غامر العقل الغربى فى اختلاق نظرية سخيفة وخطيرة ، على مستقبل سعادة الحياة البشرية ، وهى النظرية التى تنظر الى هذا الكون ، بانه جاء بمحض الصدفة وليد المادة والطبيعة ،
وللسائل أن يقول إذا كان العقل البشرى ذا جوهر اصيل ، ولولا اصالته فى التدبر والاستنتاج ، لما تميز الانسان على الحيوان . ولما ارسلت الرسل اليه تترى تخاطبه بلغة الحجة والحكمة ، فما هى اذن المبررات والدوافع التى حدت بالعقل البشرى فى الغرب ان يختلق هذه النظرية السخيفة والخطيرة معا ؟ . .
والجواب على هذا واقعى ، وهو ذلك الاحتكار والكبت من رجال الكنائس ، للمواهب الانسانية ، وزعمهم بان الدين يريد الانسان وقفا عليه ، يربط مواهبه ويسد على تيارات ميوله ليعيش روحانيا راهبا ، وطبعا ثار الانسان الغربى - لما فيه من اصالة العقل وتيار الغريزة - على هذا الدين المحرف ، الذى يريد من الانسان انسانا جامدا ، ليس فيه شعلة من الطبيعة ، ولا وميض من نور العقل ، ونظر الى الدين نظرة سخرية واستهزاء ، واعتبره خططا
من الدهاء ، خططها رجال الكنائس للسيطرة والنفوذ وحسب .
ولم يكن فى الوقت الذى ثار فيه رجال الطبيعة والعقل على رجال الكنائس ، رجلا واحدا يحمل اليهم فكرة دين الاسلام الحية . وهى ان الانسان مزيج من العقل والروح والغريزة ، لا يستطيع ان يعيش انسانا كما نشاؤه واقعية الحياة الانسانية ، بدون هذه العناصر المتماسكة . وان الدين الحقيقى يجعل لكل واحد من هذه العناصر حقه الطبيعى (( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا )) (( اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا . . واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا )) .
المذاهب الغربية وانفلت الانسان الغربى ، عن دائرة العقيدة الصحيحة ( الايمان بالله والبعث ) ووجد نفسه وجها لوجه ، امام تيار جارف من المادة ، بعد أن فقد شعاع الروح ذات القيم المعنوية الخالدة ، واخذ يفكر فى اختلاف طرق جديدة ، تضمن تضعضع السلوك الانسانى ، والحياة الاجتماعية السعيدة ، فوضع المبادئ الديمقراطية والماركسية الخ وبها أصبح انسان
الغرب انسانا لا دينيا ، فتبدلت الخصائص النبيلة التى كانت تفيض بها عليه الروح - كالعطف والحنان والرحمة بغرائز القسوة والنهم والشره ، وهى الغرائز التى تفيض بها عليه عقيدته اللادينية ( المادة ) .
المذاهب الانسانية كان يهدف الانسان الغربى بوضع المذاهب لكى تكون أداة تضبط السلوك الانسانى وتحقق العدالة الاجتماعية فتعيش الانسانية عيشة رخاء وسعادة فعل كل هذا بايحاء من عقله النافر من الدين ، وانى للقلوب والافكار ان تستجيب لهذه المذاهب الوضعية ، وهى لم تعد تعترف بان وراء هذا الكون قوة الله ، وان وراء هذه الحياة حياة أخرى ؟ !
فانطلق الانسان الغربى ، يرسل أشعة عقله النفاذة الخارقة ، منقبا عن قوى الطبيعة ليستخدمها فى مطامعه وسيطرته ونفوذه ، اكثر مما يستخدمها للانسانية وسعادتها ورخائها ، وبهذا تعرضت الانسانية لحرب مذاهب وأطماع ، فكانت ضحايا الحربين العالميتين وأصبح شقاء الانسانية شقاء ماديا ساحقا .
الذرة والسلام والآن وبعد ان توصل العقل الغربى الى اختراع هذا الدمار الهائل ( الذرة والهيدروجينية ) ، هل تؤمن بعد هذا كله بالاسطورة القائلة : ان مجرد الخوف من الذرة والهيدروجينية
كان لاقرار السلام فى العالم ؟! اذا كنت أيها القارئ تؤمن بهذا ، فان واقع حياة هذا العقل المادى اللادينى تكذب هذا .
