تحت هذا الشعار التأم فى الخامس من سبتمبر 1979 المؤتمر العاشر للحزب الاشتراكى الدستورى . ومؤتمر الحزب حدث جليل تهفو اليه القلوب وتتطلع اليه الابصار وينتظر الشعب ما تفضى اليه أعماله من اختيارات وتوضيح للسبل ، ذلك انه مناسبة عزيزة لمراجعة النفس وتحليل الوضع وتقدير المسافة التى قطعت فى طريق النمو ، توضح مسالك الحياة التى ينبغى توخيها لادراك الهدف الذى ارتسمته الامة لنفسها الا وهو أساسا الرفع من منزلة الانسان التونسى والسمو به الى اكتمال ذاته ونحت مصيره عن بصيرة وروية
لذلك كان مؤتمر الحزب دوما مجالا لتبادل الاراء ومجابهة الواقع واستجلاء حقائق الامور ووضع الاجتهادات مهما اختلفت منازعها وتعددت مشاربها على محك التجربة للخروج بها من طور النظريات المجردة الى ميدان الفعل والخلق !
ولذلك كان مؤتمر الحزب محط آمال جماهير الشعب التى تنتظر منه توضيح الرؤية وراب الصدع وتوحيد الكلمة .. ولكن ذلك لن يكون ما لم تحدد المفاهيم وتتبلور حولها الآراء ويذكر بالمبادئ الاساسية التى تكون اطارا لكل تحرك مجد ومنطلقا لكل عمل مفيد
وفى هذا المجال فقد سعدنا بخطاب المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة الذي افتتح به المؤتمر والذى جاء مرة اخرى - فى اشراق بيان ونصاعة تعبير - موضحا للسبل مبلورا للمفاهيم ، مبرزا للقيم التى لا نكون شيئا بدونها ، وذلك بصورة لا يمكن ان يتطرق اليها اللبس أو الشك !
وانه ليسعدنا ويملؤنا غبطة واعتزازا ان نكون قد وفقنا فى هذه المجلة الى الدفاع عن نفس المبادئ والتشبث بنفس القيم التى بها نكون .. او لا نكون !
لقد ابرز الرئيس (( جملة من الانتسابات الحضارية التى تجعل تونس تناضل من اجل قيم متعددة متضامنة )) وأشار الى اقدم تلك الانتسابات ألا وهى البحر المتوسط الذى فيه تفرض وشائج التاريخ والحضارة والمصالح الاقتصادية علاقات خاصة بين مختلف الشعوب العائشة على ضفافه . (( وذكر بانتسابنا إلى (( القارة الافريقية التى تشدنا اليها جملة من المصالح وجملة من الروابط الثقافية والروحية )) ثم ركز على (( ان شعب تونس دينه الاسلام وهو عروة وثقى بينه وبين سائر الشعوب المسلمة لا انفصام لها ، مهما بعدت الشقة او تغيرت الاوضاع الاجتماعية والسياسية . ذلك اننا مسؤولون جميعا عن مصير هذه العقيدة وعن مستقبل الحضارة الاسلامية )) ودعا فيما دعا اليه الى الاجتهاد .. والى تضافر الجهود لاجلاء الدين من صدأ القرون البالية . حتى نعيد الى حضارتنا ما ينبغى ان تتصف به دوما من حركية وتقدم وابداع )) ثم تخلص من كل ذلك الى ابراز وجه تونس الحقيقى حضاريا وثقافيا وانتماء . وجاء بفصل القول فى غير اغماض ولا التواء فى هذه الفقرة الواضحة ، الرائعة البليغة : (( ولكن تونس فى كل ذلك ، سواء نظرنا إلى ابعادها المتوسطية ، او الى انتسابها الافريقى ، او الى انتمانها الاسلامى ، انما هى عربية اللغة وعربية الثقافة ، وعربية المصير ، تستمد قوتها مباشرة من قوة المجموعة العربية . وكل ما يهدد كيان المجموعة او ينال من مصالحها فتونس تتداعى له بالتعاطف والتضامن والتناصر ، مهما اختلفت احيانا مشارب الدول ، او تناقضت مصالحها العاجلة .))
