الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الى القارى, الغد، نحن نصنعه . . . لا ننتظره

Share

إن مأساة الانتحار الجماعى التى خططها ودبرها ونفذها فى أدغال (( غويانا )) ( يوم 18 نوفمبر 1978 ) مشعوذ فاسق يدعى (( دجيم دجونس )) ( 1 ) رئيس طائفة (( معبد الشعب )) والتى ذهب ضحيتها 914 أمريكى وأمريكية من الكهول والشبان وحتى الأطفال ، من البيض والسود ، تثير أكثر من الاشمئزاز والاستفظاع والألم : انها مدعاة للتحليل والفهم واستخلاص العبرة .

كيف تحدث مثل هذه الكارثة فى الربع الأخير من القرن العشرين ، وفى الولايات المتحدة بالذات ، أى فى مجتمع متمدن متقدم ، ضرب الرقم القياسى فى الرخاء والوفرة وبلغ الذروة فى العلم والتكنولوجيا ، ويعتبره أكثر سكان العالم الثالث النموذج الذى يحسن النسج على منواله للخروج من التخلف ، والمثل الأعلى الذى يتعين السعى اليه والدنو منه لضمان الأزدهار الاقتصادى والاستقرار الاجتماعى وتوفير ما يطمح اليه الكادحون من سعادة وهناء ؟ . . .

تقول وكالات الأنباء :

. . .بعض الهاربين قتلهم الحراس . أما الاتباع الذين بقوا بالاكواخ الخشبية بدجونستاون ، والذين وقع تكييفهم بتمارين انتحارية (( بيضاء )) عديدة وتم غسل ادمغتهم واستئصال كل لولب فردى فيهم ، فانهم خضعوا للامر ، وسمموا اطفالهم ثم انتحروا .

914 أمريكى من مواطنى أكثر الدول تقدما فى العالم يترشفون بدون سبب ظاهر ، حساء ساعة الحادية عشرة القاضى ويقتتلون بالرشاشات . رجال ونساء واطفال وسط الادغال حيث تتعفن جثثهم المتراكمة . وينظر الضمير الغربى المذعور الى نفسه فى المرآة فلا يتعرف على ذاته . ما هذا الداء الكافر بالنعمة والذى انقض دفعة واحدة ؟

يقول الأستاذ (( جورج ديفرو )) G . Devereux  الذى قضى كامل  حياته يحفر في أحلك دهاليز سلوكنا الجماعى :((  ليس الانتحار ذاته هو الذى يشكل الحدث . انه يكاد يكون منطقيا . لقد كان متفرجو معبد الشعب ، باعتبارهم أفرادا ، شبه موتى منذ تخلوا عن شخصيتهم ليصعوا أنفسهم بين يدى (( دجيم دجونس )) . لقد اختاروا الانصهار فى الطائفة . ولم يعد اضمحلالهم  البدنى  الا طارئا من الطوارىء ، بل نتيجة ((حتمية )) . نحن نعلم أن الموجة العارمة الحالية لوحدة الشعور الزهدية انطلقت من ولاية كاليفورنيا حيث ابتدأ كل شىء بظهور الهيبيين . انها أمريكا طوائف  (( المرمون )) و (( كويكرس )) والتوراة البعثرة . طوائف (( مون )) و (( هير )) و(( كريشنا )) و (( رغورو مهراج )) وقضية (( مانسون )) و (( العين الثالثة )) و ((جماهير بيلى  غراهام )) Billy Graham     المتهلسة ، نشوة عارمة أم بحران حاد ، محدد المكان ، فى أمريكا .

لماذا اصبيت اوروبا بهذا الداء بدورها بعد ان كانت رافضة ؟ لماذا تترك المجموعات السياسية الصغيرة التى تخلصت من أقنعتها المذهبية ، المجال للطوائف التى لم تعد تعير اهتماما لأية ايديولوجيا ، بصرف النظر عن جانبها التصوفى .

يرى(( جاك كورتويرت )) Jaqcues Gurtwirl     أن رؤساء الطوائف الامريكان - وبعد المخدرات والحركة السياسية الطالبية العابرة وبعد تفكيك

حركة الراديكاليين السود وبعد التمردات الحضارية التى لم تف بوعودها - (( يشتغلون )) بتحريك أتعس حطام افرزته الثقافة المضادة .