ترى لو كانت سيطرة هذا الخوف على القلب الغربى ، أكبر من سيطرة المطامع والنفوذ ، هل سيغامر دعاة الديمقراطية فى لندن وباريس بهذا الهجوم الوحشى على مصر ؟! هذا الهجوم الذى لا يقره شرف ولا قانون ولا عرف ، والذى هدد باندلاع الحرب العالمية الثالثة ، وهل سيغامر دعاة الماركسية بذلك الهجوم الوحشى على المجر ؟ ! هل ترى من خلايا هذين الهجومين للخوف من الذرة والهيدروجينية ، أى منفذ أو سبيل ، الى قلوب هؤلاء الدعاة الماديين اللادينيين ؟ ! ولو كان لهذا الخوف أى صدى فهل سيسعى دعاة المذهبين أو بالاصح المعسكريين ، الى التغلب والسيطرة والنفوذ بكل الوسائل بما فيها الاحلاف واستعمال القوة ؟!
ان مجرد القول بان كلا المعسكرين يخاف الذرة والهيدروجينية ، وان هذا الخوف سيكون سببا فى اشراق فجر السلام العالمى ، لم يعد كافيا . فان دوافع الحياة المادية اللادينية تكذب هذا .
الايمان بالله والبعث ان فكرة اشراق فجر السلام العالمى ، لا يمكن أن تكون حقيقة واقعية ، بالخوف من الذرة أو الهيدروجينية ، وانما تكون حقيقة واقعية بالخوف من قوة اعظم من الذرة
والهيدروجينية تلك القوة هى ( الايمان بالله والبعث ) هذه القوة هى التى تهب من الامم على مختلف اجناسها أمة واحدة ، لها انسانيتها المثلى . وهى هى التى تحقق العدالة الاجتماعية وتضبط السلوك الانسانى ، وتهب للانسانية كل حقوقها المسلوبة .
لقد وجد بعض كبار عقلاء الغرب أنفسهم وجها لوجه ، امام هذه الحقيقة ، حقيقة وجود الله وحقيقة البعث ، وهذا احدهم الدكتور ا . ج . كرونين ، يتحدث فى مقال له نشرته مجلة المختار فى عدد شهر يناير ١٩٥٦ م بعنوان ( لهذا آمنت بالله ) ذكر فيه ان طلبة الطب معروفون بضعف ايمانهم بالله ، وانه واحد منهم كان لا يؤمن بالله ، ثم تحدث عن وقائع حية رآها فى حياته ليس لها أى مصدر مادى ، ولكنها تصدر عن هذه الحقيقة الحية ، الايمان بالله . .
كيف يستدل على وجود الله ويتحدث الدكتور كرونين بلغة الحجة والمنطق حول هذه الحقيقة فيقول : ( اننى هنا اتحدث عن الايمان بالله ، فهذا الموضوع يستحق اليوم اهتماما اكبر من أى يوم آخر فى تاريخ الانسانية ان نصف هذا العالم يحمل حملة عنيفة على الدين وعلى فكرة وجود الله ، بينما النصف الآخر من العالم لا يعبأ بالمعنى السامى الله ، والمعنى الحقيقى لحياتنا . ولا الاخطار التى تهدد حياتنا الروحية .
ونحن لا نستطيع أن نبرهن على وجود الله ، كما نبرهن على المعادلات الرياضية ، ولكن اذا تأملنا الكون
وأسراره وعجائبه ، ونظامه ودقته , وضخامته وروعته ، فلا بد ان تفكر فى اله خالق ، من ذا الذى يتطلع الى السماء فى ليلة صافية ، ويرى النجوم اللانهائية وهى تتألق بعيدا ثم لا يؤمن بان هذا الكون كله ، لا يمكن أن يكون وليد الصدفة العمياء ؟
وعالمنا هذا وهو يدور فى الفضاء فى حركة دقيقة منظمة ، وفى فصول متتابعة . . هذا العالم لا يمكن ان يكون مجرد كرة من المادة ، خالية من الدلالة ، قد نزعت من الشمس والقيت فى الفضاء بلا معنى ولا سبب ؟ ) .
