الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الي القارى، غياب النقد

Share

أقول غياب النقد لا انعدامه لان النقد فى تونس موجود كالظل يلازم المرء وهم متوار او كالمراة المحجبة لا يعرف ما وراء نقابها هل هو الجمال او القبح، الجدة أو البلى ، الشباب أم الشيخوخة.

النقد في تونس متوار ، محتشم ، خجول . النقد في تونس مختنق ، مبحوح الصوت ، خافته. النقد في تونس اصابه الشحوب والهزال ، فأقعده عن النهوض واقفا على قدميه، صلب العود ، جرىء الهيئة ، فحل المواقف.

اغلب الظن أن ليس من متتبع للحركة الادبية والفكرية والثقافية بصورة عامة الا وهو ضجر من وضح النقد في بلادنا،متبرم منه،متسائل عن اسباب تدليه إلى هذه الدركات .

فكيف يعقل ان يكون بيننا من كتاب القصة والمسرحية والبحوث والدراسات والمقالات من لا يمكن ان ينكر قيمتهم أحد، ومن الشعراء جدد وقدماء من اعترف لهم الجمهور بالشاعرية والسبق ولا يندس بين صفوف  هولاء وأولئك ناقد واحد اشتهر بهذا الفن وكرس جهوده باطراد لتقييم الاثار  الادبية والفنية واختص بطب بنات الافكار وعصارة الاذهان.

والناقد طبيب يتصدى لكل مولود جديد يفحصه ويقلب اعضاءه ويتثبت من سلامة باطنه وظاهره ويحدد درجة اكتماله وحظوظه من العيش الطويل حتى يشب بين القراء صلب العود بهى الطلعة موفور الصحة مرتقب الحضور بعد ان احيط بكل عناية ووقى من الآفات والعلل والادواء بالعلاج والدواء .

واذا غاب الطبيب أو عجز وعز الدواء لعلة اصابت المطبب او حادث طرا له فمن يتعهد المولود الجديد بالعناية والحدب ، ومن يأخذ بيد الشاب عند  عثراته والكهل من جراء إرهاقه . لنبحث عند ذلك عن طبيب للناقد خوفا من ان يستوي الحال عند المتطبب والمطبب والمداوى والمداوى.

قد يقول البعض كفى من المبالغة والمقارنات التى لا تسمن ولا تغنى من جوع ولا تشفي من علة لان "الطبيب بطبه  ودوائه لا يستطيع دفاع مكروه أتى"  ثم ان النقد موجود على صفحات الجرائد والمجلات ووسائل الاعلام عامة . نعم، الحديث عن الكتب الجديدة وعن أعداد المجلات التى تطلع من فصل إلى آخر والعروض الخاصة بأنواع الفنون ، والهجمات المتفرقة نحو البرامج الاذاعية والتلفزيه كل هذا موجود ومرغوب فيه لأنه تعريف واعلان  ولفت انتباه . ولكن النقد والناقد أين هما من كل هذا . فهما في  "غيبة تطلب"، "فتدرك".

ان" الطبيب بطبه ودوانه لا يستطيع دفاع مكروه اتي "، فما هى أسباب  هذا المكروه الذى اصاب حياتنا الادبية والفكرية او بصورة  اخري ماهى دواعي هذه الغيبة - غيبة النقد - عنا ؟

اهى قلة الانتاج الادبى والفكرى والثقافى بصورة عامة، وهى قليلة لا محالة لتقاعس وسائل النشر خاصة لا لعقم من المنتجين . ورغم هذا فان آثارا لها قيمتها ظهر منذ الاستقلال الى اليوم وهي محتاحة إلى التقييم ومواصلة اصدار الاحكام عليها او لها . ولو سلمنا بقلة هذا الإنتاج فانه ليس اقل حجما مما صدر فى الثلاثينات من الاعمال الإدبية والفكرية وقد صاحب ذلك حركة نقدية فيها سلبيات كثيرة ولكنها كانت موجودة لا محالة .

