الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

الى القارىء، ملامح والوان من الأدب المشرقى

Share

لقد دأبنا فى هذه المجلة منذ تأسيسها على ان يكون الانتاج الأدنى والفكري المدرج في أعدادها مرآة صادقة لما تزخر به الساحة الادبية والفكرية فى تونس لاعتبارات كنا شرحناها مرات عديدة ومن اهمها أن المجال المتاح للكتاب والأدباء التونسيين فى المجلات المشرقية ابتداء من النصف الثاني من هذا القرن - ضيق جدا ومأتاه على ما يظهر تغاضى بعض اشقائنا المشارقة عن الواقع الأدبي المغربي بصفة عامة والتونسي بصفة خاصة .

وإن ذاك العهد الذى كان يتجاوب فيه ابو القاسم الشابي وصحبه مع جماعة أبولو وأقطاب الأدب فى المشرق العربى لاعتبارات ادبية وفكرية صرف قد ولى وانقضى .

وإن بعد الشقة وانتفاء التواصل والغفلة عن واقع تونس كان له أثره فى خلو البريد الوارد علينا من انتاج اشقائنا بالمشرق العربى علاوة على ما احدثته صروف "السياسة" فى الخمسينات والستينات من نفرة مصطنعة وما نسجته من اباطيل وترهات ما تزال رواسبها باقية مع الاسف الى الآن حتى فى اذهان من صفا معدنه وسلمت طويته .

غير اننا فى هذه السنوات القليلة الاخيرة ، فسحنا المحال - من حين الى اخر - للانتاج المشرقى لأنه أصبح يتوارد علينا باستمرار لوجود "الفكر" فى بعض العواصم العربية ولاقتناع الادباء بضرورة الترابط بين جناحى العروبه وليس أمتن رباطا وأسلمه من الروابط التى ينسحها الادب وتحبكها الافكار وتصوغها الكلمة الصافية الرقراقة المعبرة .

لهذا فنحن لا نملك - والمجلة لا تصدر عن جهة رسمية - إلا ان نتاثر بالعوامل الخارجة عن نطاقنا ونخضع لها احببنا أم كرهنا سواء كانت تتعلق بالتوزيع أو بوصول المجلة الى اصحابها أو عدم وصولها او حزم البريد او تكاسله أو ... أو ...

ويا حبذا لو ان الاتحاد العام للأدباء العرب يحقق ما عجزت عنه المجلات العربية فيصدر باطراد مجلة يكتب فيها ابرز الأقلام العربية من دون اعتبار إيديولوجى ولا سياسى ولا تتقيد بأى قيد سوى القيود التى تفرضها الكتابة والموهبة الادبية . ولكن أين ذلك ؟ والخلافات المذهبية والمصلحية تتآكل الاتحاد العام للأدباء العرب وتشل عمله حتى الروتينى منه .

ويا حبذا - أيضا - لو أن كل اتحاد للكتاب فى أى قطر عربي يعمل على التعريف بالانتاج الادبي والفكرى فى القطر الآخر باعانة الاتحاد المقابل . قد حققنا في محلة الفكر شيئا من ذلك ( انظر على سبيل الذكر الاعداد التى نشرناها عن الادب الموريتاني والفلسطيني والمغربى الخ ... ) . ولكن هل فى الامكان المواصلة والمتابعة بهذا النسق فى هذه الظروف الصعبه التى يمر بها العالم العربي وهو ، وكانه فى غفلة عما يحاك له ، أو أنه يتعمد الفرقة من حيث هو يتوق الى الوحدة ويريدها ، أو كانه مجذوب بسحر ساحر الى الوراء يمارس نفس الاساليب التى عرفها العالم العربى الاسلامى فى عصور الانحطاط وعهود ملوك الطوائف وذيول الحروب الصليبية التى ادت الى الاستعمار والعبودية : ففي الاندلس وفي غيرها من أجزاء العالم العربى كانت الدولة الشقيقة القوية الغنية المنيعة تتربص طلبا للتوسع وبناء الامبراطورية وتحت شعار الدين او مذهب من المذاهب بالدولة الشقيقة الضعيفة الفقيرة وتستعين هذه على الاخرى بالعدو المشترك وتكون النهاية وقوع الدولتين في الفخ واضمحلالهما . هذه هي المأساة التى عاشها أجداد أجدادنا في قديم الزمان وهي هي نفسها التى تعاد باخراج آخر وديكور ملائم للعصر واشخاص آخرين من لحم ودم . (يا لسخرية الأقدار !) .