ويقارن (( جورج ديفرو )) ×G Deveru    الغزو الحالى للنزعات الشرقية المتصوفة بالنزعات التى شهدتها الامبراطورية الرومانية فيما بين عهدى (( مارك أوريل ))  Marc Aurele  و (( قسطنطين )) Constantin عندما هزت روما طوائف جاءت من الخارج ومن بينها المسيحية . .ان مجزرة (( قويانا )) فى نظر (( ديفرو )) ليست انفجارا مرضيا برز فجأة من الماضى . انها مجزرة عصرية ، مثلما كان أنبياء الشرق عصريين بروما ، بعد (( مارك أوريل ))

ويتساءل أحد محررى (( ليبيراسيون )) Lineration ما عما اذا كان الامريكان يحطمون هنا ايضا ، كل أرقام العصرية ، ام أن المجتمع الامريكى هو أعفن المجتمعات .

ان فى الحرية المخيفة ، الحرية التى لم يسبق لها مثيل ، والتي نشهدها اليوم دون ان نعرف كيف نضطلع بها ، ما يبعث على الدهشة .

يقول جان فرنسوا هيلد     Jean - Francois Held      (لى نوفيل ابسرفاتور 27 نوفمبر - 3 ديسمبر 1978 ) :

روى لى (( جورج ديفرو )) قصة الملكة (( كونا )) Kauna  كما عرفتها فى  مستهل القرن بعثة المانية بميكرونيزى   Micronesie    لقد فقدت (( كونا )) ملكة جزيرة (( نكوورو )) Nukuoro   طفلا صغير السن ، فأمرت بقتل كل الاطفال وباحهاض كل النساء الحوامل حتى يشاركها رعاياها الحداد . ولايبدو  أن القبيلة تذمرت من ذلك . كما لم يتذمر اتباع معبد الشعب عندما أمر (( دجيم دجونس ))  قبيلته بان تموت . فمن (( نورمبارغ ))  الى (( دجونستاون )) مرورا (( بعبادة الذات )) ، لا تنعدم أمثلة الاستقالة.

وأول سؤال يتبادر الى الذهن هو معرفة الاسباب التى أدت بالمجتمع الامريكى وعدد من الدول الاوربية الى افراز هذا الرهط من الملل والنحل ، والى السماح لهذه البدع الدينية بالانتشار والقيام بنشاطها الشاذ وسلوكها المعتوه ! كيف ولماذا تتكاثر الطوائف ويكتسح التصوف الشاذ ضمائر الشباب خاصة :

والواقع ان جماعة (( معبد الشعب )) التى ينكب اليوم على دراستها علماء النفس والاجتماع والاطباء والسياسيون فى كافة أنحاء الدنيا ليست الوحيدة من نوعها . فقد صدر هذه الايام لباحثة فرنسية تدعي (( فانى كورنيولت )) كتاب بعنوان (( فرنسا النحل )) ( 2 ) ذهبت فيه الى أنه يوجد اليوم فى فرنسا وحدها حوالى 300 نحلة ! ومن أشهرها شرذمة مون ( 3 ) وطائفة القمر ، وأطفال الرب ( 4 ) وأتباع كريشنا وغيرها وقد ظهرت أكثريتها فى الستينات واجتاحت موجتها الولايات المتحدة وبلدانا كثيرة فى الغرب فمدت أجنحتها وانشأت فروعا نشيطة لها وجهزت أجهزة فعالة للدعاية والتبشير ومقاومة المناوئين والجاحدين .

وقد يتبادر الى الذهن أن زبائن هذه الطوائف هم من البسطاء الجهلة او المحرومين الحالمين ، الا أن ما صدر هذه الايام من مقالات ودراسات ينفى هذا الرأي . ويبدو حسب ما تؤكده الباحثة (( فانى كورنيولت )) أن 75 % من (( المريدين )) شباب فى العقد الثاني والثالث من العمر وأن مستوى الاكثرية الذهنى والثقافى  فوق المتوسط . وتفيد دراسة قامت بها مؤسسة (( سوفريس )) Sofres الشهيرة بعمليات سير الآراء فى فرنسا حول أتباع نحلة  Ordre Rose - Croix  Armorc  أن 47 % من الرجال و 42 % من النسوة يحملون شهادات جامعية ، وان 22 % ينتسبون الى المهن الحرة . أما اتباع (( مون )) فان نسبه المثقفين منهم ثقافة علمية مرتفعة !

