تونس العروس الباسمة كثغر الام ! المختلجة كالربيع . . الضاربة على أوتار المجد والبطولة ، قد اصبحت الآن ثكلي ، يخيم عليها صمت رهيب ! صمت شعب ارادوا ان يوردوه موارد الذل والهوان . فتململ وثار باجمعه ! . . نثر الرهور فوق قبور من غابوا لتبقى تونس ! ومن ماتوا لتحيا تونس !
ومن فقدوا النور لتبقى تونس فى النور لا صراخ . لا ضجة . لا ازير رصاص ، بل صمت رهيب ! تونس التى انجبت خطباء ارتجت لهم المنابر ! وحملة اقلام وادب عج بهم التاريخ وملاوا عالمه إنسانية ونورا . . قد حبست الآن دمعتها على اكبادها وخنقت لوعتها ، واخفت جدتها لتظهر للامم انها تعرف كيف تصمت ومتى تزار ! . . ولتبين لها مدى انسانيتها وتعشقها للسلم واحترامها لحقوق الشعوب . .
لكن ان غلف تونس الجريح صمت رهيب ثقيل ، فقد فتقت جراح السلم صيحة مدوية مجلجلة ارتعدت لها فرائص الامم برمتها فتعالت ابواقها منددة ناقمة على جرائم الاستعمار . . ولكن ، مهلا : فهو نعش الاستعمار ينقصه مسمار !
اما انت ياتونس ! من ترى انت انت وردة طاب شذاها وانت رملة تحت الجفون ! . . انت نسمة مست جباها علاها من سعيرها كل لون ، فتفتقت اساريرها ثغورا تبتسم ، وشفاها تتمتم بدعة وايمان صلاة الحرية في هيكل السلام ! . .
وانت ، انت الريح ، زعزعا ، تعصف من كل جهة ، وفي كل جهة ! وتصفع كل جبين عات . . تعدو والهول يمشى امامها تحمل الى كهوف الشر كل ما تحمل ريح لتسد عليه بابه فتخنقه روائح نتنة وعفنة . . وتفتق للخير بابا باسما يرنو الى الكون بعيون كأجفان الفجر فتنة وسحرا ! انت العاصفة تزار ، فتنكمش كل نفس دنسية فى وكرها الخبيث . كما تعدو الجعلان الى اوجارها وقد شعرت بدبيب الموت ! تونس الجريح ! للهوى فى مرابعك الغوانى اسرة تقفو قومها حكايات واساطير تتلوها
ورود السهل فتردد صداها زنابق الجبل فى قلب الصخور ! . . وله فيك شفاه براها سعيره فاستحالت آهة على اوتار نسيمك ، في رهية اوديتك وسحر غابك ؛ كما له فيك قلب ينبض لا بما تنبض به القلوب دمه خير يشتاق وطهر يذوب حنينا في بوتقة الالوهة !
تونس الجريح : . . للمحبة في جوانبك شمعة وديعة . يتمتم نورها المتواضع بتراقصه ، حتى الايد ، انشودة السلام على مذابح الخير . . ولقد مرت امام هيكلها جحافل الاجيال صاغرة ، ومضت يعفر " ضميرها " بترابك الابى جبينه ويكحل بنورها الحالم الاحفان
وللخير فى حناياك نداء شكر تترنم به شفاه البؤساء في كل زاوية وكل مأوى كما للبطولة في ساحك ملاحم حمراء ترددها المعاقل والبطون ، وتتعالى في زغاريد العذارى ، وتنطق بها الجراح فى كل بقعة ، كما تدوى بها رهبة القبر . . حاضن الحشاد
واليوم ! لم يتالب عليك الاستعمار وانت حفنة تراب في يديه ؟ لم يكشر عن انيابه ذئبا فاغر الشدقين يريد ابتلاعك ؟ : ألانك تفرغين جام الظلم الذي يعب منه لتترعيه محبة وسلاما ! ؟
الانك النعجة ، ابدا تنشد الحرية والامان والذئاب قد فطرت على الافتراس فلا يحلو لها الا الدماء البريئة ؟ . . ام لانك الشعب استأسد يريد الحياة حرة كريمة تحت راية زعيم حر كريم .
لم يمزق اذيالك ؟ ويقلق عليك عيشك حتى ليتساوى عندك الليل والنهار فتنظرين بالف عين على الف باب ؟
ألان من صدرك تفجرت ينابيع الشهادة فتدفقت دماء صبغت امجاده فضل طريق ذاته ؟ ومن قلبك الدامى انبثقت الحرية الدامية فلا تطمئن الا الى ظلال الجراح في صدور شهدائك . . ولا تتذوق النشوة الا في سماع الاناشيد ، تتمتمها في رهبة القبور شفاه هذه الجراح
ألان من دم العروبة الدفاق في عروك استقى ابناؤك فتعالوا ذرى ! وضاءوا شهبا تهدي للنور من لفه الليل بوشاحه ! ؟
تونس الجريح ! انا مؤمن بأن الحوادث لن تفت من عضدك . . ولن تخرجى منها الا اشد قوة وامنع سيادة : لان صوت الحق هو الذي يجلجل فى افواه ابنائك . .
وفي ساحك ستلقى مصيرها الحدثان !
