ان الذى ينظر الى أشد ظواهر المدينه الغربية تأثيرا فى المجموعة الانسانية التى فتحت صدرها لاستقبالها واتجهت بكل قوتها الى تقبلها واستحسانها - يدرك ان تلك الظواهر كانت السبب الرئيسى فى نشر الالحاد والشك فى وجود خالق الكون . . وعن ثم انكار الروح ونسيان العقاب الذى سيجرى فى الآخرة . ثم الوقوف عند حدود الكون المادى المحسوس . . كما كانت السبب في نشر الاباحية . والاقبال على ملذات الدنيا وملهياتها . والاغراق فى الموبقات اغراقا افسد العقول قبل الاجسام ، وهذه الظواهر نفسها كانت المحرك الاول لبعث الاثرة والانانية فى الافراد اذ أصبح كل انسان يرى ان خيرات الارض وثمراتها يجب ان تكون من حقه وتحت تسخيره اكثر من غيره . . اضف الى ذلك ان هذه الظواهر كانت مهمازا كبيرا لنشر الربا وعوامل السحت والرشوة فى كل المعاملات والتبادلات بين الناس !
و كانت نتيجة ذلك ان تداعى صرح القيم النفسية بصوره مروعة . . واتجهت النفوس الى مصافحة الفساد ؛ والاخلاق الى معانقة الضعة و الاستهتار الى درجة ان الحياة اصبحت اليوم خاصة بعوامل الشر اكثر من عصب
بعوامل الخير . . وفى اعقاب هذا التدهور رأينا كيف ظهرت المبادئ الهدامة والطوائف المتطرفة . . كما راينا كيف اضطربت النظم الاقتصادية والشئون الاجتماعية اضطرابا أدى إلى تمزق الامة الواحدة الى احزاب ، وفرق . وطوائف . وكتل . كل واحد منها يعمل ببرنامج خاص ، ولا هدف به الا التناحر والتكالب على تحقيق مسمع سياسية . واهداف لا تفضى الا الى ضعف الكيان الاسلامى وتضعضعه امام كيان الديانات الأخرى .
والذى لا ريب فيه ان المدنية الحديثة قد أخفقت كل الاخفاق فى تحقيق السعادة للبشرية . واقرار السلم والطمانينة لها . والوصول بها الى غاياتها السامية فى الحياة بالرغم من ادراكها الشئ الكثير عن حقائق العلم . وأسرار المعرفة . . وما توصلت اليها فى عالم الابتكار والإختراع . وما حققته من تقدم ظاهر فى مجالات الحياة المادية فى سباق وتنافس بين أهل هذه المعمورة . الامر الذى صرف المجموعة الانسانية كلها عن التفكير والاهتمام بالجانب الروحى فى هذه الحياة الفانيه .
و قد تغلغلت تلك الظواهر الفتاكة
فى نفوس الامم وتطرقت الى اذهان الشعوب فى سرعة متناهية . فكان انتصارها على الحضارة الإسلامية فى هذا القرن بالذات انتصارا كاسحا كما كان تغلبها علينا فى الميدانين . السياسى والعسكرى تغلبا ، مؤثرا تحملناه على مضض . . بعدما تقدم الغرب بظواهر تلك المدنية التى اختارها وانغمس فيها حتى اصبح فى المقدمة . بينما بقينا نحن المسلمين نسير القهقرى رويدا رويدا حتى وصلنا إلى ما وصلنا اليه من تأخر وجمود . . ذلك لاننا نظرنا إلى المدنية الغربية نظرتنا إلى شىء كامل فى مبناه ومعناه . . نظرنا اليها من زاوية واحدة هى زاوية التقليد والمحاكاة فى التافهات من الامور . وفى شئون الحياة الثانوية كاختيار الملابس والازياء وتوفر وسائل العيش الرغيد ، والرفاهية الماتعة. وانشاء الابنية والقصور المنيفة . وكل أسباب الحياة المادية التى اسرفنا فى تحقيقها لانفسنا دون ما نظر او تفكير فى الجوهر الصحيح للحضارة الاسلامية الحقة التى تمتع بها أسلافنا العرب بضعه قرون كانوا فيها الرواد الاول . والقادة العظماء حيث خلدوا ورائهم تاريخا حافلا بالامجاد بقى ذكراه حيا فى كتبنا . وعلى ألسنتنا نتداوله فى فخر واعزاز الى هذا اليوم .
ان مبادئ الاسلام الصحيحة ظلت قوية . ولا تزال كذلك ، وستظل كذلك الى يوم تنتهى الحياة من على هذا الكوكب الصاخب . . ذلك لان هذه المبادئ فيها عصر البقاء
والصلاحية لان تظل سائدة فى كل زمان وفى كل مكان مهما احدثت المبادئ الاخرى ، الاصلية والوضعية ، من ضجة حولها . وتأثير عليها .
ولتعلم الانسانيه حق العلم ان الحياة المثلى للبشريه لن تقوم لها اسس مدعمة الا بارساء اقوى قواعد المبادئ الاسلامية . . ولن تعيش الا تحت لوائها الخفاق . وظلالها الوارفة . وهذا ما يعترف به بعض مفكرى الغرب انفسهم فقد لمسوا فى مبادئهم كثيرا من الوهن . وكثيرا من التضارب وكثيرا من الانحلال . . الامر الذى جعلهم ينظرون الى المبادئ الاسلامية بمنظار الفحص الدقيق ، والحكم العادل . والاعتراف الاخير .
واليوم نلتفت حولنا قليلا فنجد عددا جسيماتمن الافكار الجديدة والمبادئ المتعصبة ، والنظريات المهزوزة - اذا صح هذا التعبير ! - ترقع بين ظهرانينا . وتعيش فى اخيلتنا فى حرية وانطلاق . . ولكنها كلها ستدفع الامم الى اختلافات عارمة وحروب دامية تمزق وحدتها . وتبدد شملها . . ثم تعيدها اخيرا الى رشدها اذا أرادت الرجوع الى تحكيم العقل . والانصياع الى صوت الضمير . . أما إذا لم ترد ذلك فان تلك الاختلافات والحروب . التى تكون قد نشأت عن فساد مبادئها ، وضعف قوانينها الوضعية . وتدهور مقوماتها النفسية - ستكون السبيل المفضية إلى ما فيه مصابها ونهاية مبادئها . . وعندها تنبعث اسباب انتقال السيادة العالمية مجتمعة الى الشرق . مصدر الالهام
الفكرى ، والتراث الادبى ، والادخار الحضارى . . وعندها تقتطف الامم الاسلامية فرصة اخرى تجمع فيها شملها ، وتوحد صفوفها ، وتستكمل حريتها و استقلالها اذا ما ظلت جادة فى أعمالها ونشاطها فى الميادين الحيوية ، والادبية ، والسياسية والعسكرية . . واذا ما ظلت - أيضا - وفية مخلصة لمبادئ الاسلام . تلك المبادئ التى هى بمثابة قوة مدعمة , وقوة مناصرة ، وقوة دافعة لها فى
طريقها المحفوف بالمخاطر والاشواك .
وبعد . . فانى أبصر اليوم بصيصا من شعاع ساطع يبشر بفجر جديد سينبلج عن نهضه عامة قوية ، ووثبة يقظة تدفعنا - فى شدة - الى الامام بخطوات فساح . . تدفعنا الى العمل المجدى المثمر فى حياتنا . . تدفعنا الى ان نجاهد ونناضل لارساء أساسات قوية للمستقبل الذى ينتظرنا ، والمجد الذى سيرحب بنا مرة أخرى .