لذلك تكاد تجمع تحاليل علماء الاجتماع الامريكيين والاوربيين وتعاليقهم على أن جموع هؤلاء (( المريدين )) ينتدبون من بين التائهين المحرومين رغم ما توفر لهم من نعمة مادية ورخاء عيش ، من المسحوقين بناطحات السحاب ، الغشاة أبصارهم بأنوار المدينة ، الصماء آذانهم بصخب الشارع ، المتهافتين بالرغم عنهم على الاستهلاك ، المنهوكين بضغوط الاقتصاد ونواميس الجدوى والانتاج ، المتهيبين ، ليل نهار ، من عقارب الساعة تجرفهم الى مآل مجهول

وتجرى بهم نحو مصير محتوم ، فهم مستلبون من أنفسهم ، مغتربون عن ذاتهم ، إنهم متهمون وضحايا فى آن واحد .

ان سلوكهم هو الذى يسهل مهمة (( مشائخ )) هذه (( الطرق )) المعاصرة ، انه (( العبث )) L' Absurde بالمعنى الفلسفى للكلمة المتمثل فى محاولة الافلات من (( نزعات الغرب المادية ومن العنف والسرعة )) كما تقول جريدة (( الابزرفر )) الانقليزية ، والعودة الى الطبيعة والبساطة وأساليب العيش التقليدية ورفض النظافة والتعليم والكفر بالعمل المنظم والتمرد على الجندية والتحلل من الالتزامات والنظم الاجتماعية والازدراء بواجبات المواطن نحو المجموعة القومية واللواذ بالانتحار الذى هو هروب من الواقع الاجتماعى (  5 ) وهو أخيرا العودة المنحرفة المتحجرة الى الدين .

جاء فى تصريح أفضى به مؤخرا جان بول بور     J . B Bourre  الاخصائى فى البدع الدينية ومؤلف الكتب العديدة ، حول أسباب انتشار البدع بشكل خاص فى الولايات المتحدة وفى البلدان المتقدمة عامة ، قوله :

((  ظاهرة البدع فى الولايات المتحدة تعود فى جوهرها الى التقدم التكنولوجى الضخم الذى حققه هذا البلد ، والى الدور الذى يلعبه على الصعيد الدولى . فالانسان الاميركى يشعر أن حريته زائفة وانه مجبر على السير وراء ألة اخترعها . فالنظام الامريكى بتعقيداته يتجاوز قدرة الانسان بعدما أفقده انسانيته . هذا الانسان المسحوق يتساءل : وماذا بعد ؟ وبعد عجزه عن ايجاد الجواب ، عن اعطاء معنى لوجوده ، يتوجه نحو جمعية دينية ، نحو المخدرات ، أو يتحول الى انسان هامشى ، فاقد الوعى بشكل دائم . ومن خلال البدع الدينية يشعر الانسان بواقع آخر ، بأنه يحقق بعض انسانيته من خلال مشاركته الآخرين فى حياتهم . يتمسك بهذا الواقع الجديد ، ويظل متمسكا به حتى من خلال الانتحار الجماعى . فهو يخاف العودة الى مجتمع رفضه ، الى حضارة كشف زيفها والى استغلال يزداد يوما بعد يوم . وسواء كانت هذه البدع محركة أم لا ، فانها تعبر فى جوهرها عن صرخة عميقة أمام فراغ الغرب وحضارته ، وعن أزمة وجود ليس من السهل تخطيها )) .

أما عن انتشار البدع بفرنسا فيؤكد الباحث (( ج . ب . بور )) ان الظاهرة لم تصل بعد الى الدرجة الامريكية . غير أن ثمة جمعيات دينية فى فرنسا منها ما هو مستورد من الولايات المتحدة بالنسبة الى التيارات الروحانية ( مون ، كرشنا . . ) ،  وما هو مستورد من انقترا بالنسبة الى التيارات الشيطانية ، وهى احدى ظواهر المجتمع الانقليزى المهمة )) .

