الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الى القارىء , من أجل تنمية الثقافة

Share

منذ أن تأسست هذه المجلة سنة 1955 لم تن تولى الثقافة فى تونس وفى غيرها من بلاد العالم العناية الكبيرة الجادة وتواكب ، إن لم نقل تسهم ، فى العمل الذي تقوم به دولة الاستقلال لتنمية الثقافة وازدهارها فى هذه الربوع .

وقد قامت تونس المستقلة بمجهود كبير موفق فى تركيز الهياكل الثقافية وبعث مؤسسات الثقافة بصورة جعلت هذا الوجه الهام الاساسى من التقدم والتطور يثرى ما انغرس فى هذه البلاد من أسس قديمة للحضارة ويأخذ مكانة مرموقة فى التنمية الشاملة .

على اننا نبهنا فى مناسبات عديدة الى انه لا يمكن أن يستقيم امر الثقافة فى البلاد على الوجه الذى نريده جميعا إلا اذا هى دخلت الدورة الاقتصادية كعامل من عوامل التنمية تخضع لما تخضع اليه العوامل التنموية الارى ، أى اعتبار الثقافة - علاوة على ما احتوته من وظائف فنية وجمالية واجتماعية ومعرفية - صناعة ككل الصناعات الاخرى .

وهذه هى بالضبط الخطوة التى خطاها النظام البورقيبى فيما صرح وقام به الاستاذ محمد مزالى الوزير الأول ومدير هذه المجلة فى عدة مناسبات إذ قال فى مجلس الأمة يوم 30 ماى 1980 ما نصه :

(( وفى الميدان الثقافى قام النظام البورقيبى بسعى حثيث لتثقيف الجماهير وذلك باحداث الهياكل المطلوبة . وفى هذا الصدد قامت الحكومة بدور أساسى

فى إشاعة ديمقراطية الثقافة ونشر القيم المتماشية مع أخص خصائص الشعب التونسى المتمسك بأصالته وبمبادئ التفتح على العالم .

وان ما امكن تحقيقه فى هذا المجال ليعد كسبا ثمينا يتعين علينا مواصلة اثرائه وتعميقه . ذلك انه اذا كانت الثقافة تهدف الى ضمان مناعة المجتمع بتعزيز قيمه الحضارية والاخلاقية والروحية وبتمكينه من شق طريق المستقبل ، فان الواجب يدعو الحكومة الى تكثيف جهودها من أجل اقحام العمل الثقافى فى الدورة الاقتصادية اذ ان ربط الاسباب بالمسببات فى هذا الميدان ، أعنى العلاقة الجدلية القائمة بين هذين العاملين الحضاريين لم يعد فى حاجة الى الاثبات . فالعمل الاقتصادى رغم أولويته لا يمكن له أن يضمن الرقى بمفرده .

ان الثقافة ليست عملية خلق جمالية فقط ، انها انتاج ايضا وبهذا الاعتبار تخضع الثقافة الى مقاييس القطاع الاقتصادى ومتطلباته ، ففى ميدان الثقافة يجوز لنا ايضا ان نتحدث عن الاستثمار واحداث مواطن الشغل وتنظيم الهياكل والتسويق ولذلك لا يمكن بحال من الاحوال ان يبقى الانتاج الثقافى نشاطا هامشيا أو طفيليا .

ان صناعة الكتاب والسينما والموسيقى ، وكذلك الفنون التشكيلية والمسرح والمعمار وغيرها من النشاطات الفنية تقتضى منا ، على غرار ما قامت به الدولة فى الميادين الصناعية الجديدة على مجتمعنا ، ان نوجد لها التشريع الملائم لازدهارها .

ولا يتعلق الامر بالنسبة الينا ( بتوظيف ) الثقافة وتحميل ميزانية الدولة وحدها العبء كله ، بل اننا سنعمل بما نتخذه من قرارات ، على ان نحسس المستثمرين ورجال الاعمال وعلى ان ندفعهم الى اقتحام الميدان الثقافى للنهوض به ولتنشيطه بتشجيع الدولة وارشادها .

