الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الى القارىء, خطوة أخرى فى سبيل ترقية الكتابة العربية

Share

ما فتئنا في هذه المجلة نهتم بقضايا اللغة العربية ومشاكلها وخاصة ما يتعلق بالكتابة والطباعة ونحاول في كل مرة عندما يجد جديد فى هذا الميدان ان نطلع القراء على ابعاده ونحاسب انفسنا ، نحن أهل العربية ، على الخطوات التى خطوناها والأشواط التى ما زالت تنتظر منا قطعها .

وقد كنا ركزنا بحثنا فى هذا الموضوع على النقطتين التاليتين ( 1 ) : - ضرورة شكل المطبوع لعلاقته لا فقط بتيسير القراءة بل بنوع التفكير . - مواكبة الاختراعات المطبعية لسد هذه الحاجة ( 2 ) . 1 ) ضرورة شكل كل مطبوع :

لقد بينت ان عصور ازدهار الفكر العربي وافقت في الواقع فترة كان فيها العرب يعتمدون على الحفظ الذكى والملكات الشفوية الخلاقة اكثر من اعتمادهم على الكتاب الذي لم يكن إلا اداة رجوع وتذكرة . فالذهن كان طليقا منصرفا الى الحوار الشفوى بالرواية والسماع والجدل مدفوعا الى تمرين الحافظة وتنمتها منصرفا عن التقيد بالمكتوب فقط ناهيك أن القوم اكتفوا فى آخر الأمر بما سميته بالكتابة المنقوصة أى الخالية من الشكل اللهم الا ما كانوا يخافون عليه من اللحن والتحريف كالقرآن الكريم .

ولما تقلص روح الحوار وانتفي الجدل المثمر وحل الذكر محل الفكر واعتمد

القوم على المكتوب المنقوص تجمدت القرائح وانتفي الخلق والابتكار ووافق ذلك عصور الانحطاط والتدهور والجمود .

ثم عندما احتك العالم العربى بالعالم الغربى وعرفت النخبة اللغات الحية وشاعت الطباعة وانتشر الكتاب وبدأت النهضة اكتفى أهل العربية بالكتابة المنقوصة فهم - إلا الاستثناءات التى لا تخلو منها قاعدة - أحد ثلاثة :

- فريق استعصت عليه الكتابة المنقوصة فأخلد الى الأمية أو هرب الى لغة أو لغات أجنبية لأن حركاتها ( voyelles ) فى صلب حروفها .

- فريق اقتصر عل الكتابة المنقوصة فانطبع بالتفكير الملائم لها أى التفكير المفتقر إلى الدقة والتمييز الحصيف إلا المتبحرين فى اللغة العربية المتدربين عليها وهم قلة فى المجتمعات العربية ويمكن اعتبارهم بمثابة الاختصاصيين (وهو ما سأبينه فى هذا المقال وأركز عليه البحث ) .

- فريق بقى يتعامل مع اللغة العربية ولكنه تخلص من آفات الكتابة المنقوصة ( او الطباعة المنقوصة ) بالاعتماد على لغة أو لغات أجنبية وهى النخبة التى نهضت وتنهض بالمجتمعات العربية وتعمل على دفعها فى مصاف الامم المتحضرة والمتقدمة .

ومعنى هذا ان الكتابة العربية المنقوصة أى الخالية من الشكل التى يعتمد عليها الكتاب والجريدة والمجلة لن تكون وحدها فى مجال المقروء ، بالنسبة الى الجماهير العربية أداة ثقافة حقيقية أى أداة تفكير دقيق مميز ووسيلة تكوين عصرى نابه ذكي لا يكون عرضة للتعصب والانغلاق والتحجر والنظر القصير السطحي .

فالكتابة المنقوصة لا تساعد بطبيعة الحال على القراءة الصحيحة الا بعد الفهم الصحيح بينما اللغات ذات الحروف اللاطينية تبيح القراءة الصحيحة قبل الفهم ، وهنا نلاحظ أن القراءة الصحيحة بالنسبة للعربية نادرة جدا ولا يحذقها إلا ذوو الاختصاص وحتى هؤلاء فانهم يترددون فى كثير من الالفاظ ويحتاجون الى الرجوع للقواميس .