ويضيف : (( منذ خمس سنوات تقريبا بدأ الحديث عن بدع دينية فى فرنسا مع (( مون )) و (( أبناء الآلهة ))  و (( الكنيسة العلموية )) . . . بعدما قدم الى فرنسا بعض المبشرين لنشر التعاليم الجديدة . اما البدع الشيطانية فلم تنتشر فى فرنسا على أيدى مبشرين ، بل قام فرنسيون بالتقاط البدع الانقليزية وتأسيس جمعيات فرنسية مشابهة . أعرف احدى الجمعيات الشيطانية التى تملك مركزا قرب باريس ، وتضم أكثر من 300 عضو . هؤلاء يجتمعون بشكل دورى لتأدية عباداتهم ، ويقومون بذلك بعد ان يتعروا شاهرين سيوفا . وقد انشأت هذه الجمعية فرقة لانقاذ الناس من الاشباح . فاذا ما شعرت يوما ما أن منزلك مسكون بالاشباح ، ما عليك الا ان تتصل بهذه الجمعية فى أية ساعة شئت من الليل ، وما هى الا لحظات حتى تصل اليك فرقة منهم تقوم بطرد الاشباح من منزلك فى مقابل 100 فرنك فقط . فى هذه الجمعية يدفع العضو بين 300 و 400 فرنك كاشتراك فى الشهر )) .

ولما سئل كيف يعيش هؤلاء أجاب :

(( بشكل عام يوجد مركز يجتمع فيه كل الاعضاء ، وفى بعض الاحيان تحدث الاجتماعات فى منزل (( المعلم )) . فى المركز معبد مبنى فى الوسط ، وخلال القداديس السوداء تتم قراءة فصول من الكتاب المقدس الذى كتبه (( المعلم )) بوحى من الشيطان . وفى بعض الاحيان تشترى الجمعية مزرعة كبيرة فى ضاحية بعيدة نسبيا تجرى فيها أغلب الاحتفالات الدينية ( عن (( النهار العربى والدولى )) ، 4 ديسمبر 1978 ، ص 19 ) .

وهكذا يستغل نفر من الشواذ والمعتوهين والمحتالين ضياع هؤلاء المسحوقين الباحثين عن سلوى او ملجأ أو حماية معنوية ، المسافرين - فى الواقع ( 6 )

أو فى الخيال - الى أرض بعيدة ضائعة اسمها الحرية ، المنتظرين مهديا يرعاهم ويرسم لهم طريق السعادة اذا ما اتبعوه . . فيخاطبونهم باللغة التى ينتظرونها ويخدرونهم بسحر الكلمة ، فيشعرون ان رياح الابدية تعصف فى رؤوسهم ، ثم تتهاوى ارادتهم وتنهار بقساوة الطقوس وأعباء الانضباط ، ولا يزالون بهم فى هذه العملية المعروفة بغسيل الدماغ - أو انبساط الدماغ ، حسب تعبير ابن الجوزى فى كتابه (( تلبيس ابليس )) ( 7 ) حتى يعزلوهم  - كما يقول الاخصائى الامريكى (( لفتون )) عن العالم الخارجى ويجعلوهم سريعى التأثر بتعاليمهم ، وتتوالى جلسات الاتهام والاعتراف والنقد الذاتى الى أن يتوهموا ان الطائفة التى ينتسبون اليها ستسحقهم اذا عصوا لرئيسهم أمرا أو حاولوا التمرد عليه او الفرار منه .

صرح (( ستيفن )) ابن (( دجونز )) زعيم طائفة (( معبد الشعب )) ، بعد مذبحة ( دجونستاون ) ، أن أباه قد ظهرت عليه بشدة فى السنوات الاخيرة مظاهر

جنون العظمة وكشف عن جرائم ابيه فقال انه أذن مرة بجمع بعض الاطفال وتقييدهم بالحبال ثم ألقى بهم داخل بئر عميقة وهم أحياء ! ( عن واشنطن بوست )

