الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الى القارىء، لنعتبر بما يقولونه عن أنفسهم

Share

في الوقت الذي لا يزال الكثير من رجال السياسة والاقتصاد وحتى ... الثقافة في العالم الثالث منبهرين بالغرب ، متسابقين الى تقليده ، يمني الواحد منهم ان ينمي نفسه بان يصبح اوربيا ذا بشرة سوداء او صفراء - كما قد يقول قارودى - يلاحظ كل الذين يستقرئون احوال أمريكا واوربا الغربية خاصة ويطالعون الدراسات الحادة والتحليلات العميقة التى اخذ ينشرها مفكروها باطراد في عديد الكتب والمجلات ، ان هذه البلدان "المتقدمة" تشكو أزمة حضارية عميقة وان لم تبد جلية للذين لا يحكمون على الأشياء الا بما تراه العين ، وان القوم يعانون من الشك والحيرة ما اصبح معه بهرج المدنية واضواء المدينة وملذات الاستهلاك عاجزة عن اخفائه او الحد منه .

فهذا بول ايمانويل ، عضو الاكادمية الفرنسية ، يحذر من طغيان النظرة العلمية والتكنولوجيا التى هى بصدد توحيد الاوربيين على اساس الاستهلاك العاجل والتطور الاقتصادى السريع ، وافراز ثقافة تجارية تخضع الانسان الى الغايات المادية ومقتضيات وطغيان التكنولوجيا وتحمل الناس على الظن ان كل شىء - بما في ذلك تطور العلاقات البشرية - يتسنى ارجاعه الى ما يمكن قيسه وتقديره كميا ، فيؤمن الجميع شيئا فشيئا بحتمية ظهور انسانية تخضع للتخطيط العلمي وتجرد الانسان من سره وتحول دون تساؤله الدائب عن كنهه وتنزعه من ارضه وتحجب عنه سماءه وتحوله الى منتوج مكتمل الصنع . ويصف المفكر الفرنسي حال النخبة الاوربية المنبتة من ثقافتها الاصلية وما

تشعر به من وحدة وغربة ازاء الوطن ، اذ طغت العلاقات التكنولوجيا وضرورات الاختصاص على الاعتبارات الحضارية ، فيقول :"وانك لترى فى مختلف انحاء البلاد الاوربية العلماء ورجال التقنية وقد ساورتهم الحيرة بشأن حدود قدرتهم يبحثون عن وسائل للتخلص الى وضع جديد ، واولى بهم ان يستعينوا على ذلك بخبرات في ميدان معرفة الانسانية غير خبراتهم اى بخبرات الفلاسفة ورجال الفن ، أولئك الذين ما زال يجهلهم كل من تشبث من الواقع بمظهره " الايجابى " فاهمل بذلك واقع الانسان " .

ويضيف بول ايمانويل فى نفس المعنى : " ومما يؤسف له ان تنحصر العلاقات الواصلة بين النخبة الاوربية فى مجرد روابط الاختصاص وحواجز هذا التقسيم قائمة بصفة شاملة فالعالم الفرنسي أو الالمانى يشعر بانه أقرب الى زميله الاميركى او اليابانى منه الى شاعر من الناطقين بلغته . وهذا ما يجعل الاخصائيين - اذا ما شغلهم مصير اوربا - يلتمسون حلولا تقنية لا نمطا حضاريا جديدا " .

ولا يخلو الكاتب من سخرية لاذعة ازاء كبار المسؤولين الفنيين اذ يؤكد في شأنهم . الوسط الصناعي لا يليق بالاطارات العليا ان تنتقد نظاما يسمح بتوسع نحن مستأجرون لنكون قساوسته حتى لو رفضنا ان نكون مداحيه، وهذا موضوع لا يتناوله الزملاء بالبحث فيما بينهم ، يصدهم عن ذلك ضرب من الحياء فيمتنع بذلك "البلسم" الانسانى الى ابعد الحدود ، الذي يخفف وطأة الآلام الأدبية ويحكم على كل واحد بالقبوع فى زاويته يعانى صامتا نفس الداء الذى يتأكل جاره ، بل ويكون من قبيل الحذر ان يتظاهر بمظهر الرجل المتمتع بالراحة والطمأنينة " (1).

ويعتقد الكاتب انه لا يمكن لاى مجتمع عاقد العزم على ان يكون خلاقا ان يتمادى فى الفصل بين الذكاء والنفوذ اذ اتضح شيئا فشيئا ان الثقافة ضرورية

لتطور الاقتصاد خلافا لما كان يعتقد من ان الاقتصاد مكيف للثقافة ، ولا يتردد فى الاعلان عن انه " إذا لم تدرك اوربا انه ينبغى عليها ان تكون مهد حضارة ثقافات اى قارة التنوع والتعدد بأتم ما في هذه العبارة من معنى فانه ستنقلب في اقرب الاوقات مستعمرة فيواصل تاريخ العالم مجراه بدونها ... " (1)

وانه لموقف جدير بان يعتبره المسؤولون فى العالم الثالث ويعتبروا به حتى لا ينساقوا وراء نمط من التنمية ورؤية حضارية مادية لم تزل الازمنة الحديثة وتطور المجتمعات الراقية ماديا تقيم الدليل على قصورهما عن اسعاد البشر واستقرار العمران واشعاع الحضارة .