وحدث ولا حرج عن الاجانب من غير المختصين الذين يتعلمون العربية ، فانهم يصطدمون - فى رغبتهم في التعامل مع الكتاب والجريدة والمجلة العربية - بعقبة الشكل فيحجمون عن المضي في قراءة هذه اللغة وتخسر الأمة العربية بهذه الصورة اصدقاء لها كانوا - ربما - خير من يعرف بحضارتها ويناصر قضاياها .

وهكذا يلجأ أغلب الناس الى قراءة متعثرة تقريبية ينجر عنها فهم تقريبى غير صحيح ، ينتج عنه بطبيعة الحال تفكير لا يتصف بالدقة والتركيز والتمييز . وهذا أمر يحتاج الى اثباته قطعيا ، الى القيام بتجارب تعتمد الكتابة العربية ( أنا بصدد الاستعداد للقيام بهذه التجارب الآن وقد وجب الاعتناء

بحديقتنا كما قال فولتير على لسان بطله كانديد) (3) .

ولكن يمكن المقارنة مع التجارب التي قام بها الغرب فيما يخص الكتابة اللاطينية رغم سهولة قراءتها ويسرها اذ جزم العلماء عندهم انه كلما كانت القراءة سريعة ازداد الفهم والطاقة على الحفظ لان ما تقوم به العين من عمليات بصرية عندما تتحرك آلة القراءة فى الدماغ ليست متعلقة فقط بالهيكل البصرى البحث بل هي من طبيعة ذهنية لا ترتبط بعوامل قوة البصر وضعف بل بعوامل لها علاقة بملكاتنا الإبلاغية سواء العصبية منها ا والمتصلة بالذاكرة أو الذكاء .

فالعلاقة بين سرعة القراءة والملكات الذهنية للقارىء ثابتة كما أن صورة الحروف لها دخل كبير فى هذه السرعة فيقول أحد الاخصائيين : " يجب النظر في الاسباب التى تجعل العين اذا هي ألقت ببصرها على سطر من حروف " فرامونت " Garamont ) ( أحد مصمى الحروف اللاطينية التيبوغرافية ) تتخطاه بسرعة من دون عراقيل ، منشغلة بالنص ، منصرفة عن الحروف بينما بالنسبة للعين الملقية بنظرها على سطر من حروف " ديدو " ( Didot) ( مصمم آخر للحروف ) تسير ببطء وتسلط نوعا من التفقد يشدها الى الحروف عوضا عن اطلاق العنان للفكر لينشغل بالافكار التى تمثلها هذه الحروف ( 4 ) .

لهذا فانه حان الوقت للتثبت من هذا الموضوع والقيام بالتجارب التى تربط بين المستوى الثقافي للجماهير ، المعتمد فى ركن من أركانه على المقدوء ، وبين هذه الكتابة المنقوصة .

ذلك أن كل ما قام ويقوم به المصلحون سواء فكريا او اجتماعية أو دينيا أو سياسيا يبقى مفهوما على وجهه الصحيح فى نخبة قليلة بينما الاغلبية الساحقة لا تقدر على النفاذ إلى المقروء بصورة مدققة وليس كالمقروء ، كتابا كان أو جريدة أو مجلة ، أدعى الى التدبر والتروى ، وانفذ فى النفس وأحيا للعقل

وانما الوسائل الاعلامية الاخرى وخاصة السمعية البصرية هى آنية تؤثر بسرعة وتزول بسرعة فهي بالنسبة للمقروء كالطيف أمام الكائن السوى ولهذا فانه طالما لم يقرر أهل العربية في أعلى مستوى الكتابة التامة الشكل فان العربية تبقى الى ابد الأبدين عرجاء تحتاج دائما الى عكاز تعتمد عليه ، يتمثل فى لغة اجنبية بينما اصبح فى الامكان اليوم عن طريق السبك بالصورة شكل الجرائد والمجلات والكتب بسرعة غريبة بدون تكاليف اضافية . وهنا ناتي الى النقطة الثانية من بحثنا وهي المتعلقة بتحويل التكنولوجيا . 2) مواكبة الإختراعات المطبعية العربية لأحدث الطرق التكنولوجية :

يجب أن نشير فى هذا المجال الى أن طرقا مختلفة تعد بالمات قدمت فى سبيل حل مشاكل الحروف العربية سواء فى ميدان الرقن أو الطباعة أو التلكس أو الدماغ الالكتروني وكنا نبهنا اليها على صفحات هذه المجلة ودعونا الى البت فيها . ومن حسن الحظ ان الدول العربية اتفقت على طريقة واحدة يجب أن نعترف بأنها هى القادرة على الدخول فى حيز العمل بسرعة . وهي طريقة الاستاذ أحمد الأخضر غزال المغربي مدير معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بالرباط .