ويقول ج . ب . بور : (( وأذكر أيضا حادثة تلك الفتاة التى كانت تنتمى الى جماعة (( الاخوة البيضاء )) التى لا تزال تقوم بنشاطها ، ومركزها قريب من مدينة فريجيس الفرنسية . هذه الجماعة تملك مساحة شاسعة من الارض ، وتقوم عقيدتها على عبادة الشمس . كل صباح يفيق الجميع من النوم قبل طلوع الشمس ، يرتدون ثيابا بيضاء وينتظرون الآلهة لتأدية صلاتهم . فى احد الايام قام (( المعلم )) بتأنيب هذه الفتاة قائلا لها انها لا تستحق أن تكون من عباد الشمس . فى اليوم التالى أمسكت الفتاة بسكين وغرزتها بقوة فى عينيها بينما كان الجميع فى ثيابهم البيضاء يؤدون الصلاة . انها أرادت ، بفعلها هذا ،  حرمان نفسها بشكل نهائى رؤية الشمس . فالعينان بالنسبة اليها كانتا ترمزان الى علاقتها بالآلهة ، وتأنيب (( المعلم ))  لها كان يعنى رفض الآلهة لايمانها ، ولذلك لجأت الى هذا الحل )) ( عن ((  النهار العربى والدولى )) ، 4 ديسمبر 1978 ، ص 19 ) .

ألا يذكرك ذلك بما حكاه أبو العلاء المعرى عمن سافر الى اليمن وقال ان بها فى عهده جماعة (( كلهم يزعم أنه القائم المنتظر ، فلا يعدم جباية من مال يصل بها الى خسيس الاعمال )) ؟

ألا تتذكر بيت أبى العلاء المعرى :

أقال الله حين عبدتموه              كلوا أكل البهائم وارقصوا لى ؟ !

ثم انى لا إخالك ، وانت تتأمل فى تطور الانسان وتقدمه واستعداده لمواجهة عام 2000 ، الا راجعا بخيالك الى عهود انقضت وطويت طيا فى ذاكرة انسان القرن العشرين الذى خرج من الظلمات الى النور ، فتمر بك قلعة الموت وما كان يأتيه فيها سيدها فى القرن الثالث عشر (1271 ) من تخدير الفدائيين ببنج الحشيش . انه (( داعى الدعاة ))  يهىء بستانا ويحيطه بالجوسق والقصور فلا يدخله الا من انتقاه ليكون من جماعة الحشاشين . (( وكانت على مدخل البستان قلعة عظيمة يعجز أى جيش فى الارض عن فتحها ، وليس لها

مدخل آخر . وكان يستخدم فى بلاطه عددا من الغلمان الذين يميلون للقتال ، تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والعشرين ، وكانت طريقة ادخالهم الى البستان ان يأتى بأربعة منهم على حدة او بستة او عشرة ، ويناولهم قدح شراب خاص حتى يناموا فاذا ناموا أمر بحملهم على الاكتاف ونقلهم الى البستان فاذا افاقوا وجدوا أنفسهم فيه وكانوا حين يفيقون ويرون انفسهم فى ذلك الموضع البهيج الرائق يحسبون انهم فى الجنان وقد أحاطت بهم طائفة من الحور والجوارى يسايرونهم فتمتلىء نفوسهم لذة . . فاذا أراد الشيخ الاكبر ( داعى الدعاة ) أن يفتك بأمير ما ، قال لاحد غلمانه : قم الى فلان اقتله . ومتى رجعت تحملك ملائكتى الى جنة النعيم واذا مت دون ذلك أرسل ملائكتى اليك يعودون بك الى الجنان . . )) (8)

نعم تلك هى العصور الظلماء ، كما يحلو للكثير ان يلوك ذلك ، أما اليوم وقد انحسرت العقلية الخرافية وادعى أوغست كومت    A. Comte ان عهد الوضعية حل وعم الكون ، وانتشرت العلوم الصحيحة وسيطر الانسان على الطبيعة ، ما عسى ان نقول وبماذا نفسر ما حدث ؟

ولنستعرض على سبيل المثال بعض ما قاله في هذا الصدد نفر من الصحافين والدارسين فى الغرب المنتسبين الى اليمين والى اليسار على السواء .

فى جريدة (( هبدوت . س . ))   Hebdo T . C  التى خصصت ملفها الاسبوعى للطوائف يلاحظ جورج باقى G. Baguei أن كاليفورنيا هى المكان الذى تكثر فيه الكنائس والطوائف ، ذلك ان التسامح أوفر فيها مما هو فى غيرها من البقاع ؟ ربما  . . ولكن ايضا لانه لا يوجد شىء بعد كالفورنيا . هذه الولاية التى هى فى أقصى الغرب ، توجد ايضا فى طرف الحلم الامريكى . عندما تخيب حياة المرء فى كالفورنيا فليس له ما يصنع ولا ما يؤمل ، باستثناء ان يوكل أمره لمن يؤكد له قرب قدوم اليوم الذى يعود فيه الناس جميعا الى أرض الميعاد الامريكية ليسود فيها كالالاه باعتباره هو النخبة . ليس لك ما تصنع الا ان تغمض عينيك عن الواقع الخارجى وقد اصبح لا يطاق ، وان تضيع وسط الجماعة وان تغرق معها فى الليل والموت . )) ثم يختم مقاله

قائلا : (( هكذا تنتهى (( الاديان )) الضالة . ان جنون انبيائها يبعث بها الى الطين الذى جبل منه الانسان )) .

