* بداية البداية :
سمعت في رأسى بقايا صرخة لم تتجاوز حدود التفكير . وشعرت فى لحظة صفاء وهدوء أن المائدة والكراسى لا تزال تمارس لعبة التحليق فى السقف ، رفعت يدى اليمنى عاليا فى حركة بطيئة بينما تركت يدى اليسرى تسرق الدفء والحرارة فى جيبي . ثم قلت وقد تسرح لسانى بعد تعقده :
- قفوا داخل نفوسكم ، ومن قبل انفه أهديته الواحد الأحد . قلبت نظراتى ، وساهمت فى الحركة ما دامت لا تحسن غير لعبة التحليق رأيت السقف الذى كان يغمرنا بالظل ويزودنا بالاطمئنان يطير لينتصب كسيف فلان فى خط يوازى رقابنا .
وراء النافذة عجوز تخيط أصابعها وقد سقطت نظاراتها على قطعة القماش العذراء . صدمتها بسؤالى وانتظرت ، لكنها كانت تقول كلاما لم أفهمه ، ما دمت لم أكلف نفسى عناء المحاولة . ثم وجهت سؤالى لأحد الواقفين على فكرة الطمع والتمعش فأشار الى بالعداء ، وقال كلاما كثيرا به معان كثيرة . فبصقت وقد انتصب دمل فى لسانى ينزف قياحا وبشاعة . وبقيت أحيا رغم صمتهم .
* نهاية البداية :
انفق صوتى فسمعته يقول :
(( خرافة الارض العاقر قديمة . والسهل العقيم ، المعدوم الفائدة عذر وفتوى للجوعان ، أنا حرثت أرضى بقرن غزال ( ها ! ها ! ها ) فأنجبت ما أنجبت غير مكترثة بصرخات بعضهم . وهى تقول فى كل مناسبة وفى غير مناسبة : تحديد النسل مشكلة فى الرقاع التى تنتج الكثير ، ذا الفائدة القليلة . وكنت أعانقها فى كل مناسبة وفي غير مناسبة ، وأمطرها حبا فائضا وأشواقا فياضة ( ها ! ها ! ها ! ) . ثم صمت ...
رأيت وجهى في مرآة عيونهم فأيقنت أننى لعنة هبطت عليهم من السماء وقلت في لهجة الشوك : « لا وجود للمستحيل إلا في أذهانكم الخاملة . نقبوا الصخور ، أعصروا الحصى ، ارفعوا الارض بسواعدكم ، اشنقوها على فكرة الخير والتخمة . مزقونى في نهاية الطريق وأمطروا أرضى بوابل لعناتكم .
أجابونى إجابة خرساء . وقالوا بعد طول انتظاری : - ها ! ها ! ها ! .
ماءت القطة وماءت ، وتسللت عبر الضياء لتجثم على الجليز البارد بين أقدامى . نظرت اليها نظرة سكرى ، وابتسمت لكى لا يقال أني جامد . ثم وضعت رأسى هدفا لسهام نظراتهم ، فبقوا يحملقون وفي أنفسهم بقايا خرافات تعبق برائحة التعفن وقد مر عليها زمن التحول .
كان كبيرهم ، بين يديه شيشة ، ينفخ دخانها معطرا سماء القاعة . وكانت نظراته زجاجية بلا معنى ولا إيحاء ، هاته النظرات التي غرست فيها إصبعى يوما فنز العرق باردا ، باردا ، باردا .
وفي الجانب الآخر ، تحت النافذة ذات الشكل المثلث ، ذات الاضلع الحديدية المنيعة ، ذات اللون المائى ، ربضت مشكلة طار حلها مع حمى تفكيري يلاعب السقف الثائر ، في خط يوازى رقابنا.
. بداية النهاية :
النور يتسلق النظرات ، الشعاع يثقب الرؤيا . الخرص والخصر ، والنهد يرقص ، والفخد يرقص ، والذراع يرقص ، العطر يسكب رائحته يزكم الانوف ، يسد الانوف ، أطنان اللحم تتلوى ، تتلوى كالافعى ، تصور الايقاع المحرق ، تدفق السم فى الشرايين . فتنطلق الاعضاء في شبه دروشة وليست بدروشة ، اللحم تعفن لمسوه ، ضغطوا عليه ، عصروه بنظراتهم ، شربوه بردا وسلاما على قلوبهم .
صعدت نظارة العجوز لتنتصب أمام عينين فيهما بريق المتعة ، الراقصة تتلوى .
صاحب الشيشة والبطن المنتفخة ، يقفز بفعله على الايقاع ، فتموت النار ، وينتثر الرماد .
الراقصة توزع حركاتها المنسقة على كل لاهث .
العجوز تعانق قطعة القماش ، تمزقها بما تبقى في فمها الأدرد ، الخارب ، تعانق الشيشة ، تلتهم الرماد ، تقفز ، تجرب لعبة الرقص ، يراقصها صاحب الشيشة ، يحطمها ببطنه المنتفخة ، يلتهم بقية انفاسها ، يمزق شعرها الابيض يدفن فيه رأسه ، ويحشو به فمه ليكتم صرخة ثائرة .
الراقصة تتمزق بين الايقاع والايقاع . وقف الكلاب ، طلقوا فكرة الضحك . أكلوا أصابعهم ، سال لعابهم ، سبحوا بين أمواجه ، كسروا الكؤوس على رؤوسهم ، قتلوا ما تبقى من الخرافات ، دفنوها مع الكتب الصفراء عبر هتافهم وصراخهم .
الراقصة تنفلت منها آهات خافتة . السقف كشر عن أنيابه ، أمطرهم كراسى وطاولات ، وأفكارا محمومة ، العجوز يتدفق منها شئ أحمر ، يتدفق فى نظرات منتفخ البطن ، يعانق البطن ظله ويموت في رقصة مجنونة.
الكلاب تسلقوا أنفسهم ، ركبوا رؤوسهم ، أشاروا الى الراقصة ، جثموا تحت أرجلها ، أعلنوا تعبدهم للرقص .
عفستهم الراقصة ، داستهم بألف بصقة ، حطمتهم بألف ركلة ، ثم خرجت تراقص أطيافا وهمية .
. نهاية النهاية :
نظرت . شعرت بالثقبة تتسع وتتسع لتضمنى وجراحى تنزف دما أحمر خامجا ، أخرجت من صوتى صرخة أثلجت مفاصل اليوم ، هاجمت الأشباح الفانية ، أغرس أنيابى عبر عواصف من الصياح وانهار من الدماء .
حطمت السقف والكراسى ، وحطمت نظراتهم البلورية التائهة في البعد كسرت أصواتهم ، قطعت أنفاسهم ، عجنتهم وصنعت بهم تمثالا لمأساتى .
ثم مضيت وبين يدى آثار قصة لا تريد أن تموت فى نفسي ، فأبكى وأبكى .