كما ان الامر لا يتعلق ( بتصنيع ) الثقافة وتعليبها بل اننا سنعمل على ان يجد المنتج الثقافى الظروف المواتية للخلق الفنى فى حرية تامة وبمعزل عن الضغوط المستلبة التى ربما تؤدى به الى الزيف والتنكر لقيمه الحضارية .

وبهذا نكون قد وفرنا للثقافة محتوى يغذى هياكل التنشيط الثقافى ويمكن من اقرار تعاون ثقافى متوازن مع كافة البلدان . وفى هذا الصدد يجب تدعيم تمثيلنا الثقافى فى الخارج خاصة عن طريق ملحقين ثقافيين أكفاء يستطيعون ابلاغ اصوات المبدعين من كتابنا ومفكرينا وذوى المواهب من فنانينا )).

وقد كرر ذلك الاستاذ محمد مزالى عند إشرافه على المجلس القومى للنشر ( راجع ملخص الكلمة فى الأصداء من (( الفكر )) السنة 26 ، العدد 3 ، ديسمبر 1980 ص 115 ) وأعاد الحديث عنها أمام مجلس الأمة فى بيانه الذى قدم به ميزانية الدولة لسنة 1981 . وهى نفس الأفكار والآراء التى لم يفتأ يشرحها ويعمقها منذ أن كان أستاذا ثم وزيرا فوزيرا أول .

ولم يكتف الاستاذ محمد مزالى بالقول بل قرنه بالفعل كما هو شأنه دائما لأنه رجل علم وعمل ونضال إذ اتخذت الحكومة أخيرا اجراءات ثورية فى ميدانين هامين من ميادين الثقافة ألا وهما السينما وصناعة الكتاب وترويجه .

ففى قطاع السينما اتخذت الحكومة اجراءات عملية كفيلة بازدهار كل فروعه إذ :

1 ) اوقفت العمل بالأداء على القاعات لمدة خمس سنوات ابتداء من غرة جانفى 1981 . وكان هذا الأداء تستخلصه البلديات ويثقل كاهل المتصرفين فى قاعات السينما .

2 ) أبطلت الأداء الراجع الى صندوق تعصير قاعات السينما إذ أن أغلب القاعات لا تحتاج الى ذلك والبلديات ووزارة الشؤون الثقافية ساهرة على تحقيق هذا الغرض .

3 ) بعثت صندوقا لتنمية صناعة السينما وإنتاجها ، وموارده متأتية من : 6 % تؤخذ من المداخيل الخام للقاعات .

- 1/3 ما يرجع من مداخيل الى الموزع وذلك للقيام بصنع الأفلام الوثائقية التونسية المعروضة فى القاعات قبل الأفلام الطويلة وهذا المقدار يمكن أن بصل الى مبلغ يساوى : 670.000 دينار .

4 ) قررت منح امتيازات لمؤسسى قاعات السينما وذلك باعفائهم من الأداء المستعمل للاستثمار فى هذا الباب ومن الأداء على الباتيندة مدة خمس سنوات .

5 ) صنفت القاعات الى أصناف وصححت تذكرة الدخول .

6 ) أبطلت امتياز الشركة التونسية للتنمية السنمائية والانتاج المتمثل فى التوريد والتصدير وتمكين مؤسسات أخرى من ذلك مع إحداث لجنة قومية للتحرى فى قيمة الأفلام المستوردة .

وهكذا فان هذه الاجراءات من شأنها أن تضاعف من رقم المعاملات وتدفع رؤوس الأموال الخاصة الى بعث قاعات جديدة لها مردود مضمون وصنع 3 او4 أفلام طويلة فى السنة وما يناهز الثلاثين فيلما وثائقيا أو ثقافيا أو خاصا بالاطفال .