ويتساءل (( كلود بونجون Claude Bongean فى مجلة (( لوبوان )) Le poin بخصوص شخصية (( دجيم دجونس )) من أى أعماق المجتمع ما بعد الصناعى ، برزت هذه الآلهة الوحشية ؟ ))  ثم هو لا يجيب !

ويقول مراسل (( فيغارو ماقازين )) Figaro Magasine  بنيويورك :

(( ولم تكن فى الخمسينات صورة الحلم الامريكى المتمثل فى اكتساب دار جميلة وفى انجاب اطفال وسيمين وفى امتلاك سيارتين ، وقشدة مثلجة فى كل صحن ، لم تكن هذه الصورة مهددة الا من قبل وحوش خرافية من اصل نباتى او حيوانى : نمل عملاق أو أشجار خانة ، ولكن ذلك لم يكن مجسما ألا فى السينما . ثم جاء  (( تشارلز ما نسن )) Charles Manson ومعه كلمات الحب المكتوبة بالدم . وقد نزل الستار على عيد الزهور فى صيف الهبيين . لقد أزاح المسيح الدجال غطاء صندوق باندورا الكالفورنية .

وفى طرف الحلم الامريكى نعرف افتتان بعض الكواكب السينمائية مثل (( كيم نوفاك )) Kim Novak  بالشعائر الشيطانية ، ولكن ذلك لا يتجاوز عرافة الحى . وها هو ذا الوحش البارز فجأة من الصحراء مع اتباعه ، ينفخ ريح العدم (( ان تشارلز مانسون هو الذى )) بعث من جديد كابوس اللامعقول وموجة التقنيات الروحانية والرفاه الجسدى )) .

وتذكر ((  جاكلين ريمى  (( Jacqueline Remy  و((  الان دى بننستر )) Alain de Penanster فى مجلة (( الاكسبريس )) قاتل (( شارون تيت ))  SharonTat    ليبينا أن هناك طوائف فى الولايات المتحدة وفى بريطانيا تنتسب اليه . ويقولان : (( ان الطوائف تطمئن من تجلبهم باعطاء الموت معنى، انها تخلصهم من عقدة الذنب ، اذ تحيط الاعتراف بالاخطاء وتسليط العقوبات بجملة من الطقوس . .  ان (( دجيم دجونس )) برفضه مواجهة ما تسميه الطوائف بالتفتيش ( الاخلاق ، الشرطة ) ظن فى بحرانه انه يعيد الاعتبار لقضيته وأنه يخلق اسطورته . . وقبل ان يقتل وقبل ان يموت صاح (( دجيم دجونس )) أماه . اماه . )) الأم الكونية التى تبرر كل شىء . ان منتحرى معبد الشعب

ادركوا - عن صواب او عن خطأ - ان الموت آخر فرصة تتاح حتى لا تنحل طائفتهم وحتى يبقوا عالقين بالخيال الجماعى )) .

ويقول (( جان فرنسوا هيلد )) Jean Francois Held  فى مجلة (( لى نوفيل أبسرفاتور )) استنادا الى تأملات الاستاذ (( جورج ديفرو ))  G . Devreux     المختص فى التحليل النفسى العرقى ومدير مدرسة  الدراسات العليا :

(( لقد رجت كالفورنيا فعلا شجرة العادات المكتسبة حتى كسرت اغصانها . مراجعة كل شىء ، محاولة كل شىء . ولكن هذا التنظيف ، واعادة النظر الواسعة فى العادات ، تمس فى الكثير أو فى القليل  مجموع العالم الغربى ، حيث يرتعش اليقين الآلى الذى تجاوزته الاحداث . ان الاتصال بين البشر ردىء والا لما تحدثوا عن التبليغ بهذا الاطناب )) . ويؤكد الكاتب ان ما حدث فى (( دجونستاون )) ليس حادثا بل علامة ، مستشهدا بالسيد (( ديفرو )) الذى يتساءل : (( هل من قبيل الصدفة ان يتحدث الذين يحتلون الصف الاول فى الساحة الفكرية الباريسية حديثا لا يفله البتة ، حديثا خاليا من كل محتوى بقدر ما هو محرك للعواطف )) ( انظر جريدة لوموند 1978/11/29 ) .

