الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

امام الوميض ؟

Share

كنت اسجل يوميا الاحداث التي تلم بي .. ، اسجلها جميعها واضفي عليها شيئا من نفسي وانفعالي ... ولكني كنت انساها بسرعة عجيبة ..

ومرت اشهر عديدة ولم اسجل يومياتي . مرت مثقلة ولكني لا ادري ما صرفني عن تسجيلها ...

ورايت ان اعود ، اليوم ، الى يومياتي ، في شخصية جديدة ، متنكرا لما كنت ، فاطرح بكل يسر كل هذا الذي سجلته طيلة ست سنوات ...

ووقفت مبهوتا ، مذبذبا امام قلمي ارمقه فى غمرة من الافلاس ..، فاحاسيسي خرساء ، متناقضة ، يحيط بها الابهام ...

لقد نسيت هذه الاحداث التي لم اسجلها ،.. نسيتها وضيعتها ، ولم اكن اتوانى في تضييعها او تضييع كل شيء في حياتي . ولكن وان كنت هكذا فان تأثيرها باق جعلني احس ان ايامي هاته التي احياها تسير وتتعاقب وتنطوي بدون ان يكون لي فيها اهتزاز بكر ... انها هكذا تسير متثاقلة لا يلفني فيها نسق ذاتي فيه رائحة الشمول ...

وهكذا كنت ارمق الاشاء تتشكل وتتكاثف ثم تنمحي كالاشباح ، ارمقها في ذهول اعمى ...

وحاولت أن ألاحق هذه الاشباح . ألاحقها واطاردها ولكنها استعصت فسكنت ...، سكنت وأخذت أقلب صفحات سجل يومياتي في شعور العيفان ، القلق ، .. ووقفت لاعيد قراءة مقطع من مقال للاستاذ محمود المسعدي : " ... وليت الادب كله ، أو انفتاح العين على الحياة ، لا يزيد على بدئه ويبقى فى اكمامه سمفونية مكنونة كالفجر او كسر الوجود في صميم البارىء لان الوعي ، أو انفتاح البصيرة ، بدؤه أول الماساة الوجودية شيطانية في شيطانية ... " .

لا أدري لماذا سجلت منذ خمس سنوات هذا المقطع ، الذي لم أكن أدرك معناه ولكن العجيب هو اني احتفظت به الى اليوم ...

وهكذا أخذت اسجل يومياتي فى شعور المطارد ، المطارد الذي يلاحق أشباح أفكار متلاشية ، موزعة ، فوضوية .

"... لقد استدعيت ، منذ ايام ، الى حفل أقيم بمناسبة إختتام السنة الميلادية ... وقضينا بعض ساعة تلاشت خلالها كل قيود الجد والصامة و ..الواجب وانسابت في هذا الجو المرح عفوية ناعمة ..، ونسينا ، او نسيت ، الزمهرير العاصف خارج القاعة ...

وانتهى الحفل بالابتسامات والتحيات الآلية ،.. وأذكر أني استدعيت مع بعض الاصدقاء والصديقات الى امتطاء سيارة أحد الزملاء ، ولعل سبب ذلك هو ما كان في ترقب حافلة النقل العمومية من شدة ... وهكذا الفيت نفسي محشوا بين الاجساد المرتعشة ، فقلت في شيء من العفوية :

- الى اين نحن ذاهبون ؟ فردت احداهن : - الى حيث يوجد الدفء !

كنت أعلم أن هذه الاجابة العفوية ليس لها الا اللون الانثوي البريء ولا يمكن ان تكون الا هذا ، لان هذه الشابة مغمورة في نشوة موهومة . . نشوة تتوقع استمرارها طيلة هذه العطلة ..، فهي نشوة " الاعفاء " و الاختلاء " ، و.. الحلم حلم الشاب امام الغد ..، الغد ، ذاك المجهول ...

