الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

الى من لا يحسن الثورة

Share

* بداية البداية :

  سمعت في رأسى بقايا صرخة لم تتجاوز حدود التفكير . وشعرت فى لحظة صفاء وهدوء أن المائدة والكراسى لا تزال تمارس لعبة التحليق فى السقف ، رفعت يدى اليمنى عاليا فى حركة بطيئة بينما تركت يدى اليسرى تسرق الدفء والحرارة فى جيبي . ثم قلت وقد تسرح لسانى بعد تعقده :

- قفوا داخل نفوسكم ، ومن قبل انفه أهديته الواحد الأحد . قلبت نظراتى ، وساهمت فى الحركة ما دامت لا تحسن غير لعبة التحليق رأيت السقف الذى كان يغمرنا بالظل ويزودنا بالاطمئنان يطير لينتصب كسيف فلان فى خط يوازى رقابنا .

  وراء النافذة عجوز تخيط أصابعها وقد سقطت نظاراتها على قطعة القماش العذراء . صدمتها بسؤالى وانتظرت ، لكنها كانت تقول كلاما لم أفهمه ، ما دمت لم أكلف نفسى عناء المحاولة . ثم وجهت سؤالى لأحد الواقفين على فكرة الطمع والتمعش فأشار الى بالعداء ، وقال كلاما كثيرا به معان كثيرة . فبصقت وقد انتصب دمل فى لسانى ينزف قياحا وبشاعة . وبقيت أحيا رغم صمتهم .

* نهاية البداية :

انفق صوتى فسمعته يقول :

(( خرافة الارض العاقر قديمة . والسهل العقيم ، المعدوم الفائدة عذر وفتوى للجوعان ، أنا حرثت أرضى بقرن غزال ( ها ! ها ! ها ) فأنجبت ما أنجبت غير مكترثة بصرخات بعضهم . وهى تقول فى كل مناسبة وفى غير مناسبة : تحديد النسل مشكلة فى الرقاع التى تنتج الكثير ، ذا الفائدة القليلة . وكنت أعانقها فى كل مناسبة وفي غير مناسبة ، وأمطرها حبا فائضا وأشواقا فياضة ( ها ! ها ! ها ! ) . ثم صمت ...

رأيت وجهى في مرآة عيونهم فأيقنت أننى لعنة هبطت عليهم من السماء  وقلت في لهجة الشوك : « لا وجود للمستحيل إلا في أذهانكم الخاملة . نقبوا  الصخور ، أعصروا الحصى ، ارفعوا الارض بسواعدكم ، اشنقوها على فكرة  الخير والتخمة . مزقونى في نهاية الطريق وأمطروا أرضى بوابل لعناتكم .

أجابونى إجابة خرساء . وقالوا بعد طول انتظاری :  - ها ! ها ! ها ! .

ماءت القطة وماءت ، وتسللت عبر الضياء لتجثم على الجليز البارد بين  أقدامى . نظرت اليها نظرة سكرى ، وابتسمت لكى لا يقال أني جامد . ثم  وضعت رأسى هدفا لسهام نظراتهم ، فبقوا يحملقون وفي أنفسهم بقايا  خرافات تعبق برائحة التعفن وقد مر عليها زمن التحول .

كان كبيرهم ، بين يديه شيشة ، ينفخ دخانها معطرا سماء القاعة . وكانت  نظراته زجاجية بلا معنى ولا إيحاء ، هاته النظرات التي غرست فيها إصبعى  يوما فنز العرق باردا ، باردا ، باردا .

وفي الجانب الآخر ، تحت النافذة ذات الشكل المثلث ، ذات الاضلع  الحديدية المنيعة ، ذات اللون المائى ، ربضت مشكلة طار حلها مع حمى  تفكيري يلاعب السقف الثائر ، في خط يوازى رقابنا.

. بداية النهاية :

النور يتسلق النظرات ، الشعاع يثقب الرؤيا . الخرص والخصر ،  والنهد يرقص ، والفخد يرقص ، والذراع يرقص ، العطر يسكب رائحته يزكم الانوف ، يسد الانوف ، أطنان اللحم تتلوى ، تتلوى كالافعى ، تصور الايقاع المحرق ، تدفق السم فى الشرايين . فتنطلق الاعضاء في شبه دروشة  وليست بدروشة ، اللحم تعفن لمسوه ، ضغطوا عليه ، عصروه بنظراتهم ،   شربوه بردا وسلاما على قلوبهم .

صعدت نظارة العجوز لتنتصب أمام عينين فيهما بريق المتعة ، الراقصة تتلوى .

صاحب الشيشة والبطن المنتفخة ، يقفز بفعله على الايقاع ، فتموت النار ،  وينتثر الرماد  .

الراقصة توزع حركاتها المنسقة على كل لاهث .

العجوز تعانق قطعة القماش ، تمزقها بما تبقى في فمها الأدرد ، الخارب ،  تعانق الشيشة ، تلتهم الرماد ، تقفز ، تجرب لعبة الرقص ، يراقصها صاحب  الشيشة ، يحطمها ببطنه المنتفخة ، يلتهم بقية انفاسها ، يمزق شعرها الابيض   يدفن فيه رأسه ، ويحشو به فمه ليكتم صرخة ثائرة .

الراقصة تتمزق بين الايقاع والايقاع .  وقف الكلاب ، طلقوا فكرة الضحك . أكلوا أصابعهم ، سال لعابهم ،  سبحوا بين أمواجه ، كسروا الكؤوس على رؤوسهم ، قتلوا ما تبقى من الخرافات ، دفنوها مع الكتب الصفراء عبر هتافهم وصراخهم .

الراقصة تنفلت منها آهات خافتة .  السقف كشر عن أنيابه ، أمطرهم كراسى وطاولات ، وأفكارا محمومة ،  العجوز يتدفق منها شئ أحمر ، يتدفق فى نظرات منتفخ البطن ، يعانق البطن ظله ويموت في رقصة مجنونة.

الكلاب تسلقوا أنفسهم ، ركبوا رؤوسهم ، أشاروا الى الراقصة ، جثموا تحت أرجلها ، أعلنوا تعبدهم للرقص .

عفستهم الراقصة ، داستهم بألف بصقة ، حطمتهم بألف ركلة ، ثم خرجت تراقص أطيافا وهمية .

. نهاية النهاية :

نظرت .  شعرت بالثقبة تتسع وتتسع لتضمنى وجراحى تنزف دما أحمر خامجا ، أخرجت من صوتى صرخة أثلجت مفاصل اليوم ، هاجمت الأشباح الفانية ، أغرس أنيابى عبر عواصف من الصياح وانهار من الدماء .

حطمت السقف والكراسى ، وحطمت نظراتهم البلورية التائهة في البعد  كسرت أصواتهم ، قطعت أنفاسهم ، عجنتهم وصنعت بهم تمثالا لمأساتى .

ثم مضيت وبين يدى آثار قصة لا تريد أن تموت فى نفسي ، فأبكى وأبكى .

اشترك في نشرتنا البريدية