ولا يقف الدكتور كرونين عند هذه الحقائق ، التى تتحدى رجل المادة ، ولا يستطيع ان يواجهها بالنفى ، بل يستمر يناقش القارئ نقاشا عقليا مليئا بالحكمة والحجة , فيقول : ( اطرح عن رأسك ان شئت ، كل ما قالته الكتب المقدسة عن الله وعن العالم ، وان الله قد سوى العالم بيديه فى ستة أيام ، واقبل - ان شئت نظرية التطور كاملة ، وتتبع الخليقة منقوشة على الحفريات ، وتتبع سير الانواع وترقيها حتى بلغت صورة الانسان ، واقبل كل النظريات العلمية التى قامت عليها . فانك ستواجه لغزا غامضا وسرا عميقا ، لا يمكن أن نقول ان هذا كله قد صدر من العدم ، فلا شئ يخرج من لا شئ ) .
خفوق عالم ملحد ويستمر الدكتور كرونين ، يدلك
على حقيقة وجود الله بحادثة واقعية , بطل امامها تلك البحوث الهائلة , التى بذلها علماء الالحاد فى نظرية بداية العالم وتطوره ، فيقول : ( ومنذ بضع سنوات عندما كنت فى لندن ، نظمت ناديا للشبان ، ودعوت اليه أحد المشتغلين بعلم الحياة ، ليلقى محاضرة للاعضاء ، وقد اختار هذا الباحث الممتاز ، موضوع محاضرته عن (( بداية عالمنا )) ، وتحدث باسلوب العالم الملحد ، وجعل يصف عصور الآيون السابقة على التاريخ ، وكيف تحولت الارض على مر هذه العصور من الغازية الى السيولة الى الصلابة . وكيف ان الارض كانت مطمورة فى مياه المحيطات ، وكيف ان الامواج تعلو وتهبط على القشرة الأرضية وكيف ان القشرة الارضية قد تكونت نتيجة تفاعلات طبيعية كيمائية ، وكيف ان هذا التفاعل مع الزبد قد أدى الى تكوين سطح الارض التى نعيش عليها ، ومن هذه الارض ظهرت الحياة الاولى على هيئة بروتوبلازم . وعندما فرغ المتحدث من محاضرته , صفق له الحاضرون ، تصفيقا مهذبا , ولكن تلميذا وقف فى صورة عصبية وسأله : لا تؤاخذنى يا سيدى . لقد حدثنا عن الامواج الهائلة التى كانت تضرب الشواطئ ولكن كيف وجدت هذه المياه كلها أول الامر ؟
وساد صمت كله حرج ، واحمر وجه الاستاذ المحاضر . وقبل ان يجيب بكلمة واحدة ، اغرق الموجودون فى الضحك ، لقد انهار منطقه الحديدى ، بسؤال من تلميذ صغير .
ايمانه بالبعث ثم يفند الدكتور كرونين التعليلات السخيفة ، التى يتخذها الماديون سببا لعدم الايمان . ويجيب عليها بمنطق التحدى والواقع ، فيقول : ( والعقبة الكبرى التى تقف فى وجه الايمان امام اناس كثيرين ، هى وجود الشر والالم بين الناس ، كيف يمكن الايمان بالله مع وجود العواصف المهلكة ، والفيضانات المغرقة , والمجاعات والأوبئة ، والزلازل والبرق المحرق , والرعد الصاعق والموت فى أقسى صوره . . ؟ ان هذه الأشياء الشريرة لا تدل على وجود اله كامل خير .
ومما يؤسف له حقا ، اننا فى هذا العصر المادى لا يشغلنا الا البحث عن اللذة ، وننسى ان اللذة ليست كل شئ . وليست نهاية كل شئ فى هذا الوجود ، فاذا نحن آمنا بالله وآمنا بخلود الروح الانسانية ، فاننا ندرك ان حياتنا ليست تفاهة عابرة . وانما هى تجربة واستعداد وتهيؤ ، وان حياتنا ليست الا لحظة من لحظات الابدية ، وامتحانا لصبرنا ، عندما يجئ ذلك اليوم الذى نقف فيه على أعتاب الآخرة ) .
ايمانه بالقدر ولا يقف الدكتور كرونين عند ايمانه بالله وبالبعث ، بل يؤمن بكل ما يهديه اليه عقله المستنير بقلبه المؤمن من ضروريات الايمان . فهو
يؤمن الى جانب ايمانه بالله وبالبعث بالقدر خيرا كان أو شرا فيقول : ( وحين نرضى عن الشقاء والالم واليأس والاسف ، فاننا نخضع لارادة الله ، وهذا الرضاء المشرق . هو الذى يرينا الله ، فان العقل مهما تبلغ قدرته لا يبلغ الا قشرة واهنة من الابدية ، والله يتجلى للقلب لا للعقل ) .