فاذا تعالت الاصوات في اروبا اليوم لتعلن عن ان التقنية لا يمكن ان تعوض الثقافة لتقديم حلول لمشاكل الانسان ولاسعاده في هذه الدنيا ، وللتحذير من مغبة " تمليس " البشر واخضاعه لنمط حياة واحد بدعوى الفاعلية والتأكيد على التنويع واحترام حرمة شخصية الشعوب الثقافية والروحية ، فمن باب أولى واحرى ان نسعى - نحن شعوب العالم الثالث الذين قاسينا - ولا نزال أحيانا نقاسي - عمليات التشويه والمسخ والطمس الثقافية ومحاولات الادماج و" التغريب " ونستهدف حتى اليوم إلى الاستغلال والاستعمار وشتى ضروب الهيمنة - الى الحفاظ على شخصياتنا وانمائها باقتباس ما يتماشى مع عبقرية حضاراتنا ، والحرص على دعم خصوصياتنا وملامحنا الذاتية ، والايمان بان الاخذ باسباب العصر واكتساب العقلية العلمية واعتماد التقنيات والتكنولوجيا لا يتنافي - بل بالعكس - مع التشبث بذواتنا ويستلزم تنمية ثقافاتنا وادراج " المكاسب " العلمية وادوات العمل التقنية فى سياقها الانسانى واخضاعها الى سلم القيم الحضارية والاخلاقية القومية .

ذلك ان الثقافة ليست ترفا او مجرد استمتاع جمالي ، انها - خاصة - كما يقول باولو فرير ( Paolo Freire ) " مجموعة الحلول التى يجدها الانسان للمشاكل التى يطرحها عليه محيطه الثقافي والاجتماعى "

ان الثقافة الغربية سواء انتمت الى ليبرالية البلدان البرجوازية أو انتسبت الى الاشتراكية العلمية " مرت - كما يقول قارودى - من سياسة بلا اله الى سياسة بلا انسان ، بحيث حاولت التقنية تعويض الثقافة لتقديم حلول لمشاكل الانسان ، ولكن هيهات ان يقنع الانسان فى حياته وتطلعاته واشواقه بما لا يرضى ولا يشفى الا الجانب المادي منه .

ان اروبا مرت من اعلان نيتشه Nietzche الشهير عن "موت الاله " ، المؤذن - فى نظره - باكبار متزايد للانسان ، الى " موت الانسان " الذي اعلنته تكنوقراطية " ايجابية " تافهة متنكرة فى شكل هيكلية وعلمولوجية ، فكانت المأساة ، لان الشرارة الالهية الموجودة فى كل انسان ابت عليه ان ينحدر الى منزلة الحيوان ولو تمتع مقابل ذلك بالرفاهية المادية .

ومعنى كل ذلك انه من خطل الرأى ان نتبني تبنيا اعمى النموذج الغربي الاوربى فى الوقت الذى يطلق فيه الايقاظ من اهل الراي في اوربا صفاره الخطر حتى لا يطغي عليها النموذج الامريكي الذي يضع مقياس النجاعة والنجاح المادى فى المقام الاول من الاختيارات الحياتية ، وفي الوقت الذى تعاني فيه الحضارة الاوربية ما تعانى بسبب خيلاء الانسان الاوروبي الذي تجاوز الجانب المقدس فيه فقدس نفسه فكان نصيبه القلق والتمزق والسعى اللاهث السلبى عن قيم جديدة وسعادة سراب ؟ .

وهذا بالضبط ما يحلله هنرى دى لا باستيد (1) عندما يلاحظ ظهور المشاغل الروحية من جديد عند الشباب الاوروبي الذي اصبح بطالب بتفسير كونى للطبيعة والانسان ويحاول فى شئ من الفوضى اعادة ادراج العنصر القدسى فى المجتمع بعد شعوره بما يشبه اليتم من جراء النظريات القائلة " بموت الله " فيقول : اننا نشهد اليوم عملية اخصاب ثانية بعد المسيحية ، للعالم الغربي من الشرق ، وهى عملية تتولد عنها عصور وسطى جديدة بما ينجر عن هذه الولادة من تغيير فى القيم عبر الزمان والمكان : فهذا مفكر ماركسى يصبح مسيحيا ، وذاك شاب مسيحي "يلتجىء" الى شعائر البوذية التيبتية ، ورجل دولة يرجع الى معني الشرعية " الذى ارادت ثورة 1789 ابطاله وتعويضه بمعنى " القانونية " وكاتب - بخلاصه من " ارخبيل قولاق " يصبح له نفوذ لم يكتب لاحد من قبله الا للبابا ، وتمرد عمالى يدرج في مطالبه اعادة بناء قصر ملكى . .

