ظلام دامس وظلمة قاتمة ورياح هازجة . . . وكلاب تنبح ولفئران تتراقص فى السقف . واطفال يتشاخرون . دغدغ (( فتح الله )) زوجته المستلقية على ظهرها فما انتبهت . لقد اضناها التعب . المحراث . غسل الحوالى . . . طهى الكسكسى ، دس الزوج رأسه فى شعرها لحظة ، لقد قضت المساء فى نقل الغبار . دغدغها ثانية فما استيقظت وما استدارت لقد ارهقها العمل . وضع يده على صدرها . إنه مبلل . بقرة حلوب . وكلبة ولادة ! انتصب فتح الله واقفا . ثم اشعل وقيدة واتجه نحو ابنائه فى الركن الايسر من ((المعمرة)) صالح ابنه الاكبر خرج عن ((الحسيرة)) وانفرد وقد تلهوث فى البرنوس وحده وترك اخوته السبع يغطى احدهم الآخر . حاول فتح الله ان يتأمل من هذه العلاليش الصغار . على دس رأسه بين رجلي خالد وسعيدة اتخذت من جبة رمضان غطاء وعنقت عروستها التى صنعتها لها اختها حذرية من القش والاطمار . . . لقد حرقته الوقيدة . تألم لحظة وامتص اصبعيه لحظتين . ثم ابتسم واشعل عرفا آخر . وتأمل برأفة . . . حذرية مسكت بشعر اختها الصبية ووضعت رجليها بين فخذى مبروك . (( الزقتيه )) التجأت اليه بعد أن تسببت له اليوم فى طريحة مشرحة مملحة . حذرية مسكت بخصلتى أختها الصبية . ابنته البكر . كأنها لا تريد مفارقتها . سوف لن تكون زوجة لعمار الأفطس . ابنته ما زالت صغيرة . وهى حاذقة وجميلة مثل ((البركوسة الدرعاء)) . سوف يعطيها لأحد (( الرجال )) . صبايحي آجودان قارد موبيل . لو كان أبوك كالآخرين لكنت اليوم فى فراش وثير . عند (( عرفى الحاج مسعود )) . ولاصبحت ابنته او مثل ابنته . مثل صبيحة بنت سالم الوكواك او نبيهة بنت فاطمة الزرقاء . . . أو ٠٠٠ ولكن أبوك رفض أن تمسحى لهم . . . آى . . . أحرقته الوقيدة ثانية . امتص اصبعيه ورجع الى زوجته ليغطيها يجب أن لا تبقى عارية او شبه عارية حتى فى الظلام . اصباه تؤلمانه . . وضعهما فى أنفه . ومخط . . . نقص الالم . يجب أن يتأمل فى ابنائه قبل خروجه . . . لعله لن يرجع . . . من يدرى ؟ اشعل عرفا ثالثا واتجه نحو الفتيلة المعلقة فى مسمار . اشعلها وضع
الفتيلة فى كفه الايسر . نفخ على عرف الوقيدة فانطفأت معه الفتيلة . اشعل عرفا آخر وقرب به من الفتيلة ثم التفت الى خلفه متبعا حركة يده اليمنى ونفخ على الوقيدة ببطء . سال الفاز على يده اليسرى ، نقل الفتيلة الى يده اليمنى ومسح الفاز فى حزام زوجته المعلق فى (( الركاز )) . واتجه نحو صالح . حاول أن يقربه من اخوته . (( أيا عيش البحبوح . مشك وحدك . خلى اخوتك يدفو معاك تحت جرتيلة ها البرنوس . قداش تحب روحك)) كف صالح عن الشخير . حمل فتح الله ابنه بصعوبة وقربه من اخوته وقبله . إيه يا رجال هكا نحبك انزع صباتك يا كبدى !؟ ... أه الكرطابه متوسدها .)) قبله ثانية . إنه ربح مائة فرنك فى بيع ((الأرتى والحلوزي)) وتحصل على الرتبة الثانية فى الامتحان بعد ولد المعلم .. لو كان موش المدير المكي راك سارح بالشياه كيف خوك . دبرتها صحه لك ... آش مش تولي زعمة ! زعمة تجيب الشهادة على بهيمة الملولي . زعمة تولي طبيب وإلا مهندس . وإلا زعمه . كراع البهيم ما تجي زكره )) .
