهمة الثقافات الاخرى التي لعبت دورا كبيرا في تاريخ الانسان في الصين والهند وإفريقيا وأمريكا اللاطينية مبرزا خصائصها ومنددا بمقاومة الغرب لها ومحاولاته طمسها (2) ويذكر بعض التجارب الطريفة التي أقدمت

عليها تلك البلدان للخروج من التخلف من دون تقليد أعمى للغرب ويقول في هذا الصدد : « علينا أن نتعلم الكثير من الحكمة الشرقية ، ويمكن لسكان افريقيا وآسيا وأمريكا اللاطينية أن يستوعبوا بعض المظاهر الايجابية من علومنا وتقنياتنا . إن تبادلا يسمح بفتح حوار حقیقی بين الحضارات ليس مستحيلا . ولكن الحوار يفترض أن يقتنع كل طرف بأن له ما يتعلمه عن الآخر . إن المونولوف الغربي دام كثيرا ! لقد حاول توجيه كل الثقافات بمقتضى تصوراته الخاصة ... إن تفهم ثقافة أخرى يتطلب تحولا جذريا في عقليتنا الغربية ومجهودا كبيرا من التواضع الفكرى ومن التلقى • إن غير الغربيين بامكانهم أن يساعدونا على الاحساس بحدود رؤيتنا الكونية ... إني أتمنى أن يأتي متعاونون من أفريقيا أو آسيا لاتمام تربيتنا .. فنحن متخلفون في عدة نقاط حياتية اساسية !... » .

وهكذا ينادى قارودى بقيام ثورة ثقافية عارمة لتيسير الحوار بين الحضارات ويذكر من شروطها

(1) أن تحتل الحضارات غير الغربية في الدراسات مكانة متساوية في الاهمية على الاقل لمكانة الثقافة الغربية (1)

(2) أن ينظر الى الفلسفة نظرة جديدة ، فهى ليست كما يفهمها الغرب اليوم بحثا فكريا بحتا بل هي طريقة حياة

(3) أن يحتل علم الجمال مكانة على الاقل في مثل أهمية تلقين العلوم والتقنيات.

(4) أن يكون للمستقبلية ، وهي فن تصور المستقبل ، والتفكير في الغايات ما للتاريخ من أهمية على الاقل.

ولئن أطلنا فى استعراض ما جاء في كتاب قارودى فنحن لم نتعرض في الواقع إلا الى القليل من المعانى الطريفة والمعلومات الجمة التي يزخر بها ، هدفنا إعلام قرائنا من أهل الضاد بما يكتب عنا وما يتجه اليه اليوم اهتمام المفكرين المعاصرين الاحرار . ورجاؤنا ألا يبعث فينا ما قيل عنا الزهو والخيلاء فنتغنى بأمجادنا ونعتبر أنفسنا في المقدمة مستعيضين عن المضارع بالماضي وفي هذا غباء تاريخى كبير وسلبية لا تغتفر ! . فاذا أصبح بعض المفكرين في الغرب ينتظرون منا أن نؤدى رسالتنا الحضارية من وجهة عبقريتنا فمعنى هذا أنه يجب تحمل مسؤوليتنا كاملة من دون ترديد للماضي أو محاكاة للغير ، فنبتكر الحلول الطريفة لمشاكلنا ونستمد من خصائص شعوبنا وملامح تراثنا ومعطيات واقعنا ما به نقوى على مغالبة التخلف والمساهمة في توفير الاسباب الحقيقية للوئام والسلم فى العالم وخلق مستقبل أفضل للبشرية أساسه حوار الحضارات

اشترك في نشرتنا البريدية