الاحتفال بمرور خمس وعشرين سنة على تأسيس مجلة الفكر
كان يوم العاشر من أكتوبر 1980 يوما بهيجا التقى فيه بقصر المؤتمرات اهل الثقافة من تونس ومن البلاد العربية لقاء تبتهج له النفوس وتنشرح له الصدور وتتفتح اليه العقول وذلك للاحتفال بمرور خمس وعشرين سنة على تأسيس مجلة الفكر .
كان لقاء استمع فيه الحاضرون الى ثلة من الادباء والكتاب العرب الذين تباروا على منصة الخطابة لتحليل هذه الظاهرة التى تتمثل فى استمرار مجلة ثقافية تصدر فى تونس طيلة هذه المدة وبدون انقطاع .
وقد حرصنا على أن يضم هذا العدد كل ما قيل فى هذا اللقاء أو أعد له . وان نعطي للقراء في تونس وفي الأقطار العربية صورة أمينة لما تم في هذا الاحتفال بنشر الكلمات والقصائد والاشارة إلى المعرض الذي اقيم فى بهو قصر المؤتمرات وضم - الى جانب الوثائق المجموعة من قبل وزارة الاعلام والشؤون الثقافية والمكتبة الوطنية مشكورتين - فهرسا عاما للمواضيع والكتاب ونشرية حول الفكر وبيبلوغرافيا عامة وكذلك جمعنا في الأصدا قائمة للصحف والمجلات والبرامج الاذاعية والتلفزية اهتمت بهذا الاحتفال وخصصت له مشكورة بعضا من جهدها .
وليس في عزمي ان الخص ، فى هذه السانحة ما قيل أو أعلق عليه اذ اترك ذلك الى النقاد والمعلقين ولمن قد يتصورون هذا الاحتفال بصورة غير التى رأتها اللجنة وهو حق من حقوقهم بل هو واجب على ضوئه نتدارك امرنا ونزيد من جهدنا للوصول الى ما يبتغيه القارئ الكريم وما ترتضيه ضمائرنا .
وانها لدعوة ملحة نوجهها الى كل أحباء الفكر " الذين لهم رأي فى هذا الموضوع ليقولوا كلمتهم لأننا أصبحنا نشعر اكثر من ذى قبل بثقل المسؤولية وجسامة الحمل اعتقادا منا انه بالنقد تزيد السبيل وضوحا ويخف الحمل ونشترك في المسؤولية أكثر فأكثر مع غيرنا .
ذلك أن المتصفح للمجلدات الخمسة والعشرين وما حاولنا تسجيله عنها فى عدد اكتوبر الفارط يفطن الى اننا لم نول اهتماما كبيرا الى محور بالغ الخطورة ولم نخصص له في العدد من العناية ما يستحقه الا وهو النقد .
صحيح أننا في هذه السنوات الطويلة طالما نادينا بالانكباب على هذا الفن وصرخنا صرخات لغيابه وقلنا كلمتنا فى ذلك مرات ومرات . ولكن الذي بقى هو أن هذا الفن لم يعرف الازدهار فى هذه الفترة ولم تنبثق عنه - مثل الشعر والقصة والمواضيع المصيرية كالأصالة والتفتح وقضايا اللغة - حركات ومدارس واراء واتجاهات بل ظل باهتا يشكو العلة وينتابه النقص
ولعلى مرجع ذلك الى الظروف العامة التى تعيشها البلاد العربية فى هذه السنوات الحاسمة نظرا الى تأزم العلاقات بين دول العالم واصرار الكثير من البلدان التى بيدها الحل والعقد على متابعة سياسة القهر والتسلط والظلم والاعراض عن حل المشاكل بالطرق السلمية كل هذا من شأنه أن يجعل الأمور تضطرب فيقل شأن الحوار والنقاش وتحل محله الريبة والتشكك وهو مناخ لا يشجع على النقد النزيه وازدهاره .
ورغم هذا فانه لا مناص من ان نقوم بمجهود على الصعيد السياسي العام لاحلال التفاهم محل التنافر والتآخي محل الشقاق والحوار محل الكبت عاملين على أن تزدهر مدارس النقد في كل الميادين باذلين الجهد لئلا نقع فيما يبيته لنا الأعداء وما يحيكونه لنا فى السر والعلن .
وان فى كلمة الاستاذ محمد مزالي مؤسس المجلة ومديرها والوزير الأول ما يعبر عن هذه الرغبة فى دعوته الى اعمال الفكر وفي تأكيده على استمرار هذه المجلة على أساس مقارعة الحجة بالحجة ومبادلة الرأي بالرأى والدفع بالتي هي احسن واعتقد ان هذا سبب كبير من أسباب دوام مجلة الفكر وبعض المجلات الأخرى التى عاشت طويلا فى البلاد العربية لأن التضييق على فسحة الفكر بالإنصياع الى الايديولوجيات والتمسك الأعمى بالمذاهب والانسياق الى الدغماتية طريق مسدود لا يعمر بالمشاريع طويلا ولا يتيح لها الفرصة لتثمر وتزدهر بل هي الى العقم تؤول ، والى أنواع المركبات التى لا تحصى ولا تعد تفضى .
ولذا فان الدعوة الى الاعتناء بهذا الفن ، فن النقد ، دعوة يجب أخذها بعين الاعتبار وتهيئة كل اسبابها خاصة واننا فى تونس ندخل فترة حاسمة من الحوار والديمقراطية وننتهج طريقنا فى تآلف وأخوة وحرية وتقدم على بناء مستقبل تونس بالتعاون مع كل ذوى العزائم الصادقة فى العالم
وان مستقبل تونس ، مستقبل ابنائنا ، يفرض علينا أن نولى عناية بالغة الى الشباب وهو ما أكده الأستاذ محمد مزالي بالنسبة الى " الفكر " اذ لا يمكن ان تعيش هذه المجلة اذا لم يأخذ المشعل من ايدينا الشباب ولم نفسح له المجال ليختبر طاقاته ويتمرس على الخلق والابداع ويتعود الجهد والاجهاد ويفتح نحو المستقبل طريقه مرفوع الرأس موفور الكرامة
ذلك اننا نؤمن بتواصل الأجيال وتسلسل السند الذى هو أساس الحضارة واستمرارها ولقد اهتم قديما ابن خلدون بانقطاع السند وجعله سببا من
أسباب انطفاء العمران وتقلصه وهو بذلك تحس دخول العالم العربي الاسلامي في عصور الانحطاط والجمود وكان ذلك حقيقة ، العامل الكبير ، فى تدهور حضارتنا وتأخرها لفائدة امم وشعوب اخرى .
وهكذا فان مجلة الفكر ، وهي رمز للعمل البشرى المثمر ليست مجلة الجميع فقط ، فى الحاضر بل ارادها صاحبها مجلة المستقبل ايضا يراهن بواسطتها على الشباب لا فقط فى مجال الانتاج والكتابة وهو أمر حاصل من أول يوم تأسست فيه " الفكر " بل هو يريد منه أن يتطوع ايضا للمساهمة فى اعدادها وتسلم المشعل
وبهذا تكون مجلة " الفكر " استمرت في الاضطلاع برسالتها وكانت عند حسن ظن من احتفلوا بميلادها الخامس والعشرين ودلت على انها ستبقى دائما فى مستوى الدور الذي أراده لها مؤسسها الأستاذ محمد مزالي . فالى هؤلاء جميعا ممن شاركوا في اعداد الاحتفال وحضروه كل تهانينا وشكرنا والى اللقاء .