نزع فتح الله لابنه حذاءه برفق فخرجت رائحة كريهة من رجليه . ضحك فتح الله ضحكة خفية وتمتم (( كسكسلا يرجع لاصلا ... جيت البوك ! ثم حاول أن يغير رأس ((يا مخنن ! ارقد مليج باش تنوض بكرى وترد بالك على شويهات سيدك المختار . راجل مليح يحبك ياسر ! بعد رأسك على (( كرعين ها البوال )) . . ثم اتجه الى الركن الآخر حيث تلهوثت أمه فوق السجادة . (( يا شمطا ! يا سببـ شفاى ! اشبيك تلهوثتى كي السطوش ؟ قد اش ريتي من خير ٠٠٠ و ٠٠ قداش ريتى من شر ٠٠٠ آش بلعت ها لمغارة ؟ ٠٠٠ حاول ان يغطيها بكبوط أبيه الذى سرقه - رحمة الله عليه - من جندى المانى بعد ان ذبحه وافتك له خمسة آلاف فرنك يفربعو . فتمتمت وهى حالمة : ما تعبث روحك يعيش ولدى الحنان . وتغطت . متمتمة : ما تعبث روحك . ما يثالث ! قبل يدها النحيفة فى خشوع ورجع الى زوجته واطفأ القازة . وارتمى بجانبها فوق سرير صنعته زوجته من اعواد الطرفاء والكاليتوس والنجم . ثم غطى نصفه الاسفل بالزاورة ووضع يديه تحت
رأسه . وبقى لحظة ينظر فى الظلام الى السقف . ويسطر خطته . كلاب المعمر (( مردينو )) رايماتا . يتسلق الى السطح ويدخل للكورى ثم يخرج من شباك بيت العلفة الى السطح الآخر ويدخل غرفة ابنته (( جيلدا )) المقعدة . تعطيه الفلوس الكل . بدون صياح (( مردينو )) وزوجته (( فرانكا )) فى تونس . سوف يخلص الجربى . يشترى لزوجته فوطه هلالية ولأمه فوطه ماركة تيس . . . من العال . . . ولابنه صالح (( بسكلات )) وشكارة قمح وثلاث شكاير شعير . والملابس لابنائه وستزغرد زوجته عندما تفتح قفة السوق . حلوة شامية . حلقوم . سكر حشيشه خضرة . انزاس مثل الذى رآه فى قفة جاره الحاج ابراهيم . يا سلام . . . وسيشترى لنفسه كبوسا (( ماركة قرمز )) يجب عليه ألا يترك زوجته تعمل فى سانية عرفه . . . بل تتلهى بصغارها . . . وأمه لقد كبرت . يجب عليه ان يريحها من تمليس الكوانين . الدنيا باردة . يجب عليه أن يشترى لها النفه بزايد . ولكن يجب عليه ألا ينسى اصدقاءه ، ولعب الكارته فى الحانوت . كما فعل الحاج امحمد الذى كان (( شوالقيا )) والحاج عمار الذى عثر على جرة باللويز فانتفخ واصبح لا يكلم احدا ولم يعد يقابله فى لعب النوفى (( دبرها صحة ليه )) وهو كذلك سيصبح مثلهم ستعطيه (( جيلدا بنت مردينو الشايط )) كل الاموال . سيغير صوته . سيتنكر طبعا . وسرح به الخيال الى بناء دار وشراء سانية . وسرير ((بالتوماتيك)) يبنن به عند النوم مثل سرير عرفه السابق . هكا إيبنـ.. اشبيك تتهز وتتحط مش تطيح بينا السده ياراجل نن بيتا . . آه يا مرا البرغوث ياسر ! . . . - (( ارفد ! ارفد ! توفقت بالبرغوث.. )) فاقترب من زوجته وقبلها فوق أنفها . ثم على عنقها ثم مسح خدها بيده ووشوش فى اذنها (( تعبتى برشه اليوم . . فلم تجبه . رفع يده الى شفتيها فوجدهما منفرجتين . مسك شفتها السفلى بين اصبعيه وهمس فى اذنها ثانية (( تضحكي يا زعبانة . باش تولي ترفدي على سرير (( بالكاوتشو )) فابعدته بهيجة موشوشة : يزي أمك تسمع . . . يزي توا الشناته ينوضو )) ! . . . وضع يديه تحت رأسه ورجع ينظر الى السقف . (( شئ بهيجة كيف النساوين الكل . . . كلهم ما يحبو كان الهندى . . )) لقد أراد أن يحدثها عن مشروعه الخطير . يجب أن تكون على علم . . . ولكنها لا تريد . . . يجب عليه أن ينجح . أن يحتاط . ان
يتشجع . سوف يرجع أمواله بعرق جبينه . . اضعافا . بالقوة من الطليان الفارس . . . دغدغ زوجته فما استيقظت . وقف منتصبا ثم فتح الباب بمهارة وتسلل الى الخارج . . . أبناؤه جياع والحياة صعبة . يجب اسعادهم . ابنه صالح سوف لن يبيع الحلوزى سوف لن يشتكى اليه من رفقائه الذين ينادونه (( حلوزى )) . سوف يشترى له دراجة ان المدرسة بعيدة . وابنه نحيف ... على يجب عليه أن يريحه من شويهات سيده المختار . . . ويلتحق بالمدرسة . (( تبارك الله من عام الفيرة )) الى الآن . . . سبع سنوات . . (( برونو ولد مردينو )) ربح السارفتيكا وهو كالترد . وكذلك (( جوزيف ولد أندرياس كيف يطلغم تفواش عليه جن وكذلك عبد اللطيف ولد الحاج مبارك عندما دخل المدرسة كان مثل (( الطابو )) . صحه ليهم . . . أولادهم تخرج من بطون أمهاتهم متثقفه . . .