ولقد نالت هذه الطريقة (العربية المعيارية المشكولة ذات الشفرة العربية ) ( CODAR - ASV ) (5) موافقة المحافل الثقافية كالمنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم واليونسكو (الدورة 19 نوفمبر 1976 ) وندوة وزراء العرب المكلفين بتطبيق العلوم والتكنولوجيا فى مجال التنمية (الرباط أوت 1976 ) .

وهذه الطريقة هي عبارة عن مجموعة من الحروف المنمطة ( normalises ) صممت لتأليف النصوص وتبليغها باللغة العربية بواسطة التقنيات الموجودة فى ميادين الطباعة والرقانة والاعلامية والمواصلات البعدية  ( telecommunication )  ومزية هذه الطريقة هى انها حلت مسألة الشكل  ولم تبق عقبة تقنية فى سبيل الكتابة العربية الكاملة .

وقد بينت ندوة اليونسكو المجتمعة فى نيروبي سنة 1976 مزايا هذه الطريقة إذ هي نوهت بأهمية الحروف العربية المعيارية والمشكولة فى انتاج الكتاب وتصميم الاعلام ونشر الثقافة ورفع الأمية بالنسبة للغة العربية وأكدت ان ما قام به المعهد في مجال الحروف الطباعية وأمهات الحروف والسبك بالصورة والرقانة وناظم الآلة والتلكس ، هو متماش مع الطرق المستعمله فى

الاعلامية ذات الحروف اللاطينية وممكن تطبيقه على الآلات الخاضعة للمعدات المعيارية العالمية . وعلى أساس هذا أوصت اليونسكو الدول المعنية بأخذ جميع الاجراءات لتطبيق هذه الطريقة .

وان اوجه استعمال هذه الطريقة كلها عملية سواء المتعلقة بـــــ : المحارف الطباعية (Caracteres typographiques ) أو الأمهات المؤلفة السابك للمحارف المتحركة ( Matrices - mobiles ) أو أمهات الحروف ( Matrices - ligne blocالتأليف بالتصوير  (Photo - composition ) او المرقنة ( Machine a ecrire ) أو الشفرة ذات السبعة عزوم ( Codage a sept moments ) أو الابراق ( Telex ) أو الترئية على الطرفي  ( Visualisation sur terminal ) وهي ترئية المحارف على الشاشة المهبطية  بواسطة امهات نقطية ، وبهذا ادخلت هذه الطريقة العربية المشكولة فى ميادين كانت الى حد الآن موصدة فى وجهها ، فهي تمكن العرب من استعمال لغتهم في الوسائل العصرية للتواصل اللسانى فى ميادين المواصلات البعدية والتوثيق والاعلام وتسيير المؤسسات .

الخلاصة :

وبعد هذا فان الذى ينتظرنا عمله أمران : 1) الاسراع بالقيام بتجارب تقنع الجميع بأهمية الشكل واعتبار الموضوع يتعلق أساسا بالنهضة بالجماهير العربية . 2) تطبيق ما اتفقت عليه الدول العربية فى مجال تحويل التكنولوجيا وذلك بحض رجال الاعمال والشركات على صنع هذه الآلات فى الأقطار العربية وتسويقها(6) .

هذا ما جد في ميدان ترقية الكتابة العربية أردت إحاطة القارئ العربى علما به ملاحظا ان التقدم في هذا المجال سائر ، لا محالة ، خطوة خطوة ولكن ببطء كبير . وإننى أمل أن تكون هذه الخطى أكثر سرعة فى ميدان اعتبره مصيريا .

اشترك في نشرتنا البريدية