ان أطنانا من التحاليل السياسية والنفسية والاجتماعية ظهرت وستظهر فى الأسابيع القادمة حول قسوة العصر وارتباك الشباب وحول الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية والبروتستانتية وشعور الناس بتخلى الرب عنهم . .

وسيردد نفر من القانعين القاعدين على سبيل التسلى والتعزى والتصبر قولة الفيلسوف الالمانى شوبنهاور : (( ان البشر كالقنافد فى ليلة قارسة البرد ، اذا تقاربوا جرح بعضهم بعضا واذا تباعدوا ماتوا بردا ! ))  ( 9 )

أما نحن ، فبوصفنا مسؤولين ومربين ، نؤمن بالفعل وبقدرة الإنسان على التجاوز وهو الذى كرمه الله وميزه بالعقل عن الحيوان ، وهو الذى حمل الأمانة بعد ان عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ، ولو

ظلم نفسه بذلك وجهل ما ينتظره من صعوبات ، لا تقنع بتحليل بعض علماء النفس او الاجتماع ، (( الفرائجية ))  وأحيانا (( الشمائتية )) ، بل نسعى الى الفهم والى العمل فى آن واحد ونتحلى بالشجاعة لنصدع بما نراه حقا وخيرا وصلاحا للفرد والجماعة .

إن العالم أصبح يفتقر اليوم الى الروحانيات ، وان البشر ساعون الى فك  لغز الماورائيات ، ولم تفد العلموية فى ذلك شيئا بل انها تضافرت مع سيطرة الاقتصاد فى العالمين الرأسمالى والماركسى على السواء ، لمضاعفة قلق الانسان واطلاق العنان لأنانيته وتغليب ما فطرت عليه نفسه من فجور على ما ألهمته من تقوى .

ونحن فى العالم الثالث ، والعالم العربى الاسلامى ، خاصة ، ملهوفون الى تحقيق النمو - وحق لنا ذلك - لنوفر الازدهار والكفاية ، غير ان تفتحنا على الغرب لم يمكنا فحسب من التكنولوجيا ووسائل العمل والحياة الجديدة والخبرات الضرورية ، بل أعشت أضواؤه أبصارنا وبينما نفرك أعيننا ولا ندرك أين نحن من حضارة الغرب وأسلوب حياته ، تنفث فى وجدان أجيالنا الصاعدة وفى عقول كفاءاتنا العلمية والادبية الناشئة سموم هذه الحضارة من جانبها السلبى الذى اكتفينا فى هذا المقام بذكر شهادات بعض أقطاب التفكير والتحليل فى الغرب عنها ، حتى لا يقال وحتى لا يقول بعض التائهين حضاريا فى ديارنا اننا متعصبون او مصابون بحنين الى الماضى ، بل حرصنا على (( أن يشهد شاهد من أهلها ! )) .

إن هذا الشذوذ والانحراف والانحدار الى الحيوانية والشهوانية والشعوذة تصوره الافلام والمسلسلات التلفزية ويمثله المسرح ويعبر عنه الأدب وهى تستهلك جميعها بحجم زادته الوسائل السمعية البصرية نجاعة خارقة ونسأل أنفسنا ماذا فعلنا لوقاية أبنائنا وتلاميذنا من دون ان نرجع بهم الى الوراء فيكاد الجواب أن يكون صفرا ضخما !

والأدهى والأمر من ذلك كله أن يكون رد فعل بعض الناس فى أوطاننا الانطواء على النفس والتعصب الدينى والانغلاق الحضارى ، وأن يستغل بعض المشعوذين هذا الشباب الباحث عن الاستقرار النفسى استغلالا سياسيا او اقتصاديا كما كان يفعل شيخ الحشاشين وكما فعل دجيم دجونس فى أدغال غويانا وكما لا يزال يفعل آلاف الدجالين والمحتالين فى كل مكان .