ومجتمع شعري - ارهابى  poetico - terroriste  ينشر تعاليمه الارهابية  ويحتفظ بسر شعره ، وجماعة ثورية تفرز غداة انتصارها فى آسيا ، إبطال اشكال الحياة المدنية باعتبارها ملوثة بالتأثير الغربى " .

وهكذا يسير عالم اليوم تتقاذفه الإيديولوجيات والثورات المتناقضة ، حيث يلتقي احيانا اقصى اليمين بأقصى اليسار ، ويضاف الى الخليط التقليدى بين الماضى والحاضر مزج جديد بين الشرق والغرب فهل اخذت تسيطر على مسيرة الامم ظاهرة " الحضارة الكونية " ؟

ويؤكد الكاتب الفرنسي - على كل حال - ان ازمة الحضارة الغربية " احتلت فجاة المكان الاول من مشاغل المختصين الغربيين بعد ان كان هؤلاء مشتغلين بافول الحضارات الشرقية المزعوم . ان اكثر علمائنا ومفكرينا ورجال السياسة والكنيسة منكبون على معالجة هذا الموضوع بصورة ذكية فى اغلب الاحيان . ولكن دون ان يخفوا احساسهم بالخيبة . فلم هذا الشعور بالعجز ؟ والجواب هو ان المشكل قد طرح بصورة سيئة اذ ان مفهومية " حضارة غربية " قد تم تجاوزه ولا يمكن لذلك قبول اية نظرية مستقبلية ما لم تتضمن القيم المنتمية الى الحضارات الخمس الكبرى : الاوربية والعربية والهندية والصينية اليابانية والأفريقية (1)

ويتوجه هذ الكاتب كما فعل عدد كبير من زملائه الى الادباء الانسانيين والى الشعراء ليعالجوا القيم الحضارية الاصيلة ويعتقد انهم هم القادرون على التعبير الناجع قولا وكتابة في هذا السياق الثورى والواقعي معا . ولما كان عددهم قليلا وكان اكثر الناس بهم جاهلين ، يتوجه " لاباستيد " بنداء للبحث عنهم شرقا وغربا ليضعوا تجربتهم وتاملاتهم في خدمة هذه المغامرة الانسانية الجديدة .

ولكن أليس في كل ما سبق ابتعاد عن " الواقع " وتحليق فى الفضاء ؟ كفى اضغاث احلام و " تفلسفا " أو " تفلفسا " كما يقول بعضهم : القوت اليومي

وبحبوحة العيش والارقام والدراسات الموضوعية ... هذا هو الاهم . وهكذا لا نصغي لاشواق الشباب ولا نتعرف لتطلعاتهم ... ثم تتملكنا الدهشة عندما يقابل هذا الشباب عنف " الكبار " فى محاولتهم " قولبته " وادخاله جنة الرفاهية المادية بالسلاسل ... بعنف أشد منه ، لعل اقسى مظاهره يتمثل فى رفض الحوار والعقوق وقطع صلة الرحم مع الكبار ومع المجتمع ...

ان البشر - والشباب خاصة - لا يعيشون بالخبز فقط - وان كان توفير الخبز للجميع واجبا مقدسا - بل يحبون من اجل غايات سامية وبستسهلون الصعاب ويضحون بالغالي والنفيس لتجاوز ذاتهم ورفع منزلتهم . وانه الخطأ الذي لا يغتفر اذا ما تمادت معظم شعوب العالم الثالث في تقليد الدول المتقدمة اقتصاديا فلم تفكر الا فى رفع المستوى المادى بالنسبة للاجيال الصاعدة ولم تعتن بالجانب الروحى والثقافى .

ان فيما يعانيه الشباب والمثقفون والاولياء بالعالم المتقدم من ازمات أخلاقية وحضارية وما يأتونه من عنف أو يتجرعونه من غصص عبرة لمن يعتبر . . فهل نعتنى بالثقافة بحيث نستقل عن غيرنا ونخلق حضارتنا ونساهم فى اثراء الانسانية ؟ وهل نعتنى بالشباب بحيث يؤثر الطريق الوعرة التى هى طريق بناء الذات الفردية والجماعية وطريق التجاوز والخلق ؟

وانما اوردنا اقوالا لبعض المفكرين الغربيين لينظر بعض من يتواضع لقراءتنا الى هذا المشكل نظرة جد . . . ان تركت لهم مهامهم اليومية السامية وقتا . . يضيعونه فى شؤون . . . الفكر .

اشترك في نشرتنا البريدية