ومع ما تقرر من تطهير للمؤسسة السينمائية الحكومية فان قطاع السينما سيصبح قائما بذاته يرتكز على أسس ثابتة مندمجا فى الدورة الاقتصادية للبلاد ذا مردود بعد أن كان هامشيا خاسرا أى أنه سيصبح بحق عاملا من عوامل التنمية ومصدر إشعاع ثقافى فى الداخل والخارج وخاصة مع العالم العربى والافريقى .

وبالطبع فان هذه الاجراءات ستتبعها القرارات الادارية العملية التى تجعلها تدخل حيز العمل بسرعة غير أن هذا ليس من شأنه أن يقفز وحده بقطاع السينما إذا لم يشمر المعنيون بالأمر على ساعد الجد وينبذوا من صفوفهم العجزة المجدبين الذين أصابهم الله بالجدل وحرمهم من نعمة الخلق والعمل وبذر فيهم بذرة الدغماتية والدماغوجية وحبب إليهم الكلاتية totalitarisme نسأل الله أن يشفيهم من ذلك فيقنعوا بالتفرج على الأفلام بعد ان عجزوا عن صنعها .

أما فى ميدان صناعة الكتاب فان أكبر إجراء تم هو ما قررته الحكومة من دعم للكتاب فى نطاق الورق الثقافى عن طريق صندوق التعويض بحيث ينقص من تكاليف الطبع ما يفوق 16 بالمائة وكذلك تطبيق الامر عدد 492 لسنة 1978 المتعلق بتوقيف استخلاص المعاليم الفمرفية والمعلوم على الانتاج بالنسبة الى المواد الداخلة فى صناعة الكتاب .

كما أن الرأى متجه الى تمويل عمليات النشر ومشاريعه عن طريق البنوك فى شكل قروض ذات مدى قصير ومتوسط وادراج صناعة الكتاب ضمن الصناعات ذات الأولوية فى التمويل البنكى بضمان من البنك المركزى .

وأهم إجراء فى طريق الانجاز هو دعم الدولة لتصدير الكتاب التونسي بتحمل نفقات نقله الى مختلف الأقطار العربية وكذلك تشجيع الدولة لعمليات الاشهار .

واذا كان دعم الورق أوجدت له الدولة المبالغ الضرورية عن طريق صندوق التعويض ( 400.000 دينار تونسى ) فان ما يتعلق بالنقل والاشهار لم يتم بعد البحث فى موارده . ويمكن فى هذا الباب أن نقترح اقتراحا لعله يفى بالحاجة ويدفع الى التشجيع على عنصر اتفق الجميع على أنه غير شائع في بلادنا بالقدر الذى نريده ألا وهو المطالعة . فلو أن الدولة تحدث صندوقا للتشجيع على المطالعة وتأخذ موارده من أداء طفيف يوظف على أرباح الشركات والمؤسسات ذات الصبغة الصناعية والسياحية والفلاحية الصناعية ويرجع جزء من هذا الأداء الى هذه المؤسسات بعد الادلاء بما يثبت أنها اشترت كميات من الكتب والجرائد والمجلات والصحف لفائدة عملتها وأعوانها والجزء الآخر من الأداء تسدد به الدولة نفقات النقل والاشهار وتكاليف كل من يبعث مكتبة ويجهزها فى أية رقعة من الجمهورية .

هذه إذن إجراءات هامة ستطور صناعة الكتاب فى تونس وتدخله ايضا فى الدورة الاقتصادية للبلاد وهى تقتضى بالطبع إيجاد الصيغ الملائمة حتى ينتفع منها الكاتب والناشر والطابع والموزع والقارئ .

وهكذا يمكن القول : إننا نعول كثيرا على هذه الحكومة لتقفز بالثقافة القفزة المرجوة وتدفع الادارة على أن تساير هذا العزم وهى سائرة فى هذه السبيل السير الجاد كما أننا نعتقد أنه بدون حماس رجال الثقافة أنفسهم وتفانيهم وجدهم وإخلاصهم لا يمكن أن نصل الى ما نصبو اليه فى هذا القطاع .

اشترك في نشرتنا البريدية