واذكر أني ودعتها تلك الامسية وهي في غمرة الانطلاق ، وبدت لي كلفة الاحاسيس الفارعة ، المتصاعدة ، الحية ... "

" ... وقابلتها بعد العطلة ، فرايت فيها كسوف المنهوك ، المهوس ، . . وابتسمت لي وأنا أسالها هل حظيت بعطلة موفقة ..، ابتسمت ابتسامة من يضطرب امام عجزه عندما يطلب منه ترجمة احاسيسه ترجمة مخلصة ... اني اعرف مثل هذه الابتسامات ، أعرفها عندما تقترن بشىء من الوعي العميق ، العميق جدا ...

إن ابتسامتها ترافقها علامات الرضاء ..، ذاك الرضاء الذى تقره النفس عند قصورها بلوغ الشأو الذي تتوهمه في عنفوان كل بداية .

وحاولت أن أعيد الى سطح شعوري ابتسامتها تلك " الليلة " ، ولكنى وجدت نفسي امام بداية ونهاية .. بداية ونهاية تلاشت بينهما الابعاد والمقاييس و .. الزمن . نعم الفيت نفسي أمام طفل وشيخ انعدمت بينهما المسافات ...

ولما قالت لي : وانت ؟ فابتسمت محدقا في عينيها ...

" ... وبعد أيام رايتها وقد عادت من جديد لتنغمس في نفس " الوهم " وعادت لها " الحياة " مناغية ،... وسوف تغمرها " الفرحة الكبرى ، الموهومة ، لتبتسم مرة اخرى ،... واخرى بنفس الوقع والحرارة والاحاسيس .. " والتعطش لتعيد الكرة وتبتسم ، وتبتسم في حلقتها المفرغة ، باحثة عن معنى لها في فضاء وجودها ،.. هذا الوجود العظيم ، الهائل . ولكنها لن تتعدى ما هذا ؟ وكيف ؟ ولماذا ؟ ... "

" ... ولعلها أمام هذه الحيرة وهذه الفاقة لا أدري ان كانت لها نهاية أو أمل او ... مفر إلا هذا التلهي أو الغفوة أو ...، الانغماس في هالة الوهم . "

الوهم ! ما هو معدنه ؟ هل له منطق ؟ هل له صفة التوحيد فى ميدان الفكر في ميدان الحياة ، في ميدان الوجود برمته.. ؟

" ... وقلت لها ذات مرة : - ان الوهم عنصر اكيد في حياتنا فقالت : ولكن الوعي ، هو الآخر ، صفة الانسان الاولى ؟ الوعي ! هذه الحالة المرهفة ذات الحساسية المرهفة التي توقفك أمام خضم المعضلات الوجودية متبصرا عميق التبصر . الوعى ! هذه الالتفاتة الوامضة الى " الاشياء " في صفتها الشفافة المجردة ...

فقلت لها : - يبدو أن التقاء الوهم والوعي غير ممكن ، وان وجود كل منهما يبطل الآخر ؟

ولم تجب بل ابتسمت ..، ابتسمت ابتسامتها تلك .

ابتسمت ...! ابتسمت ابتسامتي ... و ... ابتسامتك ... " " وهكذا عدت الى يومياتي لاسجل هذه الخواطر أو هذه الثرثرة . ولكني أعلم أن ظروفا تلم بحياة كل فرد فتغير مجرى حياته نعم اعلم هذا بشئ من الغموض كما تتراءى للحالم الاطياف المتراقصة في غمرة الضباب . ولعل هذا هو الذي لا يجعلني أيأس ويبعد عني القنوط وان كان السأم يملأ وجودي ...

وسأقرأ كثيرا ..، لاني لم أقرأ بما فيه الكفاية بل لم أقرأ حتى ما تحتمه الضرورة .

نعم سأقرأ متى تتفتح لدي الرغبة ، الرغبة العارمة التى لا يصدها أى حاجز ...

اشترك في نشرتنا البريدية