ردد العالم اصداء " مكسكو " طيلة شهر اكتوبر المنصرم ، وامكن لمئات الملايين فى الشرق والغرب ان يتبعوا بواسطة التلفزة والأذاعة مشاهد واخبار ابطال الرياضة من نساء ورجال ، وتملك الكبار والصغار التعجب والاعجاب للمستوى الرفيع الذى بلغه " آلهة الملاعب " فحطموا الارقام القياسية وتجاوزوا المألوف وادركوا من المراتب في سرعة الجرى والقوة على الوثب والمهارة في الحركات والروعة فى تنسيقها ، ما كان يعتبر صعب المنال بل فوق قدرة الإنسان .
وانما كان ذلك بفضل رياضة البدن والسيطرة على المشاعر وتسليط العقل وضبط الخطة وبالخصوص بفضل ضرب من التصوف والروحانية يجعل البطل يأخذ نفسه مأخذ الجد ويتخلق بالاخلاق الفاضلة فيقى جسمه من كل عوامل التداعي والتفسخ ثم يقوى على تحمل تبعة التمارين المضنية كل يوم بلا انقطاع ولا فتور .
وإذن فهذه البطولات التى تثير اهات الاعجاب فى كل مكان ليست هبة الطبيعة ولا وليدة لياقة البدن وحدها بل هي ثمرة الذكاء وعلو الهمة ونبل المقصد ورسوخ الضمير وأصالة الشخصية ؛ وهي في ابعد مراميها تجاوز لامكانات الإنسان ، وسيطرة على الجانب المادي فيه ، وربح الرهان الذي يضربه المر في صراعه مع نفسه والطبيعة المحيطة به .
وما كان اجدر بنا - نحن الذين ورثنا عن ثقافتنا القديمة ومجتمعاتنا المتحجرة احتقار النشاط البدني باعتباره مظهرا للتعلق بالمادية وحتى الدهرية والتمسك بشئ من الثنائية يصور لنا - او كان يصور لنا - كمال الروح وتمام الشخصية فى قهر الجسم والزهد فى ترويضه والعناية به - ان نغير نظرتنا إلى التربية والتعليم ونعطى النشاط البدني والرياضى حقه فى البرامج المدرسية كي ينشأ ابناؤنا نشأة متكاملة ويحصل لهم التوازن الضرورى بين الجسم والروح بل ان نيسر لهم فى المدرسة والبيئة الثالثة الحد الادنى من العمل الرياضى الذى بدونه لا ينشط العقل ولا تصقل العاطفة ولا تقوي الشخصية وتفرض نفسها فى معترك الحياة التى هى فى ناحية من نواحيها مباراة كبرى لا تنتهى .
وهل يحق لنا ان نطالب ادباءنا وشعراءنا بان يعدلوا عن نظرتهم الى الجسم نظرة الإحتقار او اللامبالاة وان يكفوا عن اعتباره فقط مصدرا للذة البهيمية والغزل المريض فيخلدوا انسجام الحركة المنسقة وروعة التبارى النزيه ويصوروا مأساة البطل الرياضي وملحمته فى آن واحد وهو يقاوم عوامل الوهن ويقير الألم ويتحدى الطبيعة ويسعى الى تجاوز الذات ثم هو يفوز بعد جهاد مرير بلذة النصر والتعاطف مع آلاف المتفرجين فى حالة درامية ، شبيهة بما يخلقه الفن الاصيل والادب الرفيع ؟
وان الذى نأمله على كل حال هو ان يكون فى انتصار بطلنا الكبير محمد الفمودي حافز للشباب على مزيد تعاطي الرياضة على الوجه الصحيح وعامل تحول في اوساط المربين والاولياء والمثقفين يغير نظرتهم للرياضة ويضيف بعدا حديدا لتصور كمال الانسان وفهم الحضارة العصرية . الفكر