الاسلام والعقل فى كل اطوار الحياة البشرية ، نجد العقل يبحث ويحلل ويتفلسف , كيما يجد القوة التى يسيطر بها على النفس ، ولكن هذه النفس لا تنقاد القوة ما من وضع البشر أيا كانت ، حتى ولو كانت هذه القوة - الذرة أو الهيدروجينية ) . وان النفس لتنقاد وتسمو وتدفع العقل الى التفكير المنطقى السليم ، عندما نسمع نذيرا ومبشرا من تلك القوة العظمى التى يأتى بها الانبياء من عند الله .
وفى مجاهل اطوار الحياة البشرية ، نجد عقولا تهتدى الى هذه الحقيقة , ولا تلبث ان تنادى بها بالطريقة العامة . فهناك حيث الجاهلية العمياء ، وحيث الهمجية وعبادة الاصنام ، قام قس بن ساعده الايادى الجاهلى ، فى سوق عكاظ خطيبا ينادى قريشا والعرب الى النظر والتدبر حول حقيقة وجود اله عظيم ، غير تلك الالهة الصماء وحقيقة حياة اخرى غير هذه الحياة .
ومما حيث الحياة المادية الجافة الغليظة . وحيت الانسلاخ من الدين .
وحيث الانطلاق الوحشى ، يكتب الدكتور كرونين - وأمثاله كثيرون - عن هذه الحقيقة ، حقيقة وجود الله والبعث .
ولذلك فانا لا أشك لحظة ، فى أن تعثر العقل الغربى فى حياته اللادينية ، السبب التزمت والكبت من دعاة الدين المحرف لن يدوم ، وان لهذه المبادئ المتطاحنة جدا . انها سوف تتداعى وتنهار ، عندما يقف دعاة الروح والعقل والغريزة ، ينادون العالم الى التدبر لسر وجود هذا الكون ، والى رجوع الانسان الى فطرته الطاهرة النبيلة والى الحرية الفكرية فى حدود القيم الانسانية الشريفة ، والى استخدام مواهب العقل لسعادة الانسانية ورخائها . .
الاسلام والانسانية ان الانسانية لتنظر بايمان ، الى تلك الرسالة التحررية الكبرى ، التى دعا اليها محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ، والتى حررت الجنس البشرى من عبادة العباد الى عبادة الله ومن العنصرية الى وحدة الجنس ( كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى الا بالتقوى ) .
وأى رسالة أجدر بانقاذ الانسانية من هذه الرسالة . لقد انبثقت بارادة الله فى قلب الجزيرة العربية . ورفرف علمها فى اصقاع الشرق والغرب , وكونت كتلة اسلامية كبرى ، من عدة شعوب مختلفة الاجناس . من
اندونيسيا الى باكستان الى افغانستان الى ايران الى تركيا إلى شبه الجزيرة العربية بأسرها الى وادى النيل الى طرابلس الى الجزائر الى تونس الى مراكش ، واستطاعت هذه الرسالة ان تثبت وتدوم وتكون هذه الاستراتيجية العظمى الفاصلة بين الشرق والغرب ، الغنية بقوتها المادية للنفوذ والعزة .
انها رسالة لا تزال تتوهج فى قلوب هذه الشعوب ، ولم تنسلخ كما انسلخت الاديان المحرفة ، ولم تنكمش كما انكمش النظام الديمقراطى والاستعمارى الى داخل حدوده فى أوربا ، ذلك لانها رسالة الروح والعقل والغريزة ، وهذه المقومات الحيوية التى تتطلبها الانسانية للنفس والفكر والجسد .
الاسلام والمسلم هل تعرف من انت أيها المسلم ؟ . انك هذا الرجل العظيم الذى ينتمى الى هذه الرسالة التحررية الكبرى ، هذه الرسالة التى تريد منك قائدا روحيا فذا ، يرتفع بالخليقة من عالم الحضيض والفناء ، الى عالم السمو والابدية والخلود . . تريد منك رجل العلم والاختراع والقوة لا للنفوذ والسيطرة ولكن للانسانية وانقاذها وقيادتها الى حيث السلام والكمال .
تريد منك وتريد وتريد ، فهل تعرف الاسلام من انت من الاسلام ؟
جازان