أم هو عزوف الجمهور القارىء أو غيابه أيضا ؟ وليس بين ايدينا الى اليوم بحث مستقصى عن القارئ التونسي : ماذا يقرأ ؟ وكيف ؟ ومتى ؟ ولماذا لا يقرأ ؟ اهي القطيعة بين الكتاب والشعراء التونسيين وبين الجمهور نظرا لاختلاف المشاغل والاهتمامات أم هو تحول جيل كامل من الشباب الى المطالعة باللغة الفرنسية دون العربية واتجاهه كما قال بعضهم الى الشمال يستمد بضاعته الثقافية منه مستهلكا الى حد الهلكة بينما سوق الاديب التونسى لم يجدها لا فى الشمال ولا فى الجنوب ؟

أم هي انقسامات " المثقفين " الشكلية ، الشخصية ، الهوائية التى لا تستند فى اكثر الاحيان على دواع ثابتة مدعمة هي التى أغرقت الجو الثقافى فى هذا الغياب " المازوشى" الذي لا يدل على لامبالاة بل هو " القدر الدقيقة" التى لو تجد متنفسا وبقي ما فيها يأكل بعضه بعضا مآله فى اخر الامر الى انفجار او تبخر ؟

أم هو ما يشكوه بعضهم - في الزوايا والاركان لا محالة - من ان المناخ العام في البلاد لا يشجع على الإصداع بالرأى في حرية وطلاقة ، وان وسائل الإعلام غير قابلة لفتح أبواب النقد ولسان حالهم يقول : نحن ننتظر الوقت الذي تمنح لنا فيه حرية التعبير ، فلنتوا كل اليوم ولنهتم باشياء أخرى تعود علينا بالنفع " المادي طبعا "وهم اعرف الناس بأن حرية التعبير والتفكير تستلزم النضال والكفاح والتضحية والشجاعة . ولا أعلم أن أحدا رائده حب تونس وصلاح المجتمع صد عن ذلك أو تحمل تبعات ما كتب اللهم الا معنويا ؟

أم أن الذين هم اقدر الناس على النقد وحذق اساليبه ومعرفة مذاهبه وهم الاساتذة الجامعيون قصروا في هذا الباب وانشغلوا عنه بالدراسات والبحوث التى لا تحرك الجو الثقافي ولا تهز أركان الحياة الفكرية والأدبية ؟

أم هم الادباء لم يوحدوا صفوفهم ولم يهيئوا لانفسهم المناخ الذي فيه ترتفع أصواتهم وبه تتوفر أسباب انتعاش النقد ؟

أم ان المسؤولين على حظوظ الحياة الفكرية والأدبية لم يضبطوا سياسة واضحة تأخذ بعين الاعتبار كل المعطيات الايجابية والسلبية مع ايجاد خطة تتبعها اجراءات عملية مدققة بها ينتعش هذا الحقل المصاب بمكروه ؟

كل هذه التساؤلات قد تثبت عندما توضع على محك الواقع وقد تتهافت ولكن لها على الاقل وجها من وجوه الصحة ان عالجنا ما اثارته من أسباب غياب النقد اصلحنا جانبا من وضعنا الفكرى والادبى وانطلقنا به فى طريق مفتوحة تؤدى الى مواكبة مجتمعنا المتطور وتجنيبه العثرات ودفعه دفعا نحو ما نصبو اليه جميعا من تقدم لبلادنا وازدهار .

فمسؤوليتنا من أجل حضور النقد بعد غيابه مسؤولية جماعية ما فى ذلك شك وهى سلسلة حلقاتها يجب ان تكون متماسكة والا فان عملنا يتعثر ويدخله الوهن . ومع هذا فان كل موضوع مما ذكر لا يمكن علاجه على حدة بل من الواجب التصدى الى المسألة جملة حتى تنتعش الحياة الفكرية والادبية عامة .

على انه من الحتمى ان نولى مسألة النقد عناية خاصة وان نعقد الملتقيات لتحليل اسباب هذا الركود وتقصى دواعي هذه الغيبة وان نرصد جوائز سنوية لأحسن ناقد يقدم نقده فى حجم كتاب بعد أن اثار اهتمام الجمهور وافاده وحرك الحياة الثقافية تحريكا يشهد له به أهل الذكر .

بهذا وبغيره تقدر على تلافى هذا الغياب وابعاد هذه الغيبة .

اشترك في نشرتنا البريدية