أين الأدب والفكر من كل هذا ؟ وما دوره وتأثيره على هذه الاحداث ؟ وما هو موقعه من هذه الصراعات المتتالية ؟ لا يمكن لنا أن ندعي في هذا العدد اننا تمكنا من أن نصور بهذه الدراسات وهذا الانتاج من شعر وقصة ، الأدب في المشرق العربي ولا أن نعطي جزءا من الواقع الأدبى والفكرى وإنما هى

مساهمات جمعناها ومناسبة اقتنصناها لخدمة ما نعتقده الأسلم والأفضل والأنبل من الغايات والأهداف .

وعلى كل فهى مناسبة للحديث عن الأدب في المشرق العربي والتذكر بسماته الغاليه وطرح مشاكله ولو فى عجالة . والواقع انه ليس من السهل فى صفحة اعطاء نظرة كاملة عن انتاج غزير وغزير جدا هو فى الواقع ليس دائما من الأدب الصرف بل إنه يمكن الجزم أن أغلبه من باب الجدل المذهبى او الايديولوجى أو النزعة الاصلاحية أو النضال السياسي أو العمل الموسوعى او المشاغل التعليمية . يقول القائل هل في الامكان ان يكون الغالب على الانتاج الادبي والفكرى غير ذلك ؟ وهل أن الأمم الاخرى افلتت من هذه السمة ؟

على كل فانه اذا كان من الصعب الجزم بأن هذه السمة من السلبيات فان الادب المشرقى منذ عصر النهضة لم يخرج عن اغراض معينة تتعلق بالحداثة والاصاله ، والعروبة والاسلام ، والتقدم التقني والنزعة الروحية ، والوحدة والقومية والاستقلال سواء السياسي منه او الاقتصادى أو الثقافى وما ينجر عنه من حديث عن الاستعمار ومظلمة القرن العشرين الكبرى الا وهي القضية الفلسطينية علاوة على المشاغل الاخرى المتعلقة بالدفاع عن اللغة العربية وآدابها .

نعم تمت محاولات للخروج من هذه الاغراض بما ظهر من الواقعية في الأدب او بالأحرى الاهتمام بحياة الجماهير الشعبية ومشاكل العصر . وليس من شك ان الأدب والفكر العربي سجل فى كل ما ذكرت آنفا روائع جديرة بالخلود .

ولكن اليس من الصواب - ايضا - القول بان الفكر العربي والقريحة العربية اصابهما الاعياء فى هذا الاتجاه وان هذه الفترة التى تشكو الضحالة بالنسبة للفترات الاخرى تتحفز فى الواقع لوثبة جديدة تخرج عما ألفاه من ثنايات الاصالة والتلفتح والقديم والجديد والمادية والروحانية والقومية والاقليمية والوحدة الفرقة لتقويا على تجاوز المتناقضات ومحو الانغيار والاستلاب والسلبيات وليتمكنا من شق طريق يؤلف بين هذا كله يكون فيه خلاص الأمة العربية ويتيسر بواسطته دفعها دفعا قويا الى التجاوب مع العصر والمساهمة فى إثرائه بنوعية حضارته .

ذلك ان المكوث طويلا فى هذا المد والجزر بين الانجذاب الى القديم بكل ما فى الحضارة العربية الاسلامية من ثراء والاندفاع الى الحداثة والجديد والعصرى من شانه أن يديم هذا التمزق الذي تعيشه الأمة العربية الاسلامية . فلا نحن وجدنا من أمة اليابان الطمأنينة والراحة فى الجمع بين المتناقضين أى الابقاء على القيم القديمة المتوارثة والاندماج في الحضارة التقنية الغربية ولا نحن انصهرنا فى حضارة الغرب وتبنيناها .

هذه هي الحالة التى لم تتمكن الأمة العربية الاسلامية من الخروج منها ولقد صورها الأدب لا محالة احسن تصوير وعمل على بلورتها وهو دوره لا محالة ولكن دوره ايضا أن يرفضها ويتجاوزها أى فى الواقع ان يرفض هذا الكائن العربي الممزق المتناقض مع نفسه التائه فى صحراء العصر الفاقد لتوازنه الحضارى .

فهل نحن قادرون على شق هذه الطريق والوصول إلى الغاية المنشودة المتمثلة فى التوازن الحضاري . ذلك هو حسب رأيى ما ينتظر العالم العربى من عمل وان دور الأدب والفكر في هذه المعركة لا بد أن يكون كبيرا وأساسيا .

اشترك في نشرتنا البريدية