الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ

Share

فى عظمة الاسلام وبعض أحوال المسلمين

لا يزال المسلمون فى مشارق الأرض ومغاربها يذكرون بينهم وبين أنفسهم ويعلنون فى حسرة وتوجع ما كان لهم من منعة وقوة فى سالف الأزمان وخوالى الأيام ويتطلعون الى اليوم الذى تشرق فيه شمسهم مرة اخرى . ولقد مضوا منذ أواخر القرن التاسع عشر الى يومنا هذا يبحثون عن دواعي تدهور حالهم وتشتت كلمتهم وضياع امرهم ويقلبون الفكر للظفر بأسباب القوة والمنعة من جديد .

وقد توهم أغلب المسلمين أن ثروة الاسلام العظمى وما عليه بعض الدول الاسلامية من غني مادى من شأنهما أن يعينا سائر المسلمين على الخروج من حالة الضعف الى القوة ومن طور التبعية الى الاستقلال بالنفس والتماسك الذاتى بينما الواقع المر الذي فرض نفسه برز فى تفاقم التبعية وتزايد الاحتياج الى غذاء الغير وصناعة الأجنبي وأنماط عيشه لهفة وغفلة عن سوء المغبة .

وذهبت الخيلاء بنا - نحن معشر المسلمين - فى وقت من الأوقات الى أن الاقتصاد الدولى فى قبضة ايدينا نتحكم فى مصيره ونضبط له الاتجاه بفضل ما دره الله على بعض الدول الاسلامية من ثروة بترولية ، وأحسنا بأن ريحنا قد هبت وأن عهود القوة والمنعة والمجد بالنسبة الينا قد انطلقت زاهية براقة تحمل بين طياتها أسباب السطوة والعزة . غير أن واقع الأمور أبان لنا عكس ما توقعنا وأظهر لنا غرور ما خمنا وحلمنا ، وتبين أن الطريق فى سبيل ذلك كأداء والسير فيه يقتضى من الأعصاب والأوتار شدا شديدا .

وغرنا ما أمكن لنا تحقيقه من مظاهر المدنية الحديثة ووسائل العصر المادية المستحدثة نتصرف فيها وكأننا نحن صنعناها ونتباهى ببحبوحتها وكأنها الجنة التى وعد بها الله المتقين - وهل دائما فى صفوفنا من تقوى ؟ ونتمتع بخيراتها متحسرين أن عجز القوم الآخرون عن التغلب على (( حيلة الموت )) ولكن أملنا عظيم في أن يصلوا في يوم من الأيام الى ذلك .

وقلنا أن لا مخرج الا في البرامج الجبارة والمخططات الضخمة والعلم والتكنولوجيا نبذل بها وجه المدن والأرياف ونفرض على الأفراد والجماعات الحياة العصرية : نغير الهياكل والأبنية التحتية لنقلب الأوضاع الفوقية ونشيع فى البلاد الصحة والغني والسعادة بعد أن عم المرض والفقر والشقاء والحال أن جحافل الاستلاب والاستعمار المقنع والشقوة حطت بكلكلها زاحفة لا تبقى ولا تنذر .

كل هذا صحيح من وجهة ما ولكنه لن يرجع للاسلام والمسلمين ما كان لهم من منعة وقوة اذا هم غفلوا عنصر هام بدونه لن يكون للاسلام ذلك الوهج الذي عرفنا وللمسلمين ذلك المجد الذي ما زلنا نتغنى به . لأن الاسلام فى مبادئه وما سنه من قوانين ، عبادات كانت أو معاملات ، أسمى من أن يتجاوزه الزمن اذ هو المرونة التى لا تعرف العسر واليسر الذي لا ينتابه الكسر ، وهو أعظم من أن يتناوله قادح بنقص ولا يزحزحه مادح بزلفى . ولكن المسلم ما حاله ؟ في سلوكه بينه وبين نفسه فى السر والعلانية ، أثناء العمل وأوقات الفراغ ، فى عباداته ومعاملاته ، عند الشدة والرخاء ؟

كان المسلم ، فى العهود الزاهرة قد وجد توازنه النفسى وأوجد بين الدين والدنيا روابط ليس أمتن منها ولا أشد إحكاما فظهر فى سلوكه مع نفسه ومع الناس عنوان الأخلاق الفاضلة ومستودع القيم العالية فتماسك المجتمع الاسلامى بفضل ذلك فى جميع أوجه النشاط البشرى وأمكن له أن يشع على غيره من المجتمعات .

واليوم فان المسلم غالبا ما لم يجد الرابط الصحيح بين الدين ودنيا اليوم فهو إن صلى فليس ذلك مانعا له فى كثير من الأحيان من أن يسيئ إلى أخيه المسلم وإن حج فهو - الا من عصم ربك - ميال إلى الاخلاد إلى طقوس لا تعصمه ، عند تاديتها وفي سبيل إتمامها من الاعتداء على من صرف وجهه مثله الى الله وهو لا يتورع من أن يستغله الاستغلال الفاحش ويذيقه ، وهو الباسط يديه طلبا للرحمة ، عذاب الدنيا . فأين التعارف والتحابب والتأخى

الذي جاء به الاسلام ؟ وأين الخشوع والرهبة فى خضم فيه المسلم للمسلم كالموج المتلاطم ؟ وأين الطهارة والنظافة والنقاء حسا ومعنى ؟ كل هذا يحز فى النفس وليس من مفر الا أن نولى اهتمامنا للمسلم نصلح من أمره ونقوم ما أفسده الدهر فيه . إذ لا يستقيم حالنا ان نحن قمنا فقط بما ذكرته آنفا لان ذلك يعطى حياتنا بريقا ويغلفها بقشرة زاهية فى الظاهر ولكنها تخفي الدودة فى الثمرة .

فليس على الرابطات والمؤتمرات والجامعات الاسلامية إلا أن تنكب على ما من شأنه أن يجعل المسلم اليوم مثل ما كان شانه فى أول الاسلام يعيش توازنه النفسى ويربط باحكام بين دينه ودنياه دنيا اليوم لا دنيا الامس . وهذا يقتضى من علماء الاسلام الخروج مما ضربوه على أنفسهم من حصار التقليد وأضاعوا فيه أوقاتهم بين هوامش المسائل وقشور الالباب وذلك لتحديد النموذج الجديد لمسلم اليوم وضبط ملامحه ودفعه للحياة مشرق النفس سليم اليد جليل الأثر .

ونحن فى تونس ، وقد آمنا بان الانسان أداتنا وغايتنا في آن واحد ، بد لنا أن تتدبر أمرنا لننحت التونسى ونربيه على هدى المبادىء الاسلامية الخالصة المصقولة بوهج العصر ، المتماشية مع أسمى القيم الانسانية والمتقدمة على ركب الرقي البشرى من دون تعصب ولا نكوص على الأعقاب . وان ثقتنا فى الاتجاه القويم الذي أقرته الحكومة التونسية بالنسبة لبرامج التربية القومية وأوكلت تطبيقه الى الأستاذ محمد مزالي المؤمن والمنادى به ليوازيه عزمنا جميعا على التفكير الجدى فى المحتوى الذي يجب أن نحدده بالنسبة لروح برامج التعليم وتفاصيلها حتى لا نقيد عن رسالتنا الحقيقية وهي تكوين التونسي تكوينا عصريا لا يخرج عن حضارتنا العربية الاسلامية وديننا الحنيف ولغتنا الفصحى ، ولا اخال الا عزم المسلمين صحيحا ؟

اشترك في نشرتنا البريدية