ما أروع اداة الحصر وما ابلغها حينما نزلت هذه المنزلة .. من القوة والتأكيد فى قوله : ((انما هى عربية اللغة ، وعربية الثقافة ، وعربية المصير)) فهل هناك تحديد للمفاهيم أعمق من ذلك وأقوم قيلا ، وهل بعد ذلك ما يدعو بعضهم المراوغة والتأول والزيف ؟
إن ما قوبل به خطاب الرئيس الحبيب بورقيبة من حماس واعجاب كان ابلغ تعبير عن شعور هذا الشعب ونبل محتده وقوة ايمانه ..
ذلك أنه جاء ترسيخا لعقيدة ، وامتدادا وتذكيرا بهوية كانت ، منذ نصف قرن ، منطلق نضال المجاهد الاكبر والحزب الحر الدستورى فى جهاده ونضاله ، من أجله استشهد شهداؤنا ، ومات أبطالنا ، واستبسل شعبنا ايمانا بأن شعبا بدون قيم شعب ممسوخ ، أامة مقطوعة الجذور عن أصلها أمة خلاء ، تتقاذفها الاهواء وترسى بها الريح حيث تشاء ...
وهل معركة التجنيس والصمود فى وجه الاستعمار الفرنسى شئ آخر غير التشبت بقيمنا والذود عن هويتنا والدفاع عن أصالتنا ، انتسابا ومنزعا وثقافة وحضارة ومصيرا ؟ ...
وهل ما يخيل لبعضهم من ازدهار اقتصادى ونمو مادى بدون استرجاع للذات واعتزاز بالقيم شئ اخر غير سراب خلب وسحاب جهام وطلاء زائف ؟
ان ما صدع به الرئيس الحبيب بورقيبة فى قوة ونبل بيان انما هو دعوة صارمة لايمان صادق يسمو بنا عن ايمان الاعراب الذين قال عنهم تعالى : " قالت الاعراب آمنا ، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان فى قلوبكم ))
فليعتبر شبابنا بهذا النداء وليتشبع بهذه الروح وليجد فى ذلك نبراسه ودستوره !
أما نحن الذين ما فتئنا - منذ بروز هذه المجلة التى تدخل بهذا العدد سنتها الخامسة والعشرين - نسعى الى الدفاع عن قيمنا الحضارية وننادى باسترجاع ذاتنا فى غير خوف ولا ضعف ولا تردد ، فاننا نعبر عن اعتزازنا بما جاء - مرة اخرى - على لسان المجاهد الاكبر من تأكيد وتوضيح ، كما نعبر عن ارتياحنا لما جاء على الصعيد الفكرى فى لائحة ميثاق الرقى اذ (( يسجل المؤتمر بكل ارتياح المجهودات المبذولة من طرف الدولة لتربية الانسان التونسى تربية اصيلة تتجاوب ومتطلبات البلاد والقيم الحضارية للمجتمع حتى يعيش عصره بكل ثقة فى ظل مجتمع متوازن ومتضامن وما حققته السياسة التربوية من ديمقراطية واصالة وتفتح فى التعليم وخاصة توجيهه نحو التقنية وربطه بالواقع والمخططات الانمائية للبلاد )).
لقد بقى بعد هذا أن نكون صادقين فى ايماننا مخلصين فى أعمالنا جادين فى أقوالنا وان نخرج بما عقدنا العزم على ادراكه من حيز النية الى الفعل .. وأن نحسم مبادئنا تحسيما يضمن لهذا الشعب ما هو جدير به من تقدم وكرامة وسؤدد .
وما التقدم الحق الا ضرب من البر لاعمق اعماق ذاتنا ووفاء صادق لماضينا الذى به نعبر الى اشراق مستقبلنا .