والسؤال هو كيف نكون طرازا جديدا من الشباب صلب العود ، قوى الشكيمة ، فولاذى الارادة ، وعزيز النفس ؟

وعلى كل فهناك بعض ملاحظات من شأنها أن تهدينا الى تصور الجواب :

- إن فى استيراد حضارة الغرب جملة وبدون تمييز استيرادا لهمومه وضياعه وبؤسه الفلسفى .

- إن التقدم العلمى والسيطرة التكنولوجيا والتفوق الصناعى - وان كانت ضرورية كلها - فهى لا تكفى وحدها لضمان سعادة الانسان ، ولو كان ذلك صحيحا لما حدث ما يحدث يوميا فى كل بلاد الغرب من مآس وفجائع .

- إن العقلية الخرافية وجدت فى الماضى وهى موجودة اليوم ، وتعايشت معها العقلية العلمية والوضعية فى كل زمان ومكان ، فلا تفوق لأمة على أمة فى هذا المضمار ، فلكل منها ، متقدمة كانت أو متخلفة ، دراويشها وأسوياؤها ، سفهاؤها وعقلاؤها .

- إن الدين الاسلامى دين العقل والعقيدة معا ، وقد نهى عن البدع ومجد العقل وحرض على الاجتهاد وليس هو مسؤولا عن الدجالين الذين يتظاهرون به ويدعون الانتساب اليه .

- إن التفتح لا يعنى الانفتاح بل ان الاخذ من الغير او الاقتباس منه لا يكونان الا بالاستناد الى سلم قيم ذاتية وبالرجوع الى ايديولوجية أصلية تزيد شعور الشباب بأنفسهم ، وتغرس فيهم الايمان بمستقبل جديد يساهموا فى صنعه ويعتزون بالعيش فيه .

- لا يمكن ان تعتمد هذه الايدولوجية على القيم المادية وحدها ، فلا المال ولا رفاهية العيش ولا الجاه ولا السلطان بقادرة وحدها على الفوز بمعنى الحياة واكسابها مذاقا ونخوة .

- إن انحراف العقيدة - وكذلك الانحراف عنها - كلاهما يقتل ويتلف ما كان مفروضا ان توقظه هذه العقيدة فى الانسان من معانى الحرية والسمو والعظمة والتجاوز والحب .

- ان طرق الوصول الى التقدم عديدة ، انها تختلف باختلاف عبقريات الشعوب وطرافتها واحترامها لنفسها وحزمها فى معالجة أمرها . وان عكس ذلك معناه بقاء الامبريالية والضياع وتقدم التخلف ان صح التعبير ( 10 ) .

- إن الغد لم يعد ممكنا ولا جائزا أن ننظر اليه ولا ان ننتظره بل علينا ان  نصنعه ، أن نكيفه بحسب آمالنا وطموحنا الى العدل والمساواة والاحترام المتبادل والاخوة ( 11 ) ، فلا هيمنة لحضارة على أخرى ولا تفوق لمعسكر أيديولوجى او اقتصادى على آخر ، انما لكل شعب مصيره ومصائر شعوب الدنيا متضافنة يجمعها جدل خصب خلاق ، به تكون مغامرة البشرية فى هذه الحياة الدنيا .

- وهل من وظيفة أخطر بل هل من رسالة أنبل من رسالة الكاتب ( أو الشاعر أو الفنان ) كما ذكرنا بها جوريس Jaures    فى مقام الحديث عن تلستوى  Tolstoi   عندما قال يوم 10 فيفرى 1911 : اننا معشر السياسين ننسى . . أما تلستوى (  الكاتب ) فهو يذكرنا بمن نحن ! انه يعيننا على الرنو بأعيننا الى السماء ، والظفر من جديد بمعنى الحياة ))

- وهكذا لاتقوم الحضارة على العلم والتكنولوجيا فقط بل سيبقى الشعر ما بقى الإنسان حيا خافق القلب ، مضطرم الجنبات باللهيب المقدس .

- إن هذا الرأى بل إن هذا الموقف قد يطمره ركام الحياة العصرية الصاخبة وغثاء ذوى (( النفوس الضيقة أو الصغيرة كما يقول أبو الطيب المتنبى ))  Les ames etroites وتضاحك المنافقين والماديين . . ولكنه سيظل جمرة تحت الرماد ما بقى الانسان !

اشترك في نشرتنا البريدية