دحرجته الرياح الى سفح الرفوبة . قد ادمت الصخور أقدامه . نسي عفاسه . ومزقت الاشواك تلابيب هندامه . (( هى ممزقة من قبل . آه . . اشبينى هناى . . . ياولا حال . . أحيتى رجلي هذه سانية سى ينعيسى . . . لا حول ولا قوة الا بالله )) . . . لقد اخطأ طريقه . أحس بدوار غريب . لم يخبر زوجته . لم يرد الالحاح عليها . لم يرد ازعاج ابنائه . . . ابنائه الصغار . وهم ينامون كالفراخ . . . جلس على صخرة وتلع رأسه فى كشابيته المجرتلة التى أهداها إليه الحاج بالقاسم بعد ان لبسها اربع سنوات . . . أغمض عينيه فى الظلام . اشباح تتزاحم أمام عينيه المغمضتين زوجته تتقلب كالسمكة التى تصارع الموت . تذكر ليلتهما الاولى عندما افترشا الاوراق النقدية التى تحصل عليها من (( المارشى نوار )) . وكف انه افتكها من المولدى (( بالبونتو )) تذكر أمه . ورأى نفسه . ومشروعه العظيم يتحقق . وهو يتبختر وفى يده اليمنى (( لقاحى )) بالفضه تعمل ستة وستين كيفا وفى اليسرى السابر يور بوفلا . . يا عينى . والجبة كيف متاع الحاج امحمد . . . والبرنوس يوزن عشرين كيلو . . . والبلغة تقزقز . والسطوش بالسلسلة . . . والمنقالة فى الجيب مثل منقالة الحاج عبد الله التى سلمها له الالمانى مع بالة كوارت بعد ان خبأه اسبوعين . والمشية كيف ((الحاج المكنز)) . يا سلاما . . . هكا ... آى ! لقد زلق فسقط مغشيا عليه .
استيقظ فتح الله اثر صياح القوم ونباح الكلاب .
المولدى : هاو هناي . تحت صخرة سيدى بلهويشات ! ... ابراهيم : يا ستار استر . سالم : ها ضوى . . . هزا البارح . أمه : الثاى لله يا ثيدى يلهويثات ! . . . الثاى لله هاثا لذبال .
أم الخير وقد بصقت على وجهه : فتح الله . . ها فتح الله ! واش بيك . واش طرالك . بسم الله ارحمان ارحيم ٠٠ يا ستار استر .
سالم ملتفتا الى أمه : جيبى البخور ؟ هاى بيت ناجى قريبة ! . . . أمه مهرولة مولولة : هاح بينى هاح !... يا حليلى على كبيدى . . . زوجته لاهثة : الشاى لله يا سيدى بولهويشات . . . الشاى لله . نعفد فيك خبط حزامى . . ونذبحلك سردوك فحل .
رمضانة زوجة سالم : سردوك شوى عليه ها بهيجة خويتى !. فرك فتح الله عينيه ثم أخذ يتأمل جيرانه . . . اغتاظ لما رأى زوجته عارية أمام المولدى . فنظر اليها نظرة حنق وحزرة وعندئذ صاح خليفة :
أبعدو عليه . ابعدو عليه . خلوه يستراح ... عينيه زارفين . الراجل مملوك .. )) ابتعد عنه القوم وهم يتأملون فيه بكل رهبة ويراقبون حركاته ، ونظراته برأفة فضولية بدوية . وصلت أمه لاهثة وقربت منه الكانون متمتمة : (( واثبيك ها كبدى ها مضنونى . يا ثتار اثتر ! ها ثيدى بلهويثات راهو وليدك . ها راعى الرافوبة . الثاى لله ها طاهر الثروال . الثاى لله يا غربى . بثم الله الرحمان الرحيم . . . )) فرك عينيه ثانية ثم حاول ان يقف البرد مسفع ورجليه كفشت . وبعد محاولات . انتصب واقفا . ثم اتجه نحو بيته والقوم يتبعونه موشوشين . صامتين . ثم التفت اليهم فجأة ولا يدرى لماذا التفت . رأى المولدى فى المقدمة فصاح : (( وآشبيكم آخى فى زنازه . أيا روحو)) والتفت الى زوجته وصعق فى وجهها : أمن أمتين وليتى تفابلي الرجاجيل )) ... (( أيا مولدى برا اخدم على أيامك وهز جماعتك صاح المولدى : (( الشاى لله . . . الراجل استلبس . ابعدو عليه )) دخل (( المعمرة )) وقعمز على الحجرة التى غلفتها أمه (( مبروكة الثرماء . لتتخذها مخدة ليلا وكرسيا نهارا . أخذ يفكر جيلدا منعت صحة ليها ... انشاء الله نهار السبت القادم )) . . . اقتربت منه ابنته سعيدة . فتأمل من رجليها العاريتين . . . (( بابا ما كش تخدم اليوم . تذكر أن عرفه يترقبه والبغة محرجة . . . أحس بألم فى أقدامه .
س. و. كلية الآداب
